«أيباك» تشدد دعمها داخل الكونجرس بعد تصويت خفض مساعدات إسرائيل
تحرك جديد من «أيباك» بعد تصويت مثير للجدل في مجلس النواب
أظهرت التطورات الأخيرة في واشنطن اتساع مساحة الخلاف داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي بشأن مستقبل المساعدات الأمريكية لإسرائيل، بعدما اتخذت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» خطوات عملية ضد عدد من النواب الديمقراطيين الذين أيدوا تعديلاً لتقليص التمويل العسكري المخصص لتل أبيب. ويأتي ذلك في لحظة سياسية شديدة الحساسية، مع تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة حول كلفة الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، وتأثير الحرب في غزة ولبنان على مواقف الناخبين وأعضاء الكونجرس على السواء.
وبحسب ما أمكن التحقق منه من مصادر رسمية أمريكية ومواقع تابعة لـ«أيباك»، فإن المنظمة التي تعد من أبرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة تواصل تقديم نفسها بوصفها داعماً للمرشحين المؤيدين للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، فيما يستخدم ذراعها السياسي AIPAC PAC بوابة تبرعات رقمية لتوجيه المساهمات الفردية إلى المرشحين. كما تؤكد المنظمة أنها تعمل أيضاً عبر لجنة الإنفاق السياسي المستقلة United Democracy Project لمساندة المرشحين المؤيدين لإسرائيل ومعاقبة خصومهم انتخابياً.
ما الذي جرى في التصويت؟
التصويت الذي فجّر الأزمة جرى يوم 15 يوليو 2026 داخل مجلس النواب الأمريكي على التعديل رقم 8 المقدم من النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي توماس ماسي ضمن مشروع القانون H.R. 8595 الخاص باعتمادات الأمن القومي ووزارة الخارجية والبرامج المرتبطة بها للسنة المالية 2027. ونص التعديل، وفق لجنة القواعد في مجلس النواب، على حظر استخدام الأموال الواردة في القانون لصالح إسرائيل، مع خفض حساب برنامج التمويل العسكري الخارجي بمقدار 3.3 مليار دولار.
ووفق السجل الرسمي لمكتب كاتب مجلس النواب، فشل التعديل بعد حصوله على 104 أصوات مؤيدة مقابل 314 صوتاً رافضاً، مع تصويت 10 أعضاء بصفة «حاضر» وامتناع 9 أعضاء عن التصويت. وتُظهر الأرقام الرسمية أن 103 نواب ديمقراطيين صوتوا لصالح التعديل، في مقابل نائب جمهوري واحد فقط، وهو ما يعكس تحوّلاً لافتاً داخل الكتلة الديمقراطية مقارنة بالمواقف التقليدية للحزب من ملف دعم إسرائيل.
ماذا فعلت «أيباك» بعد التصويت؟
البيانات والمنشورات المتاحة على موقع «أيباك» لا تتضمن حتى الآن قائمة رسمية منشورة بأسماء كل النواب الذين شملهم الإجراء، لكن المؤكد أن المنظمة أعلنت بوضوح خيبة أملها من النواب الديمقراطيين الذين أيدوا تعديل ماسي، وقالت في بيان صدر في 15 يوليو 2026 إنها تقدر النواب الذين صوّتوا ضد التعديل، وتعترض على موقف من صوّتوا لصالحه. كما شددت على أن أعضاءها سيظلون منخرطين بقوة خلال الدورة الانتخابية الحالية والدورات التالية لدعم من يساندون التحالف الأمريكي الإسرائيلي ومعارضة من يناهضونه.
وتشير المواد التعريفية على موقع «أيباك» إلى أن بوابتها السياسية تُستخدم لمساعدة الأمريكيين على التبرع للمرشحين «المؤيدين لإسرائيل». لذلك، فإن إزالة أو تعليق روابط التبرع الخاصة ببعض النواب من هذه البوابة يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجانب التقني، لأنه يعني عملياً توجيه إشارة للمانحين بأن هؤلاء لم يعودوا ضمن دائرة الدعم المفضلة لدى المنظمة، حتى إذا ظل بعضهم مدرجاً في صفحات أخرى على الموقع. وهذه الخطوة، من الناحية السياسية، تمثل رسالة ضغط مبكرة قبل معارك الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة.
لماذا يُعد هذا التطور مهماً؟
أهمية ما حدث لا ترتبط فقط بقرار «أيباك»، بل بطبيعة التصويت نفسه. فمرور أكثر من مئة نائب ديمقراطي إلى خانة تأييد خفض التمويل العسكري لإسرائيل يكشف أن النقاش داخل الحزب لم يعد هامشياً. فبينما تتمسك قيادات ديمقراطية بارزة بفكرة الحفاظ على التزام أمريكي ثابت تجاه أمن إسرائيل، فإن عدداً متزايداً من النواب بات يطالب بربط المساعدات العسكرية بمعايير سياسية وقانونية وإنسانية، خاصة في ضوء الانتقادات المتصاعدة لأداء حكومة بنيامين نتنياهو.
هذا الانقسام برز كذلك في تصريحات علنية لعدد من النواب الديمقراطيين الذين دافعوا عن تصويتهم، معتبرين أن استمرار تقديم المساعدات العسكرية دون مساءلة لم يعد خياراً مقبولاً. في المقابل، رأى معارضو التعديل أن النص كان واسعاً أكثر من اللازم، وأنه قد يمس أيضاً برامج أخرى مرتبطة بالمساعدات أو بالترتيبات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. هذه المفارقة توضح أن الجدل لم يعد يدور فقط حول مبدأ الدعم، بل حول شروطه وحدوده وأدوات استخدامه داخل السياسة الخارجية الأمريكية.
خلفية التمويل العسكري الأمريكي لإسرائيل
بحسب بيان «أيباك» نفسه، فإن قيمة المساعدة الأمنية التي كانت محل الجدل في هذا التصويت تبلغ 3.3 مليار دولار. كما يشير قادة ديمقراطيون في مجلس النواب إلى أن مذكرة التفاهم الممتدة لعشر سنوات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، التي تم توقيعها في عام 2016، باتت على أعتاب نهايتها، ما يضيف بعداً استراتيجياً جديداً للنقاش الجاري داخل واشنطن بشأن شكل العلاقة الأمنية المقبلة بين البلدين.
ومن الزاوية المصرية والعربية، يكتسب هذا السجال أهمية خاصة، لأن أي تحول في آليات تمويل إسرائيل أو في المزاج السياسي داخل الكونجرس الأمريكي ستكون له انعكاسات مباشرة على ملفات إقليمية حساسة، من بينها الحرب في غزة، ومسارات التهدئة، ودور الوسطاء الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر. لذلك تتابع العواصم العربية هذا الجدل بدقة، باعتباره مؤشراً على ما إذا كانت واشنطن تتجه إلى مراجعة فعلية لسياساتها أم أن الأمر لا يزال محصوراً في رسائل سياسية داخلية.
بين جماعات الضغط والتحولات الحزبية
تكشف القضية أيضاً عن استمرار النفوذ الكبير لجماعات الضغط في توجيه التمويل السياسي داخل الولايات المتحدة. فـ«أيباك» تؤكد أنها منظمة جماهيرية تضم 6.5 مليون عضو، وتقول إن تمويلها قائم على مساهمات أمريكيين أفراد، وإن نشاطها يهدف إلى تقوية الشراكة الأمريكية الإسرائيلية. غير أن الجدل الحالي يوضح أن هذا النفوذ يواجه اختباراً مختلفاً، مع ازدياد عدد النواب الديمقراطيين المستعدين لتحمل كلفة سياسية وانتخابية مقابل تسجيل اعتراض واضح على استمرار الدعم العسكري لإسرائيل بالشكل القائم.
- تاريخ التصويت: 15 يوليو 2026.
- رقم التعديل: التعديل رقم 8 المقدم من توماس ماسي.
- رقم مشروع القانون: H.R. 8595.
- قيمة الخفض المقترح: 3.3 مليار دولار من التمويل العسكري الخارجي لإسرائيل.
- نتيجة التصويت: 104 مع، 314 ضد، 10 حاضر، 9 لم يصوتوا.
- عدد الديمقراطيين المؤيدين: 103 نواب.
في المحصلة، لا تبدو خطوة «أيباك» مجرد رد فعل عابر على تصويت برلماني خاسر، بل جزءاً من معركة أوسع داخل الولايات المتحدة حول تعريف «الدعم لإسرائيل» وحدود الاعتراض على سياسات حكومتها. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية، من المرجح أن تتحول هذه الواقعة إلى اختبار مهم لقدرة جماعات الضغط التقليدية على ضبط إيقاع الحزبين، في وقت تتسع فيه الفجوة بين المؤسسة السياسية الأمريكية وقطاعات من الرأي العام، خصوصاً داخل المعسكر الديمقراطي.