Akhbar Cairo

إيران تتمسك بإغلاق هرمز وتربطه بإنهاء الحرب والعقوبات

طهران تجدد موقفها: مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق بسهولة

عادت قضية مضيق هرمز إلى واجهة التوترات الإقليمية بعد تصريحات جديدة من نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، الذي أكد أن المضيق لا يزال تحت السيطرة الإيرانية، وأن استئناف الملاحة بصورة طبيعية لن يحدث إلا ضمن شروط سياسية وأمنية أوسع، على رأسها رفع الضغوط الاقتصادية وإنهاء الحرب بشكل مستدام على مختلف الجبهات. وتأتي هذه الرسائل في لحظة شديدة الحساسية لأسواق الطاقة ولحركة التجارة الدولية، بما يهم مصر أيضا بحكم موقعها في قلب خطوط الملاحة بين الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس.

التصريحات الإيرانية الأخيرة جاءت في سياق نفي الرواية الأمريكية التي تحدثت عن إزالة ألغام أو عن تقدم يفضي إلى عودة كاملة للممر البحري. وبحسب ما نُشر عن مواقف غريب آبادي، فإن طهران تعتبر أن ما يجري في المضيق لا ينفصل عن معادلة الحرب والعقوبات، وأن قواعد العبور في زمن الصراع تختلف، من وجهة نظرها، عن الترتيبات المعتادة في أوقات السلم.

ماذا قالت إيران تحديدا؟

في الأسابيع الأخيرة، كرر كاظم غريب آبادي التأكيد على أن أي فتح للممر لن يكون عودة تلقائية إلى الوضع الذي كان قائما لعقود، بل جزءا من تفاهمات جديدة تتعلق بمسارات عبور السفن وإدارة الحركة البحرية بالتنسيق مع سلطنة عُمان. كما أشار إلى أن المحادثات بين طهران ومسقط تركز على ترتيبات مؤقتة ومختلفة عن النموذج التقليدي الذي حكم الملاحة في المضيق خلال العقود الماضية.

وفي موازاة ذلك، أظهرت تغطيات حديثة أن الخطاب الإيراني الرسمي ما زال يربط الملف البحري بمطالب أوسع تجاه واشنطن، تشمل تنفيذ التزامات أمريكية ووقف الضغوط الاقتصادية. كما أن طهران تواصل تقديم المضيق باعتباره جزءا مباشرا من أمنها القومي وأداة ردع استراتيجية في الحرب الدائرة.

ممر صغير جغرافيا.. ضخم اقتصاديا

الأهمية الاستثنائية لمضيق هرمز لا تعود فقط إلى موقعه بين الخليج العربي وبحر عُمان، بل إلى كونه واحدا من أهم نقاط اختناق الطاقة في العالم. وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن التدفقات عبر المضيق في عام 2024 والربع الأول من 2025 مثلت أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا، ونحو خمس استهلاك العالم من النفط والمنتجات البترولية. كما يمر عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم.

هذه الأرقام تفسر لماذا تتابع دول المنطقة، ومن بينها مصر، تطورات هرمز بدقة شديدة. فأي اضطراب طويل الأمد هناك لا ينعكس فقط على أسعار الطاقة والتأمين البحري، بل يمتد أيضا إلى قرارات شركات الشحن بشأن المسارات البديلة، وهو ما قد يؤثر بصورة غير مباشرة على حركة التجارة المارة عبر البحر الأحمر ثم قناة السويس.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟

بالنسبة لمصر، فإن متابعة ما يجري في هرمز ليست شأنا بعيداً. فقناة السويس، وفق بيانات الهيئة، تبقى ممرا محوريا يربط الشرق بالغرب، كما أن أي توتر ممتد في الممرات البحرية الإقليمية يضغط على سلاسل الإمداد العالمية ويرفع كلفة التشغيل والتأمين والشحن. وكانت هيئة قناة السويس قد أكدت في أكثر من مناسبة أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة تركت أثرا مباشرا على معدلات الملاحة وعلى عائدات القناة منذ عام 2023، بالتوازي مع اضطرابات البحر الأحمر.

ومن منظور اقتصادي أوسع، فإن ارتفاع المخاطر في هرمز قد يعني زيادة الضغوط على أسعار الخام والغاز، وهو ما ينعكس لاحقا على كلفة الطاقة والنقل والسلع في أسواق عديدة، بينها أسواق تستورد عبر البحر الأحمر والمتوسط. لذلك فإن أي انفراجة في هذا الملف لا تُقرأ فقط بوصفها خبرا سياسيا، بل أيضا كمؤشر محتمل على اتجاهات التجارة والتموين والطاقة في محيط مصر والمنطقة الأفريقية الأوسع.

عُمان في قلب الترتيبات

المعطيات المتاحة تشير إلى أن سلطنة عُمان تلعب دورا محوريا في البحث عن صيغة لتنظيم عبور السفن. وقد أفادت تقارير حديثة بأن مسؤولين من إيران وعُمان ناقشوا نهجا مرحليا لإدارة المرور البحري، في وقت لا يزال فيه المضيق شبه مغلق بعد شهور من الحرب، مع استمرار المخاطر على السفن التجارية.

هذا المسار العُماني مهم لسببين: الأول أن مسقط تملك موقعا جغرافيا وسياسيا يجعلها طرفا ملائما للوساطة البحرية، والثاني أن أي تفاهم عملي بشأن الخرائط أو مسارات العبور قد يفتح بابا لخفض التوتر تدريجيا، حتى إذا ظلت الخلافات السياسية الكبرى قائمة بين طهران وواشنطن. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات موثقة على عودة كاملة ومستقرة للملاحة كما كانت قبل الحرب.

بين التصريحات والواقع البحري

رغم التصعيد اللفظي المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران بشأن من يملك زمام السيطرة في المضيق، فإن المؤشرات العملية المنشورة في تغطيات حديثة ترجح أن الوضع أبعد ما يكون عن الطبيعية. فحتى مع وجود أحاديث عن تفاهمات أو ممرات مؤقتة، تظل حركة السفن أدنى من مستويات ما قبل الحرب، كما أن عبور الناقلات أصبح أكثر تعقيدا من الناحية التشغيلية والأمنية.

وتعزز هذه الصورة بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، التي أظهرت في تقديرات حديثة هبوطا حادا في تدفقات النفط عبر المضيق خلال فترات التوتر، وهو ما يبرز أن أثر الأزمة لم يعد نظريا أو محصورا في التصريحات السياسية، بل بات ملموسا في الأرقام المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

المشهد الحالي يفتح الباب أمام عدة احتمالات، أبرزها:

  • استمرار الإغلاق أو التقييد الجزئي مع بقاء العبور مرتبطا بتفاهمات مؤقتة وإجراءات تنسيق مشددة.
  • تقدم الوساطة العُمانية بما يسمح بترتيب ممرات أكثر استقرارا دون تسوية سياسية كاملة.
  • تصعيد جديد إذا فشلت التفاهمات أو اتسعت الحرب على جبهات أخرى في المنطقة.
  • انفراجة تدريجية في حال اقترنت الترتيبات البحرية بتفاهمات أوسع حول العقوبات ووقف الحرب.

لكن الثابت حتى الآن أن طهران تريد تثبيت معادلة جديدة: لا عودة مجانية إلى ما قبل الأزمة، ولا فصل بين الملاحة في هرمز وبين الملفات السياسية والعسكرية الأكبر. وهذا ما يجعل المضيق، بالنسبة إلى العواصم العربية والأفريقية المطلة على مسارات التجارة، ملفا يتجاوز حدود الخليج ليصل إلى أمن الإمدادات وأسعار الطاقة وكلفة الشحن الإقليمي.

خلاصة المشهد

في اللحظة الراهنة، تؤكد المعلومات المتاحة أن مضيق هرمز لم يعد إلى وضع الملاحة الطبيعية، وأن إيران لا تزال تربط أي فتح كامل للممر بإنهاء الحرب ورفع الضغوط الاقتصادية. وبينما تتحرك عُمان على خط الوساطة، تظل أسواق الطاقة وشركات الشحن والدول المعتمدة على التجارة البحرية، ومن بينها مصر، في حالة ترقب حذر. فمصير هذا الشريان البحري لا يحدد فقط أمن الخليج، بل يؤثر في شبكة أوسع تمتد إلى البحر الأحمر وقناة السويس وسلاسل الإمداد التي تمس المنطقة الأفريقية بأكملها.