Akhbar Cairo

إيران تجمد التفاوض مع واشنطن وتربط العودة بضمانات

طهران: لا تفاوض مباشر الآن.. لكن قنوات الرسائل لم تتوقف

عادت العلاقة المتوترة بين إيران والولايات المتحدة إلى واجهة المشهد الإقليمي بعد تأكيد طهران، على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي، أن لا مفاوضات قائمة حاليا مع واشنطن، حتى مع استمرار تبادل الرسائل عبر أطراف وسيطة. هذا الموقف يعكس، في جوهره، أن باب الدبلوماسية لم يُغلق بالكامل، لكنه أيضا لم يعد مفتوحا بالشروط القديمة، خصوصا بعد جولات التصعيد التي أعادت تشكيل حسابات الثقة والردع في المنطقة.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذا التطور لا يخص الخليج أو المشرق وحدهما؛ إذ إن أي تبدل في مسار التفاهم أو المواجهة بين طهران وواشنطن ينعكس سريعا على أمن الملاحة والطاقة والتجارة في نطاق أوسع يمتد من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، وهي دوائر تمس مباشرة مصالح دول المنطقة وأفريقيا الشمالية.

ماذا قال عباس عراقجي؟

التصريحات الأوضح صدرت في أكثر من مناسبة خلال عام 2026، حيث شدد عراقجي على أن تبادل الرسائل عبر الوسطاء لا يعني وجود مفاوضات. كما قال إن بلاده لا ترى أرضية جدية لحوار جديد ما لم يتم الاتفاق مسبقا على الإطار العام، والمضمون، وقواعد التفاوض، بما يضمن توازنا واحتراما متبادلا بين الطرفين.

تقارير متطابقة نقلت أيضا أن طهران تعتبر أن استئناف المحادثات لا يمكن أن يتم من النقطة التي توقفت عندها المسارات السابقة، بل يحتاج إلى صفحة جديدة تأخذ في الاعتبار ما تصفه إيران بتغيّر الظروف الاستراتيجية بعد التصعيد العسكري والضغوط الأخيرة. وفي هذا السياق، برز حديث عن مطالب إيرانية تتعلق ببناء الثقة، بينها ضمانات بعدم تكرار الهجمات، إلى جانب معالجة الخسائر التي تقول طهران إنها تكبدتها.

الوسطاء يتحركون.. ولكن بلا اختراق حاسم

ورغم النفي الإيراني لوجود مفاوضات بالمعنى الرسمي، فإن المؤشرات المتاحة تؤكد أن الوساطة الإقليمية لا تزال نشطة. مصادر إيرانية وتصريحات منسوبة لمسؤولين في طهران تحدثت عن دور تؤديه دول صديقة في المنطقة لإعادة فتح قنوات الحوار وترميم الحد الأدنى من الثقة. كما أشارت تقارير أخرى إلى تبادل رسائل مع الجانب الأمريكي عبر وسطاء، بينهم قنوات إقليمية ودبلوماسية متعددة.

المهم هنا أن وظيفة هؤلاء الوسطاء، في المرحلة الراهنة، لا تبدو قريبة من إنتاج اتفاق نهائي، بل أقرب إلى منع القطيعة الكاملة وتهيئة أرضية تسمح لاحقا بعودة الاتصالات المنظمة. هذا النمط من الوساطة ليس جديدا في الملف الإيراني الأمريكي، لكنه صار أكثر حساسية مع اتساع رقعة التوترات وتشابكها مع ملفات لبنان والخليج وأمن الممرات البحرية.

شروط طهران للعودة إلى الطاولة

من خلال ما صدر عن عراقجي وما نُقل في تقارير دولية خلال الأشهر الماضية، يمكن تلخيص الموقف الإيراني في عدة نقاط رئيسية:

  • أولا: لا عودة لمفاوضات جديدة تحت الضغط أو التهديد.
  • ثانيا: أي مسار تفاوضي يجب أن يقوم على قواعد واضحة ومتكافئة، لا على إملاءات أحادية.
  • ثالثا: ضرورة اتخاذ إجراءات لبناء الثقة، بما يشمل ضمانات أمنية تحول دون تكرار التصعيد أثناء التفاوض.
  • رابعا: عدم التعامل مع المرحلة الحالية كامتداد تلقائي للمباحثات السابقة، بل كبداية مختلفة بشروط محدثة.

هذه الشروط تعكس مشكلة أعمق من مجرد ترتيب جلسة تفاوض؛ فهي ترتبط بأزمة ثقة مزمنة بين الجانبين. لذلك، حتى لو استمرت الرسائل، فإن ترجمتها إلى مفاوضات رسمية تحتاج إلى تنازلات سياسية وأمنية متبادلة، وهي لا تبدو سهلة في المناخ الحالي.

لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر وأفريقيا الشمالية؟

من زاوية قسم أفريقيا، لا يُنظر إلى الملف الإيراني الأمريكي باعتباره شأنا آسيويا صرفا. فالتصعيد أو الانفراج بين الجانبين يترك آثارا مباشرة على الإقليم الأوسع الذي ترتبط به مصر وشمال أفريقيا اقتصاديا وأمنيا. أي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية أو أسواق الطاقة ينعكس على كلفة الشحن وأسعار السلع وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تهم الحكومات والمستهلكين على حد سواء.

كما أن بقاء المنطقة في حالة توتر مفتوح يضغط على فرص الاستقرار في محيط البحر الأحمر وشرق المتوسط، وهما مسرحان أساسيان لحركة التجارة والاستثمار. لذلك، فإن مجرد الحديث عن إعادة فتح باب الحوار، حتى إن كان بطيئا أو غير مباشر، يحمل أهمية تتجاوز العنوان السياسي التقليدي.

هل نحن أمام تهدئة أم مجرد إدارة للأزمة؟

المعطيات الحالية توحي بأن ما يجري هو إدارة للأزمة أكثر من كونه اختراقا دبلوماسيا. فإيران لا تريد الظهور بمظهر الطرف الذي عاد إلى التفاوض تحت الضغط، والولايات المتحدة من جهتها لا تبدو مستعدة لتقديم كل ما تطلبه طهران سلفا. وبين الموقفين، تستمر الوساطات في محاولة الحفاظ على خيط تواصل يمنع الانزلاق إلى مواجهة أكبر.

وفي هذا الإطار، من المهم التمييز بين ثلاث دوائر: الرسائل، والمحادثات غير المباشرة، والمفاوضات الرسمية. طهران تقر بالأولى، وقد تتسامح مع الثانية في ظروف معينة، لكنها تقول بوضوح إن الثالثة غير قائمة حاليا. هذا التدرج يفسر لماذا تتحدث بعض الأطراف عن حراك دبلوماسي، بينما تصر إيران في الوقت نفسه على نفي وجود تفاوض فعلي.

ماذا بعد؟

السيناريو الأقرب على المدى القصير هو استمرار التواصل عبر الوسطاء، مع بقاء الباب مواربا أمام تفاهمات محدودة أو خطوات تمهيدية، لا سيما إذا نجحت الجهود الإقليمية في خفض التوتر وخلق مناخ أقل صداما. أما العودة إلى مفاوضات كاملة بين طهران وواشنطن، فتظل مرتبطة بتوافر ضمانات سياسية وأمنية تتيح للطرفين تبرير أي خطوة أمام الداخل والخارج.

في المحصلة، الرسالة الإيرانية الحالية واضحة: لا مفاوضات مع أمريكا الآن، لكن الدبلوماسية لم تمت. وبين الجمود والانفراج، تظل المنطقة كلها، من الخليج إلى شمال أفريقيا، تراقب بدقة ما إذا كان الوسطاء سينجحون في تحويل تبادل الرسائل إلى مسار أكثر رسوخا، أم أن الأزمة ستبقى معلقة على إيقاع التصعيد والتهدئة المؤقتة.