Akhbar Cairo

إيران: تصريحات ولايتي تعلن مرحلة ردع أكثر صرامة

إشارة سياسية جديدة من طهران

في أحدث مؤشر على تشدد الخطاب الإيراني خلال صيف 2026، أعلن علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية ووزير الخارجية الأسبق، أن بلاده دخلت مرحلة جديدة من الردع، محذرًا من أن الاعتقاد بإمكانية توجيه ضربة «منخفضة الكلفة» إلى إيران أو حلفائها بات، من وجهة نظر طهران، تقديرًا خاطئًا قد يقود إلى تصعيد أوسع. ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة لأنه يصدر عن أحد أكثر الوجوه ارتباطًا بصياغة الرسائل الاستراتيجية الإيرانية إلى الخارج.

ولا يأتي كلام ولايتي في فراغ؛ فخلال الأسابيع الأخيرة تصاعدت لهجة المسؤولين الإيرانيين بالتوازي مع توتر إقليمي متواصل، خصوصًا بعد جولات من الاشتباك غير المباشر والمباشر في محيط لبنان والممرات البحرية، فضلًا عن السجال المتجدد بين طهران وواشنطن بشأن الالتزامات الأمنية ومسار التهدئة. وفي 7 يونيو 2026، كان ولايتي قد وجّه تحذيرًا علنيًا لإسرائيل من أن أي اعتداء جديد سيقابل بـ«سلسلة من الردود»، في إشارة إلى معادلة ردع مترابطة بين ساحات الإقليم. كما شدد آنذاك على أن موازين القوة في غرب آسيا تُعاد صياغتها عبر القوة والردع، وفق الخطاب الإيراني الرسمي.

من هو علي أكبر ولايتي؟

بالنسبة للمتابع المصري والعربي، فإن فهم وزن التصريح يتطلب التعرف إلى صاحبه. علي أكبر ولايتي يُعد من أبرز شخصيات المؤسسة الإيرانية؛ فقد شغل منصب وزير الخارجية بين عامي 1981 و1997، ويشغل منذ سنوات موقع المستشار الدولي للمرشد. لذلك، فإن تصريحاته لا تُقرأ عادة باعتبارها رأيًا شخصيًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من الرسائل السياسية المقصودة التي تريد طهران إيصالها إلى خصومها الإقليميين والدوليين.

هذا الثقل السياسي يفسر لماذا حظيت عباراته الأخيرة باهتمام واسع، خاصة أنها تواكب موجة تصريحات أخرى من مسؤولين إيرانيين تحدثوا عن رفع كلفة أي استهداف، وعن انتقال السياسة الإيرانية من مجرد امتصاص الضربات أو الرد المحدود إلى فرض حسابات أكثر تعقيدًا على الطرف المقابل.

ماذا تعني «مرحلة جديدة من الردع»؟

المقصود بهذا التعبير، وفق القراءة السياسية، أن طهران تريد تثبيت قاعدة مفادها أن أي هجوم يُنظر إليه على أنه محدود أو سهل التنفيذ أو قليل الكلفة لن يمر دون رد يغيّر الحسابات. الفكرة الأساسية هنا ليست فقط الرد العسكري المباشر، بل أيضًا توسيع دوائر الكلفة لتشمل الأمن البحري، وحركة التجارة، والاستقرار على الجبهات المتصلة بإيران أو بحلفائها.

هذا المعنى ظهر بوضوح في تصريحات ولايتي السابقة التي ربطت بين أمن مضيق هرمز وباب المندب وبين سلوك الخصوم في المنطقة. وفي السياق نفسه، تناولت تحليلات منشورة في الصحافة المصرية، بينها مقالات في الأهرام خلال يوليو 2026، فكرة أن إيران تعمل على تعديل معادلات الردع من دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب مفتوحة شاملة، عبر ما يمكن وصفه بـ«التصعيد المنضبط» واستخدام أوراق النفوذ البحري والإقليمي.

الارتباط بين لبنان والممرات البحرية

أحد أهم أبعاد الخطاب الإيراني الحالي هو الربط بين أكثر من ساحة في وقت واحد. ففي يونيو 2026 ربط ولايتي، في تصريحات معلنة، بين استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان وبين إمكان تفعيل ردود أوسع ضمن ما يسمى في الخطاب الإيراني «محور المقاومة». وهذا الربط يعني عمليًا أن أي تطور في الجبهة اللبنانية قد لا يبقى محصورًا داخل الحدود اللبنانية، بل قد يمتد أثره إلى حسابات الأمن الإقليمي، بما في ذلك الممرات المائية الحيوية.

هذه النقطة تهم القارئ في مصر على نحو خاص، لأن أمن البحر الأحمر وباب المندب يتصل مباشرة بحركة الملاحة إلى قناة السويس، أحد الشرايين الرئيسية للتجارة العالمية والاقتصاد المصري. ومن ثم، فإن أي تصعيد يهدد سلامة الملاحة أو يرفع أقساط المخاطر على السفن ينعكس تلقائيًا على المنطقة بأكملها، وليس على أطراف الصراع فقط.

لماذا يهم هذا مصر وأفريقيا؟

رغم أن التصريح إيراني في جوهره، فإن زاويته الأفريقية والإقليمية واضحة. شرق أفريقيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر باتت جميعها مناطق شديدة الحساسية لأي اضطراب مرتبط بالصراع في غرب آسيا. كما أن امتداد التوتر نحو باب المندب لا يهدد فقط خطوط الطاقة، بل يضغط أيضًا على سلاسل الإمداد والتجارة التي تمر عبر البحر الأحمر إلى الموانئ المصرية ومنها إلى الأسواق الأفريقية.

وفي هذا السياق، فإن قراءة التصريحات الإيرانية لا ينبغي أن تقتصر على بعدها الدعائي، بل يجب النظر إليها ضمن معادلة أوسع تشمل:

  • أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
  • استقرار أسعار الشحن والتأمين على السفن العابرة للمنطقة.
  • انعكاسات التوتر على قناة السويس وحركة التجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
  • توازنات النفوذ في الإقليم الممتد من الخليج إلى شرق المتوسط والقرن الأفريقي.

تصعيد محسوب أم تمهيد لمواجهة أوسع؟

اللافت أن الخطاب الإيراني الحالي يجمع بين التحذير والتلويح بالسيطرة على إيقاع الأزمة. فطهران تقول، عمليًا، إنها لا تريد أن تبدو في موقع المتلقي للضربات، لكنها في الوقت نفسه تحاول إظهار أن الرد سيكون محسوبًا بما يكفي لردع الخصم، لا لإشعال حرب شاملة بالضرورة. هذا ما عكسته أيضًا تغطيات مصرية حديثة رأت أن المنطقة تتحرك بين الهدنة الهشة وحافة الانفجار، في ظل اتهامات متبادلة بين إيران والولايات المتحدة بخرق التفاهمات.

وفي 15 يوليو 2026، نقلت بوابة الأهرام عن الخارجية الإيرانية تأكيدها عدم وجود خطط لإجراء محادثات جديدة مع واشنطن في الوقت الراهن، مع اتهام الطرف الآخر بالإخلال بالتزاماته. كما تناولت المصري اليوم في 22 يوليو 2026 تصاعد اللهجة الإيرانية بشأن استهداف منشآت الطاقة إذا تعرضت بنية إيران التحتية للقصف. هذه المؤشرات مجتمعة تضع تصريح ولايتي في إطار أوسع من مجرد جملة سياسية عابرة.

رسالة إلى الخصوم ورسالة إلى الداخل

يمكن قراءة كلام ولايتي على مستويين. الأول خارجي، يهدف إلى ردع إسرائيل والولايات المتحدة عن اختبار حدود الرد الإيراني أو التعويل على عمليات محدودة الكلفة. والثاني داخلي، إذ يخاطب الرأي العام الإيراني والنخبة السياسية برسالة مفادها أن الدولة ما زالت قادرة على فرض معادلات جديدة، وأن سياسة الردع لم تتراجع رغم الضغوط.

وفي أوقات التوتر، تلجأ الدول عادة إلى هذا النوع من الخطاب لتقوية التماسك الداخلي ورفع ثمن المخاطرة أمام الخصم. لكن المشكلة أن هذه الرسائل، مهما بدت محسوبة، قد تؤدي أيضًا إلى سوء تقدير متبادل إذا قرأ كل طرف تهديدات الآخر بوصفها مجرد ضغط نفسي لا أكثر.

خلاصة المشهد

إعلان علي أكبر ولايتي أن إيران دخلت مرحلة جديدة من الردع يعكس تحوّلًا في نبرة الرسائل الإيرانية خلال 2026، ويؤكد أن طهران تريد إفهام خصومها أن زمن الضربات السهلة أو المحدودة، من وجهة نظرها، قد انتهى. غير أن الأهم بالنسبة للمنطقة، وخصوصًا لمصر والدول المطلة على البحر الأحمر، هو أن هذا التحول لا يبقى داخل حدود الخطاب السياسي، بل يمتد إلى ملفات الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي.

وبينما تواصل العواصم الكبرى اختبار حدود القوة والرد، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح معادلة الردع الجديدة في منع الحرب، أم أنها ترفع فقط منسوب المخاطر في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للتصعيد؟ الإجابة، على الأرجح، ستتحدد بقدر ما تستطيع الأطراف تجنب سوء الحسابات في الأسابيع المقبلة.