إيران تصعّد في هرمز وتحذر أوروبا من أي تحرك عسكري
تصعيد إيراني جديد يرفع التوتر عند واحد من أهم الممرات البحرية في العالم
دخلت أزمة الملاحة في مضيق هرمز مرحلة أكثر حساسية بعد تحذير إيراني مباشر من أي تحرك عسكري أوروبي في الممر البحري، إذ قال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي إن أي سفينة حربية أوروبية تقترب من المضيق ستُعد هدفًا مشروعًا. ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه النقاشات الغربية حول ترتيبات حماية الملاحة وتأمين عبور السفن في المنطقة، خاصة بعد شهور من الاضطراب الأمني الذي أصاب طرق الطاقة والتجارة الدولية.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية وعربية، فإن التحذير الإيراني جاء بعد إعلان بريطاني وفرنسي الاستعداد للمشاركة في ترتيبات بحرية تهدف إلى دعم حرية الملاحة في هرمز، وهو ما تعتبره طهران مساسًا مباشرًا بدورها الأمني في هذا الممر المائي الحيوي. كما شدد غريب آبادي على أن إيران ترى نفسها الجهة المسؤولة عن أمن المضيق، وهو موقف كررته طهران في أكثر من مناسبة خلال الأشهر الماضية.
من هو المسؤول الإيراني الذي أطلق التحذير؟
كاظم غريب آبادي هو نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، وظهر بهذه الصفة أيضًا في محافل دولية، من بينها جلسات أمام محكمة العدل الدولية، حيث عُرِّف رسميًا بصفته نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية. كما تؤكد مصادر مرئية موثقة أن اسمه يُكتب بالإنجليزية Kazem Gharibabadi، وهو ما يطابق الشخصية التي تصدرت هذا الموقف السياسي الأخير.
لماذا يثير مضيق هرمز كل هذا القلق؟
لا يتعلق الأمر فقط بخلاف سياسي بين إيران وأوروبا. فمضيق هرمز يُعد من أكثر نقاط الاختناق البحري أهمية على مستوى العالم. وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن متوسط ما مر عبر المضيق في 2025 بلغ نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية، كما مر عبره نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا. وتوضح الوكالة أن خيارات الالتفاف على المضيق تظل محدودة، رغم وجود بعض الخطوط البديلة لدى دول مثل السعودية والإمارات.
كما توضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن التدفقات عبر المضيق تراجعت جزئيًا بين 2022 والنصف الأول من 2025، لكن هرمز ظل رغم ذلك ممرًا حرجًا لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة في سوق الطاقة الدولية. وهذا يعني أن أي تهديد أمني أو عسكري في المنطقة ينعكس بسرعة على أسعار الطاقة، وكلفة التأمين البحري، وحركة الشحن العالمية.
ما الذي دفع أوروبا إلى التفكير في التحرك؟
المملكة المتحدة أعلنت في 12 مايو 2026 مساهمة تشمل مسيّرات وطائرات وسفينة حربية ضمن بعثة متعددة الجنسيات لتأمين مضيق هرمز، ووصفت المهمة بأنها دفاعية وهادفة إلى إعادة الثقة لعبور السفن التجارية. وبعد ذلك بأيام، أعلنت البحرية الملكية البريطانية تحركات مرتبطة بالسفينة RFA Lyme Bay وتجهيزات خاصة بمهمات محتملة في المنطقة، قبل أن تؤكد لاحقًا وصولها إلى الشرق الأوسط في 23 يونيو 2026 ضمن الاستعدادات المرتبطة بالمضيق.
في المقابل، تنظر طهران إلى هذه الخطوات باعتبارها محاولة لفرض وجود عسكري أجنبي قرب سواحلها، وهو ما يفسر اللهجة الحادة في خطابها الأخير. وتُظهر التغطيات الإخبارية خلال مايو ويوليو 2026 أن إيران وسّعت دائرة تحذيراتها سابقًا لتشمل قوى عسكرية أجنبية بصفة عامة، قبل أن تحدد هذه المرة التحرك الأوروبي على نحو أوضح.
ماذا يعني ذلك للمنطقة ولمصر؟
بالنسبة إلى القارئ المصري، لا يبدو الملف بعيدًا جغرافيًا فقط، لكنه مرتبط مباشرة بتوازنات التجارة والطاقة الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس. فكل اضطراب يصيب مسارات الشحن في الخليج ينعكس على قرارات شركات النقل البحري، وتكاليف التأمين، وربما على إعادة توجيه الناقلات بين ممرات مختلفة في المنطقة.
وتُعد قناة السويس واحدة من أهم المستفيدين أو المتضررين من تغيرات الحركة التجارية في الإقليم. ووفق بيانات الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، حققت القناة إيرادات قياسية بلغت 10.25 مليار دولار في 2023، بينما أشارت تقديرات رسمية لاحقة إلى استمرار أهمية القناة كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي، مع توقعات بتحسن الأداء في السنوات التالية. كما نقلت تقارير حديثة عن رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع أن إيرادات القناة في السنة المالية 2025/2026 ارتفعت إلى 4.6 مليار دولار رغم التحديات الإقليمية.
ومن هنا، فإن أي تصعيد جديد في هرمز لا يُقرأ فقط من زاوية الخليج، بل أيضًا من زاوية تأثيره على سلاسل الإمداد الممتدة نحو البحر الأحمر وشرق أفريقيا وشمالها، وهي مساحة تهم مصر استراتيجيًا واقتصاديًا ضمن محيطها الإقليمي الأوسع.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
1- استمرار الردع الكلامي
قد يبقى التصعيد في حدود الرسائل السياسية المتبادلة، بحيث تستخدم إيران التهديد لردع أي انتشار أوروبي من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة. هذا السيناريو يظل قائمًا إذا فضلت القوى الغربية الاكتفاء بالدعم اللوجستي والمراقبة البحرية.
2- توسيع الانتشار البحري
إذا مضت لندن وباريس وشركاؤهما في نشر أصول بحرية إضافية قرب المضيق، فقد ترد طهران بمزيد من المناورات والإنذارات وربما تشديد إجراءاتها الميدانية، ما يرفع خطر الاحتكاك العسكري ولو من دون حرب مفتوحة.
3- تأثير مباشر على أسواق الطاقة والشحن
حتى من دون إطلاق نار، يكفي ارتفاع المخاطر في هرمز لزيادة كلفة التأمين على السفن ورفع أسعار الشحن والطاقة. وهذا ينعكس على اقتصادات مستوردة للطاقة، وعلى الدول المعتمدة على حركة التجارة العالمية، وبينها دول أفريقية وعربية تتابع الممرات البحرية بحساسية شديدة.
خلاصة المشهد
التحذير الإيراني الأخير ليس تفصيلًا عابرًا في سجال دبلوماسي، بل إشارة إلى أن مضيق هرمز ما زال في قلب الصراع على أمن الطاقة والملاحة الدولية. وبينما تقول أوروبا إن تحركاتها تستهدف حماية السفن التجارية، تصر طهران على أن أي اقتراب عسكري أجنبي من المضيق سيُقابل برد مباشر. وفي منطقة ترتبط فيها خطوط النفط بالأسواق العالمية، وترتبط فيها الممرات البحرية بمصالح مصر وأفريقيا، فإن هذا التطور يستحق متابعة دقيقة، لأن أثره لا يتوقف عند حدود الخليج، بل يمتد إلى كلفة التجارة وإمدادات الطاقة وحسابات الأمن الإقليمي بأكمله.