Akhbar Cairo

إيران تصعّد لهجتها: هرمز تحت السيادة والرد مطروح

تصعيد إيراني يربط أمن الملاحة بإرادة طهران

دخلت الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، بعدما شددت طهران خلال الأيام الأخيرة على أن أي حديث عن فتح المضيق أو تنظيم المرور فيه لا يمكن أن يتم بعيدًا عن قرارها السيادي. وفي أحدث المواقف المعلنة، قال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي إن إعادة فتح مضيق هرمز «لا يمكن أن تتم إلا بإرادة إيران»، في رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، وسط استمرار التوتر مع إسرائيل وتبادل الضغوط في الإقليم.

هذا الخطاب الإيراني لا يأتي في فراغ، بل في سياق حرب وتوترات ممتدة منذ الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، وهي محطة وصفتها تقارير دولية ومصرية بأنها فتحت فصلًا جديدًا من المواجهة المباشرة وغير المباشرة بين الأطراف الثلاثة. ومع دخول سبتمبر 2026، تجددت الاشتباكات والضربات، وعادت هرمز إلى صدارة المشهد باعتباره أحد أخطر مفاتيح الضغط الجيوسياسي في العالم.

ما الذي قالته إيران فعليًا؟

الرسالة الإيرانية الأساسية تقوم على فكرتين واضحتين: الأولى أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة هو، من وجهة نظر طهران، سبب رئيسي في تدهور أمن الملاحة. والثانية أن واشنطن لا تستطيع فرض ترتيبات بحرية دائمة في المضيق من دون أخذ الشروط الإيرانية في الاعتبار. وفي هذا الإطار، نقلت تقارير منشورة أواخر أغسطس عن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أن الوسطاء طلبوا من طهران شروطها لإعادة فتح المضيق، وأن إيران تعمل على إعداد هذه الشروط.

كما شدد الحرس الثوري الإيراني في تصريحات سابقة خلال أغسطس على أن المضيق يقع تحت سيطرة طهران، في حين أكدت الخارجية والدوائر الأمنية الإيرانية أن حرية الملاحة لا يمكن فصلها عن الترتيبات السياسية والأمنية الأوسع في الخليج. هذه اللغة تعكس انتقال إيران من مجرد التهديد بالرد إلى محاولة تثبيت معادلة تقول إن أي تهدئة بحرية يجب أن تمر عبر تفاهم سياسي مباشر أو غير مباشر معها.

الولايات المتحدة ترد ميدانيًا وتتهم طهران بتهديد السفن

في المقابل، تقول واشنطن إن عملياتها العسكرية الأخيرة جاءت ردًا على تهديدات إيرانية استهدفت سفنًا تجارية وقوات أمريكية في المنطقة. وذكرت القيادة المركزية الأمريكية، بحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، أن الضربات الأخيرة استهدفت قدرات مرتبطة بمحاولات إيرانية لتهديد الشحن التجاري في مضيق هرمز. كما قال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن بلاده اعتبرت تنفيذ الضربات هذا الأسبوع «مسؤولية» بسبب استمرار استهداف إيران للملاحة التجارية.

وتشير تقارير أمريكية حديثة إلى أن القتال عاد للاشتعال هذا الأسبوع بعد شهر من الهدوء النسبي، خصوصًا عقب ضربات استهدفت منصات أو راجمات إيرانية على جزر أو مواقع مرتبطة بالمضيق. وفي رواية واشنطن، فإن الهدف كان منع تهديدات جديدة للسفن، بينما ترى طهران أن هذه التحركات تمثل اعتداءً على سيادتها ومياهها ومجالها الأمني.

لماذا يهم مضيق هرمز مصر وأفريقيا؟

رغم أن مضيق هرمز يقع في الخليج، فإن تداعياته تتجاوز الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا والقرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر. وبالنسبة للقارئ المصري، لا تنفصل أزمة هرمز عن ملفي أسعار الطاقة وحركة التجارة، لأن أي اضطراب طويل في مرور النفط والغاز ينعكس على تكلفة الشحن العالمية، ثم على الأسواق الإقليمية، بما فيها الدول الأفريقية المستوردة للطاقة أو المعتمدة على سلاسل إمداد تمر عبر الممرات البحرية المتصلة بالبحر الأحمر وقناة السويس.

وتكمن الأهمية الاستثنائية للمضيق في أنه كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وهي نسبة تكررت في أكثر من تقرير لوكالة أسوشيتد برس خلال 2026. لذلك فإن أي تراجع في عدد السفن العابرة، حتى لو لم يصل إلى إغلاق كامل، يكفي لرفع منسوب القلق في الأسواق. وفي الأيام الأخيرة، أفادت تقارير بأن حركة السفن في المضيق لا تزال منخفضة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بعد تبادل الضربات بين واشنطن وطهران.

تراجع الملاحة وارتفاع المخاطر

المعطيات المتاحة حتى 4 سبتمبر 2026 تشير إلى أن المرور البحري في هرمز لم يعد إلى طبيعته. فقد ذكرت أسوشيتد برس اليوم أن حركة السفن لا تزال منخفضة بعد الهجمات المتبادلة الأخيرة، فيما تحدثت تقارير سابقة عن تعرض سفن لهجمات أو تهديدات قرب المضيق، بما في ذلك استهداف ناقلات أو الاشتباه بمحاولات زرع ألغام. هذه البيئة تعني أن الأزمة لم تعد مجرد معركة تصريحات، بل أصبحت أزمة ممر ملاحي عالمي يعيش تحت ضغط أمني يومي.

ومن زاوية القانون الدولي، لفت تقرير تحليلي لوكالة أسوشيتد برس في يوليو 2026 إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لا تمنح أي دولة حق ادعاء السيادة على المياه الدولية، وأن للسفن حق المرور غير المعاق. لكن الأزمة الحالية تُظهر الفجوة بين النص القانوني وميزان القوة على الأرض، إذ تتعامل واشنطن وطهران مع المضيق باعتباره ورقة نفوذ استراتيجية قبل أن يكون مجرد ممر ملاحي.

بين طهران وتل أبيب: رسائل ردع أكثر من كونها تسوية

اللافت في الخطاب الإيراني الأخير أنه لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يوجّه أيضًا رسائل ردع إلى إسرائيل. فالمناخ العام في طهران يقوم على أن أي ضغط عسكري أو أمني لن يمر من دون رد، وأن ساحة الرد لم تعد محصورة داخل الحدود الإيرانية. هذا ما يعزز المخاوف من اتساع دائرة الاشتباك لتشمل مسارات بحرية ومواقع إقليمية حساسة، وهو سيناريو يهم دول أفريقيا المطلة على البحر الأحمر وشرق القارة بقدر ما يهم دول الخليج نفسها.

وبالنسبة لمصر، فإن متابعة هذا الملف لا ترتبط فقط بالسياسة الإقليمية، بل كذلك بسلامة خطوط التجارة والطاقة الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر ثم المتوسط. وكلما طال أمد التوتر في هرمز، زادت احتمالات انتقال الضغوط الاقتصادية إلى أسواق أوسع، وهو ما يجعل الأزمة جزءًا من مشهد الأمن الإقليمي الممتد من غرب آسيا إلى شمال وشرق أفريقيا.

إلى أين تتجه الأزمة؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على تسوية قريبة. الولايات المتحدة تواصل الحديث عن حماية الملاحة ومنع تهديد السفن، بينما تتمسك إيران بفكرة أن فتح المضيق وترتيب مساراته وشروط العبور فيه يجب أن يرتبط باعتراف عملي بنفوذها وشروطها. وبين هذين الموقفين، تبقى إسرائيل عاملًا ضاغطًا في معادلة التصعيد، خصوصًا مع استمرار التوتر العسكري والسياسي الذي أعقب ضربات فبراير.

الخلاصة أن رسائل طهران الأخيرة ليست مجرد لهجة إعلامية حادة، بل محاولة لتثبيت معادلة ردع تقول إن هرمز ليس ملفًا أمريكيًا خالصًا، وإن أي إعادة ترتيب للأمن البحري في المنطقة ستصطدم حتمًا بالإرادة الإيرانية. وفي ظل استمرار انخفاض حركة الشحن وغياب اتفاق واضح، يبدو أن المضيق سيظل خلال الفترة المقبلة أحد أكثر نقاط التوتر سخونة في الجوار الاستراتيجي الممتد الذي تراقبه القاهرة والعواصم الأفريقية عن قرب.