Akhbar Cairo

إيران: تفاهم الملاحة مع عُمان يقترب لكن هرمز لم يُحسم

تفاهم فني يقترب.. لكن العودة الكاملة للملاحة ما زالت مؤجلة

دخلت المحادثات بين إيران وسلطنة عُمان مرحلة متقدمة بشأن إعادة تنظيم مسارات العبور البحري في مضيق هرمز، وفق ما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. غير أن طهران شددت في الوقت نفسه على أن التفاهم الفني حول الممرات الجديدة لا يعني تلقائيا استئناف الملاحة التجارية الكاملة عبر المضيق، وهو ما يعكس استمرار التعقيد السياسي والأمني المحيط بأحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

وبحسب المواقف المعلنة من الجانب الإيراني، فإن خبراء فنيين من البلدين يعملون على وضع الخرائط النهائية لممرات بحرية بديلة أو معدلة، في إطار تنسيق مباشر مع عُمان التي تشترك مع إيران في الإشراف الجغرافي على جانبي المضيق. كما تؤكد المنظمة البحرية الدولية أن إيران وعُمان تنسقان بالفعل ترتيبات المرور في هذا الممر، وأن نظام الفصل المروري المعتمد في المضيق قائم منذ 1968 باقتراح من البلدين.

لماذا يبقى مضيق هرمز بهذه الحساسية؟

أهمية التطورات الجارية لا تتعلق بإيران أو الخليج فقط، بل تمتد مباشرة إلى أسواق الطاقة العالمية. فبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تشير إلى أن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بلغت في 2023 نحو 20.9 مليون برميل يوميا، بما يعادل قرابة 20% من استهلاك العالم من السوائل البترولية. كما يمر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية لأي اضطراب في التجارة الدولية.

الأمم المتحدة، عبر الأونكتاد، وصفت المضيق في 2026 بأنه من أكثر الممرات البحرية حساسية على مستوى العالم، مشيرة إلى أن تعطله يضغط على أسعار الطاقة والشحن والتأمين، ويؤثر بصورة أسرع على الاقتصادات المستوردة للنفط والمواد الغذائية. ولهذا تتابع القاهرة، مثل غيرها من العواصم، أي إشارات إلى تهدئة أو تصعيد في هرمز، نظرا لما ينعكس به ذلك على كلفة الواردات والطاقة وسلاسل الإمداد الإقليمية.

ماذا قالت طهران تحديدا؟

الرسالة الإيرانية الأساسية في الأيام الأخيرة كانت مزدوجة: هناك تقدم فني مع عُمان، لكن هناك أيضا شروطا سياسية وأمنية لا تزال قائمة قبل العودة الكاملة للملاحة. عراقجي، الذي يتولى حقيبة الخارجية منذ 2024، قال إن تبادل الرسائل غير المباشر مع واشنطن لا يمكن اعتباره مفاوضات مباشرة، وإن الوسطاء يحاولون تهيئة ظروف تسمح باستئناف مسار تفاوضي رسمي لاحقا. كما تربط طهران أي عودة أوسع للمسار التفاوضي بوقف ما تصفه بانتهاكات أمريكية لتفاهمات سابقة، ومعالجة آثار تلك الخطوات.

وفي السياق نفسه، تحدثت تقارير دولية حديثة عن تقدم في التفاهم الإيراني-العُماني بشأن ترتيبات “آمنة” لمسارات الدخول والخروج من المضيق، مع تركيز على حماية الاعتبارات السيادية والأمنية للطرفين. هذا التطور يعزز الانطباع بأن مسقط تواصل لعب دور الوسيط العملي والهادئ في ملفات إقليمية شديدة الحساسية، وهو دور معروف للدبلوماسية العُمانية على مدى سنوات.

واشنطن: انفتاح حذر وضغط مستمر

على الجانب الأمريكي، تبنت الإدارة الأمريكية نبرة تجمع بين الانخراط الدبلوماسي والضغط. نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس (@vp على إنستغرام) قال في تصريحات إعلامية خلال يونيو 2026 إن بلاده ترى أن إعادة فتح المضيق وخفض مخاطر تعطيل الشحن عنصران أساسيان في أي تفاهم أوسع مع طهران، مع استمرار تقييم ما إذا كانت إيران مستعدة لتغييرات بعيدة المدى في سلوكها الإقليمي والنووي. كما شدد على أن واشنطن ستواصل استخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية، مع إبقاء بدائل الردع قائمة إذا تعثرت التفاهمات.

التقارير الأمريكية أشارت أيضا إلى أن البيت الأبيض نظر إلى ملف هرمز باعتباره أولوية عاجلة بسبب تأثيره المباشر على إمدادات النفط والغاز وأسعار الطاقة عالميا. بعض هذه التقديرات رجح أن أي إعلان سياسي أمريكي عن “تقدم” قد يسبق التوصل إلى تسوية شاملة بشأن البرنامج النووي الإيراني، ما يعني أن ملف حرية الملاحة قد يتحول إلى مسار تفاوضي قائم بذاته، ولو مؤقتا. هذه القراءة تبقى استنتاجا من مجمل المواقف والتقارير المنشورة، وليست اتفاقا نهائيا معلنا حتى الآن.

الرئيس الإيراني يتحدث عن فرصة.. لكن بشروط

بالتوازي مع خطاب الخارجية، صدرت من طهران إشارات سياسية أقل تشددا في الشكل، إذ اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الظروف الراهنة قد تتيح فرصة لدفع اتفاق مع الولايات المتحدة عبر الحوار، مستندا إلى ما وصفه بتماسك الداخل الإيراني. لكن هذا الانفتاح الظاهري لا يلغي حقيقة أن المؤسسة الإيرانية ما زالت تربط أي تهدئة شاملة بحزمة مطالب وضمانات، خصوصا في ما يتعلق بالأمن والعقوبات وترتيبات الملاحة.

في المقابل، تؤكد المنظمة البحرية الدولية أن الوضع التشغيلي في المضيق لم يعد إلى “الطبيعي الكامل” بعد، وأن سلامة العبور تظل مرتبطة بالتنسيق المباشر مع الدول الساحلية والالتزام بالإرشادات البحرية المعتمدة. وهذا يعني أن التفاهمات الفنية، حتى إذا اكتملت، ستحتاج إلى بيئة أكثر استقرارا قبل أن تستعيد شركات الشحن والثقل التأميني ثقتها الكاملة في المرور المنتظم.

ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟

بالنسبة للقراء في مصر، لا تبدو قضية هرمز بعيدة جغرافيا فقط؛ فهي متصلة مباشرة بأسواق النفط والغاز، وكلفة الشحن، وسلاسل التجارة التي تؤثر على المنطقة كلها. أي انفراج مستدام في المضيق قد يخفف الضغوط على أسعار الطاقة العالمية ويحد من اضطرابات النقل البحري، بينما أي تعثر جديد قد يعيد موجات القلق إلى الأسواق، ويزيد تكلفة التأمين والشحن على الواردات والصادرات في الشرق الأوسط.

كما أن استقرار الملاحة في هرمز يحمل وزنا إضافيا في وقت لا تزال فيه الممرات البحرية الإقليمية تواجه حساسيات متعددة، من الخليج إلى البحر الأحمر. لذلك، فإن أي تفاهم إيراني-عُماني ناجح لن يكون مجرد خبر ثنائي، بل تطورا له أثر واسع على أمن التجارة الدولية وتوازنات الطاقة، وربما على وتيرة التهدئة بين طهران وواشنطن في الأشهر المقبلة.

خلاصة المشهد

الخلاصة حتى الآن أن الاتفاق على مسارات شحن جديدة بين إيران وعُمان بات أقرب من أي وقت مضى، لكن إعادة الفتح الكامل لمضيق هرمز لم تُحسم بعد. فالمسألة لم تعد تقنية فقط، بل ترتبط بحسابات أمنية وسياسية أوسع تشمل علاقة طهران بواشنطن، ودور الوسطاء، وضمانات المرور الآمن، وثقة شركات الشحن والأسواق العالمية. وحتى تتوافر هذه العناصر مجتمعة، سيظل المضيق مفتوحا على احتمالي التهدئة الحذرة أو العودة السريعة إلى التوتر.

  • النقطة الأساسية: تفاهم فني مع عُمان لا يساوي تلقائيا استئناف الملاحة الكاملة.
  • الأهمية العالمية: المضيق ينقل نحو 20% من السوائل البترولية في العالم.
  • العامل الحاسم: الشروط السياسية والأمنية ما زالت قائمة.
  • التأثير الإقليمي: أي تهدئة قد تنعكس على أسعار الطاقة والتجارة في المنطقة، بما فيها مصر.