Akhbar Cairo

إيران وواشنطن عند هرمز: من يملك نَفَس المعركة الأطول؟

مضيق هرمز.. ساحة الاختبار الحقيقية بين واشنطن وطهران

خلال الشهور الأخيرة، لم يعد السؤال الأهم في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة هو من يربح جولة عسكرية مباشرة، بل من يستطيع تحمّل كلفة الاستنزاف لفترة أطول. فالمشهد، كما تكشفه تطورات 2026، انتقل إلى ما يشبه حرب الصبر الاقتصادي والأمني عند مضيق هرمز، حيث تتقاطع العقوبات، وشبكات التهريب، وأمن الطاقة العالمي، وحسابات الردع الإقليمي.

هذا التحول مهم للقارئ المصري تحديدًا، لأن أي اضطراب في هرمز لا يبقى حبيس الخليج. ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف الشحن، والضغط على سلاسل الإمداد، كلها عوامل تنتقل بسرعة إلى اقتصادات المنطقة، ومنها مصر، سواء عبر فاتورة الاستيراد أو تكلفة النقل والتأمين أو مناخ الاستثمار الأوسع.

لماذا هرمز بهذه الحساسية؟

بحسب وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر مضيق هرمز متوسط يقارب 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية، بما يوازي نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا. كما يمر عبره جزء بالغ الأهمية من تجارة الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا صادرات قطر والإمارات. لذلك فإن أي تعطل—even لو كان مؤقتًا—ينعكس فورًا على الأسعار والتأمين والشحن وثقة الأسواق.

الوكالة نفسها تشير إلى أن لدى بعض المنتجين الخليجيين مسارات بديلة محدودة، لكن دولًا مثل إيران والعراق والكويت وقطر والبحرين تعتمد بدرجات كبيرة على المضيق لتصدير الجزء الأكبر من إنتاجها. هذه الحقيقة تجعل هرمز ليس مجرد ممر ملاحي، بل ورقة ضغط استراتيجية في قلب التوازنات الدولية.

أرقام تكشف حجم الرهان

  • 19.87 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات عبر هرمز في 2025 وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.
  • حوالي 2.41 مليون برميل يوميًا نُسبت إلى إيران ضمن إجمالي الصادرات العابرة للمضيق في بيانات الوكالة لعام 2025.
  • قدرات التفافية محدودة تُقدّر بنحو 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يوميًا فقط عبر خطوط وأنابيب بديلة خارج المضيق.

واشنطن: خنق اقتصادي بدل الحرب المفتوحة

الولايات المتحدة تبدو أكثر ميلًا إلى استراتيجية الضغط المركّب بدل الانزلاق إلى حرب شاملة مكلفة. وزارة الخزانة الأمريكية واصلت في 2026 توسيع العقوبات على شبكات الشحن والتجارة المرتبطة بإيران، بما في ذلك إجراءات استهدفت شبكة مرتبطة بعلي شمخاني، وقالت صراحة إن الهدف هو زيادة الضغط الاقتصادي بعد هجمات وصفتها بأنها مزعزعة للاستقرار في مضيق هرمز.

المغزى هنا أن واشنطن لا تراهن فقط على منع إيران من التصدير الرسمي، بل على رفع كلفة الالتفاف على العقوبات عبر السفن والوسطاء والشركات الواجهة. أي أن المعركة لم تعد مجرد منع بيع النفط، بل تضييق المسارات الرمادية التي أبقت الاقتصاد الإيراني قادرًا على التنفس.

هذه المقاربة تمنح الولايات المتحدة ميزة واضحة: فهي قادرة على إطالة أمد الضغط المالي مع كلفة داخلية أقل كثيرًا من كلفة الحرب المباشرة. لكن في المقابل، لا يعني ذلك حسمًا سريعًا، لأن الاقتصاد الإيراني راكم خبرة طويلة في التكيّف مع العقوبات والقيود.

إيران: اقتصاد متعب.. لكنه لم ينكسر

رغم شدة الضغوط، لا يبدو الاقتصاد الإيراني قريبًا من الانهيار الفوري. تقديرات البنك الدولي في ربيع 2026 تحدثت عن اضطراب حاد في النشاط الاقتصادي بفعل الصراع والعقوبات والاضطرابات الداخلية، مع تراجع كبير في قيمة العملة وارتفاع مخاطر الأمن الغذائي. وفي الوقت نفسه، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن استمرار إغلاق أو اضطراب هرمز يضغط على المنطقة والعالم معًا، لا على إيران وحدها.

ما يمنح طهران هامش بقاء هو أن أدواتها لا تقتصر على الاقتصاد الرسمي. فهناك شبكة من البدائل: إعادة توجيه التجارة، الاعتماد على وسطاء، ترشيد الواردات، إدارة الطلب الداخلي، وتقديم أولوية للإنفاق الأمني والسياسي على حساب النمو والرفاه. هذا النمط لا يصنع اقتصادًا صحيًا، لكنه قد يؤخر لحظة الانكسار.

بمعنى آخر، إيران قد لا تربح اقتصاديًا، لكنها تحاول ألا تخسر سريعًا. وهذا فرق جوهري في حروب الاستنزاف. فالدول الخاضعة للعقوبات لا تحتاج دائمًا إلى الازدهار كي تصمد؛ يكفيها أحيانًا أن تمنع الانهيار الكامل وتحافظ على الحد الأدنى من القدرة على التمويل والسيطرة.

من يتحمل أكثر؟

إذا كان معيار التحمل هو القدرة المالية والمؤسسية، فالولايات المتحدة بلا شك في موقع أقوى. اقتصادها أضخم، وأدواتها العقابية عالمية، وقدرتها على تعبئة الحلفاء والأسواق والمؤسسات الدولية أكبر بكثير. لكن إذا كان معيار التحمل هو الاستعداد لتحمّل الألم الداخلي، فإن إيران تملك سجلًا طويلًا في إدارة الأزمات تحت الضغط.

هنا تظهر المفارقة: واشنطن أقوى ماديًا، لكن طهران قد تكون أكثر استعدادًا سياسيًا لتحمل مستويات مرتفعة من الضيق الاقتصادي. لذلك فإن السؤال الأدق ليس من الأقوى، بل من يستطيع مواصلة اللعبة دون تغيير حساباته الأساسية.

عناصر القوة والضعف لدى الطرفين

  • الولايات المتحدة: تفوق مالي، قدرة على فرض عقوبات، نفوذ بحري ودبلوماسي، لكنّها تظل حذرة من كلفة الانفجار الإقليمي على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
  • إيران: قدرة على الإزعاج الجيوسياسي، وخبرة طويلة في الالتفاف والتكيّف، لكنها تواجه اقتصادًا مرهقًا وعملة ضعيفة وضغطًا على معيشة المواطنين.

من ينهار أولًا؟ ربما لا ينهار أحد سريعًا

القراءة الأكثر واقعية هي أن الحديث عن انهيار وشيك لأي من الطرفين قد يكون مبالغًا فيه. صندوق النقد الدولي وصف آثار الحرب واضطراب هرمز بأنها صدمة كبيرة لأسواق الطاقة والتجارة والتمويل، لكنه أشار أيضًا إلى أن الاقتصاد العالمي امتص جزءًا من الصدمة حتى الآن، وإن كانت الهوامش الوقائية تتراجع. هذا يعني أن العالم كلّه يدفع ثمن الإطالة، لا إيران وحدها.

السيناريو المرجّح ليس سقوطًا سريعًا، بل استنزافًا طويلًا: إيران تخسر نموًا واستقرارًا وموارد، والولايات المتحدة تتحمل كلفة إدارة أزمة مفتوحة في منطقة حساسة من دون حسم كامل. في مثل هذا السيناريو، يصبح النجاح النسبي لكل طرف هو منع الطرف الآخر من تحقيق نصر واضح.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

مصر تابعت تطورات هرمز بقلق واضح. الهيئة العامة للاستعلامات نقلت في يوليو 2026 إدانات مصرية رسمية لاستهداف ناقلات في المضيق، مع التشديد على أن المساس بحرية الملاحة يهدد التجارة الدولية وأمن المنطقة. كما أشار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى أن التصعيد الإقليمي ألقى بظلاله على سلاسل الإمداد وأسواق النفط وتكاليف النقل والشحن.

ومن زاوية مصرية خالصة، فإن استمرار الضغط حول هرمز يعني ثلاثة أمور أساسية:

  • فاتورة طاقة أعلى كلما ارتفعت الأسعار أو زادت تقلباتها.
  • زيادة تكاليف الشحن والتأمين على التجارة العابرة في المنطقة.
  • مناخ استثماري أكثر حذرًا في الشرق الأوسط كله، مع ميل رؤوس الأموال إلى انتظار وضوح أكبر.

لهذا لا تبدو أزمة هرمز بعيدة عن القاهرة، حتى لو كانت جغرافيًا في الخليج. فالاقتصاد المصري، كغيره من الاقتصادات المستوردة للطاقة والمرتبطة بالتجارة العالمية، يتأثر سريعًا بأي اضطراب في هذا الممر.

الخلاصة: معركة إرادات أكثر منها معركة أرقام

ما يجري بين واشنطن وطهران عند أبواب هرمز هو، في جوهره، اختبار إرادة سياسية واقتصادية. الولايات المتحدة تراهن على أن الضيق المالي المتراكم سيقيد حركة إيران ويجبرها على التراجع. وإيران تراهن في المقابل على أن قدرتها على الاحتمال والإزعاج ورفع الكلفة على الآخرين ستمنع خصومها من ترجمة التفوق إلى حسم.

لذلك، فالسؤال: من يتحمل أكثر؟ إجابته تميل لمصلحة واشنطن من حيث الموارد. أما السؤال: من ينهار أولًا؟ فإجابته أقل بساطة؛ لأن التجارب السابقة تقول إن الأنظمة المعتادة على العقوبات قد تضعف بشدة من دون أن تنهار سريعًا. وبين الطرفين، يبقى مضيق هرمز هو النقطة التي تختبر فيها الأسواق والأعصاب والسياسة حدودها القصوى.