Akhbar Cairo

آيزنكوت يتهم نتنياهو بتجميد خطة كبرى ضد حزب الله

اتهام جديد من داخل المؤسسة الإسرائيلية السابقة

أعاد رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق والسياسي المعارض غادي آيزنكوت فتح ملف القرارات المرتبطة بجبهة لبنان، بعدما قال إن الأجهزة الأمنية والعسكرية في إسرائيل أعدّت، على مدى سنوات، خطة هجومية واسعة ضد حزب الله، لكنها لم تُنفذ لأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رفض المضي فيها. وبحسب ما نُقل عن آيزنكوت، فإن هذه الخطة كانت أكبر بكثير من عملية تفجير أجهزة الاتصال التي هزت لبنان في سبتمبر 2024، والتي أصبحت تُعرف إعلاميا بعملية «البيجر».

تصريحات آيزنكوت تأتي في توقيت سياسي حساس داخل إسرائيل، حيث تصاعدت المنافسة بينه وبين نتنياهو، وتزايد السجال بشأن إدارة الحرب والقرارات المتعلقة بغزة ولبنان وإيران. كما أن هذه التصريحات تكتسب أهمية خاصة في السياق الإقليمي، لأن أي حديث عن خطة مؤجلة أو تصعيد مؤجل ضد حزب الله يعني، عمليا، أن لبنان كان ولا يزال في قلب حسابات المواجهة الإسرائيلية الأوسع.

ماذا قال آيزنكوت تحديدا؟

خلال مقابلة وتصريحات تداولتها وسائل إعلام عبرية وعربية في يونيو 2026، قال آيزنكوت إن نتنياهو لم يوافق على تنفيذ خطة أُعدت بالتعاون بين الجيش الإسرائيلي والموساد، وإنها كانت، وفق وصفه، «أكبر بخمسين مرة» من عملية أجهزة النداء أو «البيجر». كما اتهمه بأنه عطّل التوجه المبكر نحو الجبهة الشمالية، في إشارة إلى جبهة لبنان مع حزب الله.

ولا توجد حتى الآن تفاصيل عملياتية موثقة منشورة رسميا عن طبيعة هذه الخطة أو أهدافها الميدانية الدقيقة، وهو ما يجعل الجزء الأكبر من رواية آيزنكوت في إطار اتهام سياسي وأمني موجه إلى نتنياهو، أكثر من كونه كشفا تفصيليا لخطة معلنة. لذلك، فإن المؤكد حتى الآن هو صدور الاتهام نفسه، لا تفاصيل العملية المزعومة.

خلفية الرجلين: صراع سياسي يتجاوز المؤسسة العسكرية

غادي آيزنكوت، وهو رئيس أركان إسرائيلي سابق، انتقل في السنوات الأخيرة إلى العمل السياسي، وبرز كأحد الوجوه المعارضة لنتنياهو. وكان قد انضم إلى حكومة الطوارئ الإسرائيلية بعد اندلاع حرب غزة، قبل أن يغادرها في يونيو 2024 مع بيني غانتس، في خطوة عكست خلافات حادة حول إدارة الحرب والأولويات السياسية والعسكرية.

أما نتنياهو، الذي يواجه منذ سنوات أزمات داخلية متشابكة بين الأمن والسياسة والقضاء، فيواصل تقديم نفسه باعتباره صاحب القرار الأكثر تشددا في مواجهة حزب الله وإيران. لكن خصومه، وبينهم آيزنكوت، يرون أن حساباته السياسية الداخلية كثيرًا ما أثرت على توقيتات القرارات العسكرية وعلى كيفية توظيف نتائج العمليات.

لماذا تعود عملية «البيجر» إلى الواجهة؟

السبب الرئيسي في استدعاء آيزنكوت لهذه المقارنة هو أن عملية تفجير أجهزة الاتصال في لبنان في 17 و18 سبتمبر 2024 ظلت واحدة من أكثر الوقائع الأمنية إثارة للصدمة في المنطقة. في تلك الأيام، انفجرت أجهزة نداء وأجهزة اتصال لاسلكية في لبنان في موجتين متتاليتين، ما أدى إلى سقوط قتلى وآلاف المصابين، بينهم مدنيون، وفق حصيلة جرى تداولها على نطاق واسع في التغطيات الدولية والحقوقية.

المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك قال بعد الهجمات إن استهداف آلاف الأشخاص بشكل متزامن عبر أدوات اتصال، من دون معرفة من يحمل هذه الأجهزة أو أين يوجد أو من حوله، يثير إشكالات خطيرة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ودعا إلى المساءلة والتحقيق. هذا البعد القانوني والإنساني جعل العملية تتجاوز إطار «النجاح الاستخباراتي» الذي احتفت به دوائر إسرائيلية، لتصبح أيضا محل انتقاد دولي واسع.

لبنان في قلب المشهد الإقليمي

بالنسبة للقارئ المصري، لا يمكن فصل هذه التصريحات عن المشهد الإقليمي الأوسع. فلبنان، بوصفه دولة عربية متوسطية ترتبط بأمن شرق المتوسط وبمسارات الطاقة والملاحة والتهدئة الإقليمية، يظل ساحة شديدة الحساسية لأي تصعيد جديد. وكلما تجدد الحديث عن خطط إسرائيلية واسعة ضد حزب الله، عاد القلق بشأن احتمالات انفجار حدودي قد يمتد أثره إلى الإقليم كله، بما في ذلك مسارات الوساطة والتحركات الدبلوماسية العربية.

كما أن أي تصعيد واسع في لبنان ينعكس على ملفات تتجاوز حدود البلد نفسه، من بينها حركة النزوح، وتهديد البنية التحتية، وضغوط الاقتصاد اللبناني، فضلا عن مخاوف انخراط أطراف إقليمية أخرى. ولهذا السبب، تحظى الجبهة اللبنانية باهتمام خاص في الإعلام المصري والعربي، ليس فقط باعتبارها ملفا عسكريا، بل أيضا باعتبارها مؤشرا على اتجاهات التوازن الإقليمي.

هل يكشف آيزنكوت فشلا في القرار أم يستخدم الملف انتخابيا؟

السؤال المطروح الآن داخل إسرائيل وخارجها هو ما إذا كانت تصريحات آيزنكوت تمثل إفصاحا متأخرا عن خلاف حقيقي في إدارة المواجهة مع حزب الله، أم أنها تدخل أيضا في إطار التنافس الانتخابي ومحاولة تحميل نتنياهو مسؤولية «فرص ضائعة». من الصعب الجزم بأحد الاحتمالين وحده، لأن المشهد الإسرائيلي الحالي يجمع بين الحسابات الأمنية والحملات السياسية بصورة متداخلة للغاية.

لكن ما يمكن رصده بوضوح هو أن آيزنكوت يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه بديلا قادرا على إدارة الملفات الأمنية بصورة أكثر حسما وأقل خضوعا للمناورات الحزبية. وفي المقابل، من المرجح أن ينظر معسكر نتنياهو إلى هذه التصريحات باعتبارها محاولة لإعادة كتابة الأحداث وتقديم المعارضة على أنها كانت أكثر جاهزية لاتخاذ قرارات كبرى.

نقاط أساسية لفهم دلالة التصريحات

  • أولا: الحديث يدور عن اتهام سياسي مدعوم بخلفية عسكرية، لكن دون نشر وثائق رسمية تشرح الخطة المزعومة.
  • ثانيا: المقارنة بعملية «البيجر» تمنح التصريح ثقلا إعلاميا كبيرا بسبب الأثر الذي تركته الهجمات في لبنان.
  • ثالثا: الجبهة اللبنانية ما زالت إحدى أكثر ساحات التوتر قابلية للاشتعال في الإقليم.
  • رابعا: أي تطور على هذا المسار ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي العربي، بما في ذلك حسابات التهدئة والوساطة.

ما الذي يعنيه ذلك للمنطقة؟

عمليا، تعكس تصريحات آيزنكوت أن الجدل داخل إسرائيل لم يعد يقتصر على سؤال «هل نُصعّد؟»، بل بات يدور أيضا حول «متى وكيف ولماذا لم يُنفذ تصعيد أكبر؟». وهذه نقطة شديدة الخطورة بالنسبة إلى المنطقة، لأن مجرد الإقرار بوجود خطط أوسع جرى إعدادها ثم تجميدها يعني أن احتمالات العودة إليها تبقى قائمة إذا تبدلت التوازنات السياسية أو الميدانية.

وفي الإطار الأفريقي والعربي الأوسع، فإن استقرار المشرق يظل متصلا بممرات التجارة والطاقة والأمن البحري، وكلها ملفات تهم القاهرة والعواصم العربية بشكل مباشر. لذلك، فإن متابعة هذا النوع من التصريحات لا تندرج فقط في باب السجال الإسرائيلي الداخلي، بل في باب قراءة اتجاهات التصعيد التي قد تؤثر على الإقليم كله.

الخلاصة أن تصريحات غادي آيزنكوت فتحت نافذة جديدة على خلافات عميقة داخل النخبة الإسرائيلية بشأن إدارة المواجهة مع حزب الله. وبينما لا تزال تفاصيل الخطة التي تحدث عنها غير معلنة، فإن الرسالة السياسية واضحة: هناك من يريد تحميل نتنياهو مسؤولية تعطيل خيارات عسكرية كبرى، في وقت لا تزال فيه المنطقة تدفع كلفة الحروب المفتوحة والقرارات المؤجلة.