Akhbar Cairo

إيطاليا تتحرك بحريًا في باب المندب: ماذا يعني ذلك لمصر؟

تحرك إيطالي جديد في ممر شديد الحساسية

أعاد إعلان وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو الضوء إلى مضيق باب المندب، بعدما قال إن روما فعّلت استعدادات بحريتها لتأمين عبور السفن الإيطالية عبر هذا الممر، في ظل تدهور أمني متجدد في البحر الأحمر ومحيطه. أهمية التصريح لا تتعلق بإيطاليا وحدها، بل بما يكشفه من قلق أوروبي متصاعد من تعطل الشريان البحري الذي يربط آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر ثم قناة السويس.

كروسيتو أوضح، خلال مشاركته في منتدى Risorsa Mare بمدينة لا سبيتسيا يوم 17 سبتمبر 2026، أنه اتخذ مع رئاسة الأركان قرارًا بتفعيل البحرية الإيطالية لإعداد ما يلزم لضمان مرور السفن الإيطالية بأمان عبر المضيق، مع الإشارة إلى إمكان التحرك سريعًا بدل انتظار المسارات البيروقراطية الأوروبية. كما تحدث عن تأثير التهديدات على سلاسل الإمداد وكابلات الطاقة والاتصالات التي تمر في هذه المنطقة الحساسة.

لماذا باب المندب بهذه الأهمية لمصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، لا يمكن التعامل مع باب المندب كخبر بعيد. المضيق هو البوابة الجنوبية الطبيعية لحركة السفن المتجهة إلى قناة السويس. أي اضطراب هناك ينعكس مباشرة على كثافة المرور في القناة، وعلى عوائدها، وعلى تكلفة الشحن والزمن اللازم لنقل السلع بين الشرق والغرب.

الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD كانت قد حذرت منذ فبراير 2024 من أن الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر ألحقت ضررًا واضحًا بحركة العبور عبر قناة السويس، ورفعت تكاليف النقل والتأمين، ودفعت شركات إلى تغيير المسار حول رأس الرجاء الصالح. هذا التحذير الأممي لم يعد مجرد تقدير نظري، بل أصبح إطارًا يفسر كثيرًا من التحركات العسكرية والسياسية اللاحقة في المنطقة.

ومن زاوية مصرية خالصة، شدد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، في أكثر من مناسبة رسمية على أن مسار البحر الأحمر-باب المندب-قناة السويس يظل الطريق الأكثر كفاءة بين آسيا وأوروبا، وأن الهيئة تواصل التواصل مع الخطوط الملاحية وتقديم سياسات تشغيل وتسويق مرنة لتشجيع العودة المنتظمة للعبور.

ما الذي قالته روما تحديدًا؟

الموقف الإيطالي هذه المرة يبدو أكثر صراحة من الصياغات الأوروبية العامة. فبحسب ما نشرته وزارة الدفاع الإيطالية ووكالة الأنباء الإيطالية ANSA في 17 سبتمبر 2026، فإن كروسيتو قال إن بلاده لا تريد أن تبقى سفنها رهينة بطء القرار الأوروبي، وإنه طلب من القيادات العسكرية تقييم الوضع العملياتي والأمني في البحر الأحمر وإعداد خطة تضمن حرية عبور السفن ذات المصلحة الوطنية الإيطالية عبر مضيق باب المندب.

هذه اللغة السياسية تكشف أمرين مهمين: الأول أن روما ترى التهديد مباشرًا على تجارتها، والثاني أن أوروبا، رغم عملية ASPIDES البحرية القائمة لحماية الملاحة في البحر الأحمر، ما زالت تواجه حدودًا عملية عندما ترتفع وتيرة المخاطر أو تتبدل طبيعتها على الأرض.

خلفية عملية ASPIDES

إيطاليا ليست لاعبًا جديدًا في هذا الملف. وزارة الدفاع الإيطالية كانت قد وصفت في 2024 عملية ASPIDES الأوروبية بأنها رد ضروري لحماية الملاحة التجارية في البحر الأحمر، كما أكدت لاحقًا أن البحرية الإيطالية شاركت فعليًا في مهام الحماية القريبة للسفن التجارية، ومنها تحرك الفرقاطة Virginio Fasan في محيط باب المندب ضمن إطار العملية الأوروبية.

بين الحوثيين والممرات البحرية: لماذا عاد التصعيد الآن؟

التطور الأخير يأتي وسط تصاعد جديد في نفوذ الحوثيين على امتداد الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، وهو ما أثار مخاوف إضافية بشأن أمن المضيق. تقارير دولية حديثة أشارت إلى أن تقدم الحوثيين نحو مواقع مطلة على هذا المعبر البحري يزيد احتمال استهداف السفن التجارية أو تهديد خطوط الطاقة، بما يوسع نطاق الأزمة من الملاحة إلى أسواق النفط والاتصالات أيضًا.

الحديث عن كابلات الطاقة والاتصالات ليس تفصيلًا ثانويًا. فهذه المنطقة تمر عبرها بنية تحتية بحرية حساسة تربط قارات وأسواقًا ومراكز بيانات، ما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد لا يهدد فقط ناقلات النفط أو الحاويات، بل يمتد إلى الاقتصاد الرقمي نفسه. من هنا يمكن فهم لهجة كروسيتو التي ربطت أمن السفن بأمن سلاسل الإمداد الأوسع.

ماذا يعني ذلك لقناة السويس والاقتصاد المصري؟

الانعكاس الأول هو أن استمرار المخاوف في باب المندب يؤخر التعافي الكامل لحركة الملاحة عبر قناة السويس. صحيح أن هيئة القناة تحدثت في يناير 2026 عن مؤشرات إيجابية وإمكانية عودة تدريجية لبعض الخطوط الملاحية، لكن أي تدهور أمني جديد جنوب البحر الأحمر يعيد شركات الشحن إلى حسابات المخاطر والتأمين والتأخير.

وفي مارس 2026، أشارت تقديرات منشورة في Ahram Online إلى أن الاضطرابات المرتبطة بهجمات الحوثيين كانت قد كلّفت مصر نحو 9 مليارات دولار من الإيرادات المحتملة لقناة السويس. ورغم أن هذا الرقم يرتبط بتقديرات وليس بحصيلة نهائية سنوية منشورة في ذلك الخبر، فإنه يعكس حجم الضغط الذي سببه اضطراب البحر الأحمر على مورد استراتيجي مصري.

في المقابل، تُظهر البيانات الرسمية المصرية أن مؤسسات الدولة تحاول تحويل الأزمة إلى فرصة لإبراز مزايا البنية التحتية المصرية. فموقع هيئة قناة السويس أشار في ديسمبر 2025 إلى توقعات بتحسن الإيرادات في السنة المالية 2025/2026، ثم الارتفاع إلى نحو 8 مليارات دولار في 2026/2027، مع طموح للوصول إلى قرابة 10 مليارات دولار في 2027/2028، إذا استمرت مؤشرات التعافي وتحسنت البيئة الأمنية الإقليمية.

القراءة السياسية: هل نحن أمام عسكرة أوسع للممرات؟

من منظور تحليلي، خطوة روما تعكس انتقالًا تدريجيًا من منطق الحماية الجماعية إلى منطق الحماية الوطنية المباشرة. عندما تقول دولة أوروبية كإيطاليا إنها مستعدة لتأمين سفنها حتى لو سبق ذلك التوافق الأوروبي الكامل، فهذه إشارة إلى أن أزمة البحر الأحمر لم تعد تُقرأ فقط كملف أمن بحري، بل كاختبار لقدرة الدول على الدفاع عن تجارتها في عالم تتزايد فيه هشاشة الممرات البحرية.

هذا التحول مهم لمصر أيضًا. فكلما ازداد الوجود العسكري الدولي قرب باب المندب، ارتفعت فرص ردع الهجمات من جهة، لكن ارتفع أيضًا احتمال الاحتكاك والتصعيد من جهة أخرى. لذلك، فإن مصلحة القاهرة تظل مرتبطة بمعادلة دقيقة: استعادة الأمان الملاحي دون الانزلاق إلى فوضى إقليمية مفتوحة تزيد كلفة التجارة وتطيل أمد التوتر.

الزاوية المصرية الأهم

في النهاية، القضية بالنسبة لمصر ليست إيطاليا في حد ذاتها، بل الرسالة التي يحملها التحرك الإيطالي: القوى المستفيدة من طريق البحر الأحمر-قناة السويس باتت أكثر استعدادًا للانتقال من المراقبة إلى الفعل. وإذا استمرت التهديدات في باب المندب، فإن الضغوط على الشحن العالمي، وأسعار التأمين، ومدد التسليم، وتنافسية الطريق البحري عبر السويس ستظل حاضرة بقوة.

  • أولًا: باب المندب يظل نقطة الاختبار الأساسية قبل أي حديث جدي عن عودة مستقرة وكاملة لحركة العبور في قناة السويس.
  • ثانيًا: التحرك الإيطالي يعكس قلقًا أوروبيًا فعليًا من طول أمد الأزمة، لا مجرد موقف دبلوماسي عابر.
  • ثالثًا: مصر تبقى الطرف الأكثر حساسية تجاه أي اضطراب هناك، لأن القناة ليست فقط مرفقًا ملاحيًا، بل ركيزة سيادية واقتصادية واستراتيجية.

لذلك، فإن إعلان جويدو كروسيتو ليس مجرد خبر عسكري من روما، بل مؤشر جديد على أن معركة الممرات البحرية ما زالت مفتوحة، وأن أمن باب المندب سيظل عنصرًا حاسمًا في مستقبل التجارة العالمية، وفي حسابات مصر تحديدًا خلال المرحلة المقبلة.