Akhbar Cairo

إيطاليا تؤكد دعمها لمصر في خفض التصعيد ومكافحة الهجرة

رسالة إيطالية من القاهرة: دعم سياسي لمصر وتقدير لدورها الإقليمي

حملت زيارة نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي أنطونيو تاياني إلى القاهرة، الخميس 3 سبتمبر 2026، رسائل سياسية واضحة تتعلق بملفين يتصدران أجندة البلدين: خفض التصعيد في الشرق الأوسط ومواجهة الهجرة غير النظامية. وخلال اللقاءات الرسمية في مصر، شدد الوزير الإيطالي على دعم روما للجهود التي تبذلها القاهرة لتهدئة الأوضاع الإقليمية، في وقت تشهد فيه المنطقة ضغوطًا متصاعدة بفعل الحرب في غزة، وتداعيات الأزمة السودانية، والتوترات الممتدة في البحر الأحمر ومحيطه.

التحرك الإيطالي جاء في سياق زيارة رسمية واسعة استهدفت تعزيز الشراكة بين القاهرة وروما، وشملت لقاءً مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جانب مباحثات مع الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج. وبحسب البيانات الرسمية المصرية والإيطالية، فإن الزيارة لم تقتصر على التشاور السياسي، بل امتدت أيضًا إلى الملفات الاقتصادية والتجارية وإدارة تدفقات الهجرة بين ضفتي المتوسط.

إشادة إيطالية بدور مصر في خفض التصعيد

الجانب السياسي كان في صدارة المباحثات، إذ تناولت اللقاءات تطورات الشرق الأوسط، وعلى رأسها الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة واحتواء اتساع رقعة التوتر. ووفق ما أعلنته الرئاسة المصرية، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، الخميس 3 سبتمبر 2026، الوزير الإيطالي بحضور وزير الخارجية المصري وعدد من كبار المسؤولين من الجانبين، في تأكيد على الأهمية التي توليها القاهرة وروما للتنسيق المباشر في القضايا الإقليمية.

وتتقاطع هذه الزيارة مع اتصالات مصرية-إيطالية سابقة في الملف نفسه. ففي 2 يوليو 2026، تلقى وزير الخارجية المصري اتصالًا هاتفيًا من أنطونيو تاياني، جرى خلاله تبادل الرؤى بشأن تطورات الشرق الأوسط، حيث عرضت القاهرة جهودها لاستئناف وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وضمان الإفراج عن الرهائن والأسرى، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية والطبية، فضلًا عن التحضير لاستضافة مؤتمر دولي للتعافي المبكر وإعادة الإعمار فور التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

ومن زاوية مصرية، يمثل هذا الدعم الأوروبي، وخصوصًا الإيطالي، عنصرًا مهمًا في تثبيت مقاربة القاهرة التي تربط بين التهدئة السياسية ومنع توسع الأزمات بما يهدد أمن المتوسط. أما من زاوية إيطاليا، فإن استقرار المنطقة لا ينفصل عن مصالحها الأمنية والاقتصادية، سواء فيما يتعلق بأمن الطاقة أو التجارة أو إدارة الحدود والهجرة.

الهجرة غير النظامية.. ملف تعاون متقدم بين القاهرة وروما

الشق الثاني الأبرز في تصريحات تاياني كان متعلقًا بملف الهجرة غير النظامية من مصر. الوزير الإيطالي أشاد علنًا بالتعاون القائم مع القاهرة، معتبرًا أن التراجع الكبير في هذه الظاهرة يرتبط بما تقوم به الدولة المصرية على الأرض. وتنسجم هذه التصريحات مع ما تؤكده المؤسسات المصرية منذ سنوات بشأن توقف انطلاق قوارب الهجرة غير الشرعية من السواحل المصرية باتجاه أوروبا منذ عام 2016، وهو ما سبق أن أشار إليه الجانب الإيطالي في مناسبات رسمية متعددة.

لكن الزيارة الحالية أظهرت أن التعاون لم يعد يقتصر على المنع والمكافحة فقط، بل يتجه إلى إطار أوسع يقوم على تنظيم مسارات الهجرة القانونية والتدريب المهني وربطها باحتياجات سوق العمل الإيطالية. ونقلت مصادر إيطالية رسمية أن تاياني أعلن التوقيع على اتفاق مع نظيره المصري يهدف إلى تقليص الهجرة غير النظامية وزيادة فرص الهجرة النظامية المؤهلة للعمل داخل الشركات الإيطالية، عبر مسارات تدريب مناسبة.

هذا التحول يحمل دلالة مهمة بالنسبة إلى مصر، إذ يعكس اعترافًا أوروبيًا متزايدًا بأن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقوم فقط على الأدوات الأمنية، بل تحتاج أيضًا إلى فرص عمل وتدريب وتنقل قانوني وآمن. كما يتسق مع توجه مصري معلن يعتبر أن المقاربة الفعالة للهجرة يجب أن تشمل التنمية ومعالجة الأسباب الجذرية، لا سيما في محيط إقليمي مضطرب.

لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟

  • أولًا: لأنه يبرز وزن مصر كشريك رئيسي في إدارة أحد أكثر ملفات المتوسط حساسية.
  • ثانيًا: لأنه يفتح الباب أمام توسيع فرص العمالة النظامية والتأهيل المهني بدلًا من مسارات الهجرة الخطرة.
  • ثالثًا: لأنه يعكس كيف توظف القاهرة موقعها ودورها الإقليمي في بناء شراكات عملية مع أوروبا.

أرقام التجارة تضيف بُعدًا اقتصاديًا للزيارة

بعيدًا عن السياسة والهجرة، حملت الزيارة بعدًا اقتصاديًا واضحًا. فبحسب ما أعلنته وكالة الأنباء الإيطالية والبيانات الصادرة قبيل الزيارة، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وإيطاليا 5.9 مليار يورو خلال عام 2025، بزيادة 11.7% مقارنة بالفترة السابقة، مع تسجيل نمو إضافي بنسبة 7.5% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026. هذه الأرقام تعكس أن العلاقات بين البلدين لا تُدار فقط بمنطق الملفات الأمنية، بل تقوم أيضًا على مصالح استثمارية وتجارية متنامية.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتزامن الزيارة مع أعمال اللجنة المصرية الإيطالية المشتركة، إلى جانب حضور وزراء ومسؤولين إيطاليين معنيين بالبيئة والطاقة والعمل. فالعلاقة مع القاهرة بالنسبة إلى روما تتجاوز الاعتبارات الدبلوماسية التقليدية، وتمتد إلى سوق كبيرة وموقع استراتيجي وشريك مؤثر في المتوسط وأفريقيا.

مصر وإيطاليا.. شراكة تتسع في لحظة إقليمية دقيقة

المتابع لمسار العلاقات المصرية الإيطالية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن التنسيق السياسي بين البلدين أصبح أكثر انتظامًا، خصوصًا في القضايا ذات الصلة بأمن المتوسط، والهجرة، والطاقة، والأزمات الإقليمية. كما أن القاهرة وروما اشتركتا مؤخرًا في استضافة فعاليات مرتبطة ببحث الأسباب الجذرية للنزوح والهجرة غير النظامية في أفريقيا، وهو ما يعكس رغبة مشتركة في الانتقال من إدارة الأزمات إلى محاولة التأثير في مسبباتها.

في هذا السياق، تكتسب تصريحات أنطونيو تاياني أهمية إضافية، لأنها لا تأتي باعتبارها مجاملة دبلوماسية عابرة، بل ضمن زيارة رسمية مدعومة ببرنامج سياسي واقتصادي واضح، وبتوقيت يشهد احتدامًا في ملفات الإقليم. وإذ تؤكد إيطاليا دعمها لجهود مصر لخفض التصعيد، فإنها في الوقت نفسه تراهن على القاهرة كطرف قادر على التواصل، واحتواء التوتر، والمساهمة في منع انزلاق المنطقة إلى موجات أوسع من عدم الاستقرار.

خلاصة المشهد

خلاصة الرسالة التي خرجت من القاهرة يمكن تلخيصها في نقطتين أساسيتين: إيطاليا ترى في مصر شريكًا محوريًا لخفض التصعيد في المنطقة، والتعاون بين البلدين في ملف الهجرة غير النظامية بات نموذجًا عمليًا تسعى روما إلى البناء عليه. وبين هذين العنوانين، تبدو الزيارة مؤشرًا جديدًا على أن ثقل مصر الإقليمي لا يُقاس فقط بتحركاتها السياسية، بل أيضًا بقدرتها على ربط الأمن بالتنمية، والحدود بالاستقرار، والشراكة بالمصلحة المتبادلة.