Akhbar Cairo

أيمن محسب: مواءمة التعليم مع سوق العمل بوابة اقتصاد تنافسي

ربط التعليم بسوق العمل.. رسالة مصرية بنَفَس أفريقي

أعاد الدكتور أيمن محسب، وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، طرح واحد من أكثر الملفات إلحاحًا في مصر والقارة الأفريقية، حين شدد على أن تطوير التعليم وربط التخصصات باحتياجات سوق العمل لم يعد مجرد مطلب إصلاحي، بل ضرورة اقتصادية مباشرة لرفع التنافسية وجذب الاستثمارات. وتأتي هذه الرؤية في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسواق العمل الأفريقية، مع دخول ملايين الشباب سنويًا إلى دائرة البحث عن فرص عمل، مقابل فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات القطاعات الإنتاجية.

تصريحات محسب تنسجم مع نقاش أوسع تشهده مصر وعدد من دول القارة حول كيفية تحويل التعليم، خاصة الفني والتقني، إلى أداة تنموية قادرة على خدمة الصناعة، والتكنولوجيا، والزراعة الحديثة، والخدمات العابرة للحدود. وبالنسبة للقراء في مصر، فإن هذا الملف لا يتعلق فقط بتطوير المدارس والجامعات، بل أيضًا بموقع البلاد داخل سلاسل القيمة الإقليمية في أفريقيا، وقدرتها على تصدير الخبرات والمنتجات والعمالة الماهرة في آن واحد.

ماذا قال أيمن محسب؟

بحسب ما نُشر عن مواقف النائب، فإن محسب ربط بين تحسين جودة التعليم وتأهيل الخريجين لسوق العمل من جهة، وبين خلق بيئة جاذبة للاستثمار من جهة أخرى، معتبرًا أن الاقتصاد لا يمكن أن يصبح أكثر كفاءة وتنافسية من دون قوى عاملة مدربة ومؤهلة. كما سبق له التأكيد في مداخلات برلمانية سابقة على أن غياب التخطيط الواضح بين التعليم العالي وسوق العمل يؤدي إلى تخريج تخصصات متكررة، بينما تحتاج السوق إلى نوعيات مختلفة من المهارات العملية والتقنية.

هذا الطرح يتجاوز الإطار المحلي، لأن التحدي نفسه حاضر بقوة على المستوى الأفريقي؛ فوفق بيانات البنك الأفريقي للتنمية، يدخل نحو 12 مليون شاب إلى سوق العمل في أفريقيا كل عام، بينما لا تتاح سوى 3 ملايين وظيفة تقريبًا، ما يترك فجوة سنوية ضخمة في فرص العمل. ويؤكد البنك أيضًا أن أحد الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة هو استمرار عدم التوافق بين نظم التعليم والتدريب من ناحية، واحتياجات أسواق العمل من ناحية أخرى.

لماذا يهم هذا الملف أفريقيا؟

في القارة الأفريقية، لا تُقاس أزمة التعليم فقط بمعدلات الالتحاق أو أعداد المدارس، بل بقدرة النظم التعليمية على إنتاج مهارات قابلة للتوظيف. منظمة العمل الدولية أوضحت في موجز حديث صدر في 10 فبراير 2025 أن واحدًا من كل خمسة شباب على مستوى العالم خارج العمل أو التعليم أو التدريب، مع حاجة ملحة إلى استثمارات أكبر في الوظائف والمهارات، خصوصًا في أفريقيا. كما تؤكد استراتيجية التشغيل للشباب في أفريقيا، التي طورتها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي، أن السياسات الأكثر فاعلية هي تلك التي توسع التدريب القائم على الطلب الفعلي وتربط التعليم بالشراكات مع أصحاب الأعمال.

وتوضح تقارير اليونسكو والاتحاد الأفريقي واليونيسف الخاصة بتحول التعلم وتنمية المهارات في القارة أن المرحلة المقبلة تتطلب أن تصبح نظم التعليم أكثر استجابة للاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما مع التحولات المرتبطة بالرقمنة والاقتصاد الأخضر والتصنيع الإقليمي. ومن هنا، فإن حديث محسب ينسجم مع اتجاه قاري أوسع يرى أن التعليم لم يعد قطاعًا خدميًا منفصلًا، بل جزءًا من معادلة الإنتاج والاستثمار والاندماج الاقتصادي.

مصر تتحرك عبر التعليم الفني والشراكة مع القطاع الخاص

على المستوى المصري، تشير البيانات الرسمية إلى خطوات عملية في هذا المسار. وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني أعلنت أن الاستثمارات المدرجة لقطاع التعليم في العام المالي 2025/2026 بلغت نحو 30.5 مليار جنيه، مع تركيز واضح على التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية والشراكات مع القطاع الخاص، بما يساعد على إعداد كوادر تلبي احتياجات سوق العمل. كما تحدثت الوزارة عن الاهتمام بالمجالات المرتبطة بالرياضيات والفيزياء والهندسة والبرمجة والذكاء الاصطناعي.

وفي 8 يوليو 2026، عقد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، والدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار، والسيد حسن رداد، وزير العمل، اجتماعًا مشتركًا لبحث آليات الارتقاء بكفاءة وتنافسية التعليم الفني، بحضور المستثمر مجدي طلبة. وركز الاجتماع على تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لتطوير قدرات خريجين يمتلكون المهارات الفنية والتكنولوجية المطلوبة، بما يدعم جذب الاستثمارات، ويوفر فرص عمل لائقة، ويعزز الصادرات المصرية. هذه الصيغة العملية تمنح تصريحات محسب بعدًا تنفيذيًا، لأنها تُظهر أن الربط بين التعليم وسوق العمل لم يعد مجرد شعار سياسي.

كذلك أكدت وزارة التربية والتعليم، في تعاونها مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي GIZ، أن مصر تتوسع في عقد شراكات دولية لإنشاء مدارس تكنولوجيا تطبيقية تمنح شهادات معتمدة وفق المعايير الدولية، بما يساعد الخريجين على المنافسة في السوقين المحلي والدولي. وتؤشر هذه الخطوات إلى أن الدولة تحاول بناء نموذج يجمع بين التعليم، والتدريب، والاعتماد، والتشغيل داخل منظومة واحدة.

من التعليم إلى الاستثمار.. كيف تعمل الحلقة الاقتصادية؟

الربط بين التعليم وسوق العمل لا ينعكس فقط على فرص التوظيف، بل يؤثر مباشرة على قرارات المستثمرين. فالمستثمر، سواء كان محليًا أو أجنبيًا، يبحث أولًا عن سوق تتوافر فيها العمالة المدربة، والمهارات الفنية، والقدرة على التكيف مع التكنولوجيا. وعندما تتسع فجوة المهارات، ترتفع كلفة التدريب، وتتباطأ الإنتاجية، وتتراجع جاذبية السوق. لذلك فإن تطوير التعليم الفني والتقني يمثل، في الواقع، جزءًا من البنية التحتية الاقتصادية التي لا تقل أهمية عن الطرق والطاقة والاتصالات. وهذا استنتاج تدعمه مواقف البنك الأفريقي للتنمية ومنظمة العمل الدولية بشأن أولوية الاستثمار في الشباب والمهارات وأنظمة معلومات سوق العمل.

وفي شمال أفريقيا، يقدم البنك الأفريقي للتنمية نماذج عملية لبرامج توظيف وتدريب مرتبطة مباشرة باحتياجات القطاع الخاص. ففي تونس، على سبيل المثال، أشار البنك إلى برنامج أُطلق في فبراير 2025 يجمع بين التدريب قصير الأجل المرتبط باحتياجات الشركات، ودعم ريادة الأعمال، وتسهيل الوصول إلى التمويل، مع هدف خلق 118,900 فرصة عمل رسمية مباشرة وغير مباشرة. ورغم اختلاف السياقات الوطنية، فإن الرسالة المشتركة واضحة: التعليم الذي لا ينتهي إلى مهارة مطلوبة اقتصاديًا يفقد جزءًا مهمًا من قيمته التنموية.

الرهان المقبل: مهارات المستقبل داخل أفريقيا

المناقشة التي أثارها أيمن محسب تكتسب أهمية إضافية مع التحولات المتسارعة في طبيعة الوظائف. فالاقتصادات الأفريقية لم تعد تنافس فقط في القطاعات التقليدية، بل في الخدمات الرقمية، والصناعات التحويلية، والطاقة، والزراعة الذكية، وسلاسل الإمداد الإقليمية. ولهذا تبرز الحاجة إلى تعليم أكثر مرونة، يدمج بين المهارات التقنية والمهارات اللينة مثل التواصل، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، والتفكير النقدي. منظمة العمل الدولية والبنك الأفريقي للتنمية يشيران بوضوح إلى أن الاستثمار في المهارات وريادة الأعمال وأنظمة التدريب الحديثة هو أحد المفاتيح الأساسية لتحويل الكتلة الشبابية في أفريقيا من تحدٍّ ديموغرافي إلى قوة إنتاجية.

بالنسبة لمصر، فإن النجاح في هذا الملف قد يمنحها فرصة مزدوجة: أولًا، تحسين قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب الشباب ورفع الإنتاجية؛ وثانيًا، تعزيز موقعها كمركز إقليمي للتعليم الفني والخبرة المهنية داخل محيطها الأفريقي. ومن هذه الزاوية، تبدو دعوة محسب إلى مواءمة التعليم مع احتياجات السوق أقرب إلى وصفة تنموية متكاملة منها إلى مجرد تصريح سياسي، خصوصًا في قارة تبحث اليوم عن وظائف أكثر، واستثمارات أذكى، وتعليم أقرب إلى الواقع الاقتصادي.

خلاصة المشهد

الخيط الناظم بين كل هذه المؤشرات هو أن الاقتصاد التنافسي يبدأ من الفصل الدراسي وورشة التدريب والمعمل. وإذا كانت مصر ودول أفريقيا تريد جذب استثمارات مستدامة، وزيادة الصادرات، وتقليص بطالة الشباب، فإن بناء منظومة تعليم مرتبطة فعلًا باحتياجات السوق سيبقى أحد أكثر القرارات تأثيرًا على المدى المتوسط والطويل. وهذا بالضبط ما تعكسه رسالة أيمن محسب: لا تنمية بلا مهارة، ولا مهارة بلا تعليم يقرأ السوق جيدًا.