باب المندب بين التصعيد والردع: لماذا يُطرح التحالف الدولي الآن؟
دعوة إسرائيلية تعكس قلقًا أوسع من أمن الممر البحري
أعادت تصريحات منسوبة إلى مسؤول إسرائيلي غير مُسمى الجدل حول أمن البحر الأحمر إلى الواجهة، بعدما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية يوم الاثنين عن ضرورة تشكيل تحالف دولي لمواجهة الحوثيين ومنع انزلاق الوضع إلى فوضى في مضيق باب المندب. ورغم أن التصريح في ذاته ليس الأول من نوعه، فإن توقيته مهم؛ إذ يأتي في لحظة يتزايد فيها التركيز الدولي على هذا الممر البحري الحساس الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن، ويُعد بوابة مباشرة إلى قناة السويس بالنسبة لحركة التجارة المتجهة من آسيا إلى أوروبا والعكس.
في القراءة السياسية، تبدو هذه الدعوة الإسرائيلية جزءًا من محاولة أوسع لدفع المجتمع الدولي إلى التعامل مع تهديد الملاحة باعتباره ملفًا عابرًا للحدود، لا أزمة أمنية تخص طرفًا بعينه. فمنذ أواخر 2023، تشكلت بالفعل ترتيبات عسكرية بحرية تقودها الولايات المتحدة تحت اسم عملية حارس الازدهار لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يعني أن فكرة “التحالف الدولي” ليست جديدة بالكامل، بل يجري اليوم إعادة طرحها في سياق تصعيدي جديد أكثر من كونها مبادرة مبتكرة.
لماذا باب المندب تحديدًا؟
تكمن حساسية باب المندب في الجغرافيا قبل السياسة. المضيق يفصل اليمن عن جيبوتي وإريتريا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ما يجعله أحد أهم “نقاط الاختناق” في التجارة العالمية. أي اضطراب ممتد هناك لا ينعكس فقط على السفن المستهدفة، بل على تكلفة التأمين وأسعار الشحن ومسارات التجارة ومدد الرحلات، وهو ما يدفع بعض الشركات إلى تحويل مسارها حول رأس الرجاء الصالح عندما ترتفع المخاطر.
الأهمية هنا مصرية بامتياز أيضًا. فكل اضطراب في جنوب البحر الأحمر يضغط تلقائيًا على حركة العبور إلى قناة السويس، سواء بتراجع أعداد السفن أو بزيادة التردد لدى الخطوط الملاحية الكبرى. هيئة قناة السويس أكدت في ديسمبر 2025، خلال لقاء رسمي لرئيس الهيئة الفريق أسامة ربيع، أن أزمة البحر الأحمر كانت من أبرز التحديات التي واجهت القناة في الفترة الأخيرة، مع حديثها في الوقت نفسه عن توقعات بتحسن الإيرادات في السنوات المالية التالية إذا تحسنت البيئة الملاحية.
ما الذي تغيّر في 2026؟
الجديد في 2026 ليس فقط استمرار تهديد الهجمات، بل أيضًا اتساع القلق من تغيرات ميدانية على الساحل اليمني المطل على المضيق. تقارير دولية حديثة، بينها تغطيات لوكالة أسوشيتد برس، تحدثت في سبتمبر 2026 عن سيطرة الحوثيين على مواقع ذات أهمية استراتيجية قرب باب المندب، بينها مدينة المخا وجزيرة في نطاق المضيق، وهو تطور أعاد المخاوف من انتقال الضغط من استهداف السفن إلى محاولة فرض أمر واقع جغرافي على أحد أهم المسارات البحرية في العالم.
هذا التحول يفسر اللهجة التحذيرية في الخطاب الإسرائيلي. فحين تتقاطع السيطرة البرية أو الساحلية مع القدرة على تهديد السفن بالمسيرات أو الصواريخ، تصبح المسألة أعقد من مجرد حماية قافلة بحرية أو مرافقة سفن تجارية. هنا تبدأ الحسابات المرتبطة بالردع طويل الأمد، وقواعد الاشتباك، وحدود التدخل البحري في نزاع إقليمي مفتوح على أكثر من جبهة.
الموقف المصري: أمن الملاحة نعم.. وعسكرة البحر الأحمر لا
من زاوية القاهرة، تبدو المعادلة أكثر دقة. مصر تشدد باستمرار على أولوية تأمين الملاحة في البحر الأحمر، لكنها في الوقت نفسه تكرر رفضها لتحويل الإقليم إلى ساحة عسكرة مفتوحة أو ترك أمنه رهينة لقوى غير مطلة عليه. هذا الاتجاه ظهر بوضوح في بيانات ومشاورات رسمية مصرية خلال 2026، بينها تأكيدات وزارة الخارجية على أهمية عدم امتداد النزاعات إلى البحر الأحمر وسواحله، وكذلك التشديد في مباحثات مصرية-يمنية على رفض عسكرة البحر الأحمر.
كما أن القاهرة تبنت مع شركاء إقليميين، بينهم إريتريا، خطابًا قائمًا على أن أمن البحر الأحمر يجب أن يظل مسؤولية الدول المشاطئة له بالأساس. وهذه نقطة بالغة الأهمية عند تقييم أي دعوات لتشكيل تحالفات دولية جديدة؛ لأن السؤال المصري التقليدي لا يقتصر على من يحمي الملاحة؟ بل يمتد إلى وفق أي قواعد سياسية، وبأي سقف زمني، ولمصلحة من؟
هل التحالف الدولي حل عملي أم عنوان سياسي؟
في الواقع، لا توجد إجابة بسيطة. من الناحية العسكرية، أثبتت التجربة منذ 2023 أن وجود قوات بحرية متعددة الجنسيات قد يخفف المخاطر ويعزز سرعة الاستجابة، لكنه لا يعالج الجذر السياسي والعسكري للأزمة داخل اليمن أو في الإقليم الأوسع. بدليل أن التحذيرات الملاحية الأمريكية في 2026 ما زالت تشير إلى مخاطر مرتفعة على السفن ذات الصلة بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة، بل وتمتد أحيانًا إلى سفن تدخل في هياكل ملكية أو تشغيل أوسع ترتبط بموانئ إسرائيلية.
أما من الناحية السياسية، فإن عبارة “تحالف دولي” قد تستخدم أحيانًا لتوسيع الشرعية السياسية لأي تصعيد محتمل، أو لتقاسم كلفة المواجهة بدل تحملها منفردًا. لذلك يمكن فهم التصريح الإسرائيلي الأخير بوصفه رسالة إلى العواصم الغربية أكثر منه خطة تفصيلية مكتملة. إنه يقول عمليًا إن أمن باب المندب لم يعد ملفًا ثانويًا، وإن تركه للردود الموضعية قد يفتح الباب لفوضى أوسع.
ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا يتعلق الملف فقط بصراع بعيد جغرافيًا. باب المندب هو الامتداد الجنوبي الطبيعي لأمن قناة السويس، وأي اضطراب هناك ينعكس على التجارة العالمية وعلى إيرادات مرفق سيادي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد المصري. لهذا تتابع القاهرة أي تغير في معادلات البحر الأحمر من منظور يتجاوز السياسة اليومية إلى حسابات الأمن القومي والاقتصاد والتموضع الإقليمي.
وقد ظهرت مؤشرات على محاولات استعادة الثقة في المسار الملاحي؛ فوزارة النقل المصرية أعلنت في يناير 2026 عبور سفينة Mærsk Denver بأمان عبر باب المندب إلى البحر الأحمر، في خطوة قُدمت ضمن اختبار تدريجي لعودة بعض الخطوط إلى هذا الطريق الحيوي. لكن مثل هذه المؤشرات تظل مرتبطة مباشرة بمستوى التهديد الأمني في المضيق وما حوله.
الخلاصة: بين الردع والإدارة السياسية للأزمة
الدعوة الإسرائيلية إلى تحالف دولي ضد الحوثيين تعكس حقيقة لا يمكن إنكارها: أمن باب المندب لم يعد مجرد بند بحري، بل ملف سياسي واستراتيجي يمس التجارة والطاقة وموازين النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. لكن أي مقاربة فعالة لن تنجح إذا اختزلت الأزمة في البعد العسكري وحده. فالممرات البحرية يمكن حمايتها مؤقتًا بالقوة، أما استقرارها المستدام فيتطلب معالجة سياسية أوسع تمنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة اشتباك دائمة.
ومن هنا، يبدو الموقف الأكثر اتزانًا بالنسبة لمصر هو التمسك بمعادلة مزدوجة: حماية صارمة لحرية الملاحة، مع رفض انزلاق البحر الأحمر إلى عسكرة مفتوحة تُدار من الخارج. وبين هذين الحدين ستظل القاهرة معنية بكل كلمة تُقال عن باب المندب، ليس فقط لأن المضيق بعيد وقريب في آن واحد، بل لأنه أحد المفاتيح المباشرة لاستقرار قناة السويس ومكانة مصر في معادلة التجارة العالمية.