Akhbar Cairo

باب المندب والبحر الأحمر.. لماذا يظلان خطًا أحمر لمصر؟

باب المندب والبحر الأحمر.. معادلة أمن لا تنفصل عن مصر

عاد ملف البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى صدارة النقاشات السياسية والإستراتيجية في مصر، بعد حديث الكاتب الصحفي والإعلامي مجدي الجلاد عن الارتباط المباشر بين هذين الممرين وبين الأمن القومي المصري. هذا الطرح لا ينفصل عن حقيقة ثابتة في الجغرافيا السياسية للمنطقة: أي اضطراب في جنوب البحر الأحمر ينعكس سريعًا على قناة السويس، وهي أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر وأحد أعمدة التجارة العالمية.

أهمية هذه القضية بالنسبة للقارئ المصري لا تتعلق فقط بالملاحة أو الخرائط، بل بتأثير مباشر على الاقتصاد، وسلاسل الإمداد، وإيرادات الدولة، ومكانة مصر الإقليمية. فالقناة ليست مجرد مجرى ملاحي، بل شريان حيوي يربط البحرين الأحمر والمتوسط، ويمنح القاهرة وزنًا جيوسياسيًا يتجاوز حدودها.

ماذا قال مجدي الجلاد؟

في مداخلات وتصريحات منشورة خلال عامي 2025 و2026، شدد مجدي الجلاد على أن ما يجري في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي لا يمكن التعامل معه باعتباره ملفًا بعيدًا عن الداخل المصري، بل باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمن الملاحة المصري ومصالح القاهرة الإقليمية. وربط الجلاد بين التحركات الإقليمية في محيط الصومال وخليج عدن وبين محاولات الضغط على النفوذ المصري في المجالين المائي والملاحي.

ورغم أن التصريحات تحمل طابعًا تحليليًا وسياسيًا، فإن جوهرها يجد ما يسانده في الوقائع الاقتصادية والأمنية الأخيرة، خاصة مع تراجع أعداد السفن والعوائد المرتبطة بقناة السويس منذ تفاقم الاضطرابات في البحر الأحمر.

لماذا يمثل باب المندب مسألة حيوية لمصر؟

يقع مضيق باب المندب عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن الناحية العملية، فإن أي تهديد للملاحة فيه يدفع جزءًا من السفن إلى تغيير مسارها بعيدًا عن قناة السويس، غالبًا عبر رأس الرجاء الصالح، بما يعني رحلات أطول وتكلفة أعلى واضطرابًا في حركة التجارة. بالنسبة لمصر، هذا التحول لا يُقرأ فقط كملف ملاحي، بل كقضية أمن قومي واقتصاد قومي.

الهيئة العامة للاستعلامات سبق أن عرضت في موادها التحليلية فكرة الارتباط بين أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وبين قناة السويس، بما يعكس حضور هذا التصور في التفكير الإستراتيجي المصري الرسمي منذ سنوات، وليس كاستجابة ظرفية لأزمة عابرة.

أرقام الخسائر.. لماذا يتابع المصريون هذا الملف يوميًا؟

الأثر الاقتصادي للأزمة لم يعد تقديريًا فقط، بل صار موثقًا بأرقام رسمية ودولية. رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع أكد في تصريحات منشورة أن القناة تأثرت بشدة جراء اضطرابات البحر الأحمر، موضحًا أن عدد السفن المارة تراجع من 25887 سفينة في العام المالي 2022/2023 إلى 20148 سفينة في 2023/2024، كما انخفضت الإيرادات من 9.4 مليارات دولار إلى 7.2 مليارات دولار.

وفي سياق متصل، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن تعطل التجارة في البحر الأحمر منذ ديسمبر 2023 أثر مباشرة على إيرادات القطاع الخارجي في مصر، وأن متحصلات قناة السويس تراجعت بنحو 6 مليارات دولار خلال 2024 مقارنة بعام 2023، مع استمرار الضغوط خلال الأشهر الأولى من 2025. كما وردت تقديرات رسمية مصرية تحدثت عن خسائر تقارب 7 مليارات دولار في عام 2024 وحده نتيجة تراجع حركة العبور.

هذه الأرقام تفسر لماذا لم يعد النقاش حول باب المندب والبحر الأحمر شأنًا يخص العسكريين أو خبراء الجغرافيا السياسية فقط، بل ملفًا اقتصاديًا يهم المواطن المصري الذي يتابع مؤشرات العملة الصعبة والاستثمار والتجارة والطاقة.

أسامة ربيع (@osamarabie على إنستغرام) ومؤشرات التعافي الحذر

في خضم هذه الضغوط، واصلت هيئة قناة السويس التأكيد على جاهزية المجرى الملاحي وقدرته على استيعاب عودة الحركة عند تحسن الأوضاع الأمنية. الفريق أسامة ربيع، رئيس الهيئة، شدد في أكثر من مناسبة على أن القناة حافظت على انتظام الخدمات الملاحية والبحرية، وأن الهيئة اتجهت كذلك إلى تطوير خدمات إضافية مثل صيانة وإصلاح السفن، والتزود بالوقود، والإسعاف البحري، وتبديل الأطقم، في محاولة للحفاظ على تنافسية القناة خلال الظروف الاستثنائية.

كما أظهرت بيانات مصرية رسمية خلال 2025 وجود تحسن نسبي في بعض مؤشرات الملاحة مقارنة ببداية العام نفسه، وهو ما يعكس أن استقرار البحر الأحمر يظل العامل الحاسم في استعادة القناة كامل زخمها. ومع ذلك، لا يزال هذا التعافي مرتبطًا بتطورات الإقليم أكثر من ارتباطه بقدرات التشغيل داخل القناة، التي تؤكد القاهرة أنها لم تتراجع.

البعد العربي.. لماذا يظل التنسيق مع السعودية مهمًا؟

حين يُطرح ملف البحر الأحمر في الإعلام المصري، يظهر دائمًا البعد العربي، خصوصًا الدور السعودي في حماية استقرار الإقليم ودعم التوازنات العربية في اللحظات المفصلية. والسبب واضح: البحر الأحمر ليس ساحة مصرية منفردة، بل مجال حيوي عربي تتقاطع فيه مصالح مصر والسعودية ودول الخليج ودول القرن الإفريقي المطلة على هذا الامتداد البحري. لذلك فإن أي قراءة مصرية جادة للملف تنطلق من أن حماية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر تحتاج إلى تنسيق سياسي وأمني عربي واسع، لا إلى تحركات منفردة.

ومن الزاوية المصرية، فإن تأمين هذا الممر لا يقتصر على منع التهديدات المسلحة للسفن، بل يمتد أيضًا إلى رفض أي ترتيبات إقليمية من شأنها الإضرار بوحدة الدول المطلة أو فتح مسارات فوضى جديدة في القرن الإفريقي، لأن انعكاس ذلك لا يتوقف عند حدود تلك الدول، بل يصل إلى قناة السويس ومكانة مصر في محيطها العربي والإفريقي.

مصر بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة

الرسالة الأساسية التي يفرضها هذا المشهد أن أمن البحر الأحمر جزء من أمن مصر الداخلي. فحين تتعثر الملاحة في باب المندب، لا يتضرر فقط خط شحن دولي بعيد، بل يتأثر مورد مالي سيادي، وتتراجع حركة عبور مرتبطة بمكانة مصر التجارية، وتزداد حساسية الإقليم كله أمام التدخلات الخارجية. لهذا يبدو حديث مجدي الجلاد منسجمًا مع قراءة أوسع تتبناها مؤسسات مصرية رسمية مفادها أن البحر الأحمر ليس هامشًا جغرافيًا، بل عمق إستراتيجي مباشر للقاهرة.

  • باب المندب هو البوابة الجنوبية المؤثرة على حركة العبور إلى قناة السويس.
  • قناة السويس تظل مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي ومكونًا أساسيًا في التجارة العالمية.
  • اضطرابات البحر الأحمر انعكست فعليًا على أعداد السفن والإيرادات خلال 2024 و2025.
  • التنسيق العربي يظل عنصرًا رئيسيًا في أي مقاربة مستدامة لأمن البحر الأحمر.

وبالنسبة إلى مصر، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان باب المندب بعيدًا أم قريبًا، بل كيف يمكن حماية هذا الامتداد البحري من التحول إلى نقطة ضغط دائمة على الاقتصاد المصري والأمن الإقليمي العربي معًا.