Akhbar Cairo

باب المندب والحوثيون: لماذا تراقب مصر التصعيد بقلق؟

تصعيد عند باب المندب.. أزمة إقليمية تمس مصر مباشرة

إعلان جماعة الحوثي نيتها فرض حظر أو حظر بحري على السفن المرتبطة بالسعودية عند مضيق باب المندب أعاد هذا الممر الحيوي إلى صدارة المشهد الإقليمي. أهمية القضية بالنسبة إلى القارئ المصري لا تنبع فقط من موقع المضيق عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بل من كونه أحد الشرايين الأساسية التي تقود السفن إلى قناة السويس، بما يجعل أي اضطراب هناك مسألة تمس التجارة العالمية وإيرادات المرور البحري في مصر.

التقارير الدولية الحديثة أشارت إلى أن الحوثيين أعلنوا خلال يوليو 2026 ما وصفوه بـ"حظر بحري" على الشحن المرتبط بالسعودية، في تطور يثير مخاوف من جولة جديدة من استهداف الممرات المائية بعد موجات سابقة من الهجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر. كما شددت المنظمة البحرية الدولية على أن تجدد الاعتداءات على السفن في المنطقة يهدد حرية الملاحة ويزيد اضطراب الخطوط التجارية الدولية.

لماذا يعد باب المندب بهذه الأهمية؟

يقع باب المندب بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من الجهة المقابلة، ويربط خليج عدن بالبحر الأحمر. ومن هناك تبدأ الرحلة البحرية نحو قناة السويس ثم البحر المتوسط. لهذا السبب، فإن أي تهديد في هذا المضيق لا يبقى محصورًا في الإطار اليمني أو الخليجي، بل يمتد إلى أوروبا وشرق المتوسط وشمال أفريقيا، وفي مقدمتها مصر.

وبحسب تقديرات متداولة في التغطيات الدولية الأخيرة، يمر عبر هذا المسار نحو 12% من التجارة العالمية، كما يعبر جزء كبير من تجارة الحاويات المتجهة من آسيا إلى أوروبا عبر باب المندب ثم قناة السويس. هذه الأرقام تفسر لماذا يتحول أي تصعيد هناك إلى قضية سياسية واقتصادية عالمية، وليس مجرد ملف أمني محلي.

الأبعاد الجيوسياسية للحظر الحوثي

1- الضغط على السعودية في توقيت حساس

التهديد الحوثي للملاحة المرتبطة بالسعودية يحمل رسالة سياسية واضحة: نقل الضغط من البر إلى البحر. فبدل أن يبقى النزاع في حدود الضربات المتبادلة داخل اليمن أو عبر الحدود، يصبح التأثير مباشرًا على حركة الطاقة والتجارة. هذا النوع من الضغط يرفع كلفة المواجهة على الرياض، لأنه يمس الناقلات والإمدادات وسمعة الممرات الإقليمية.

2- توسيع رقعة الاشتباك الإقليمي

البحر الأحمر لم يعد مجرد مساحة عبور، بل بات جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي. ومع كل هجوم أو تهديد جديد، تتداخل مصالح أطراف عدة: السعودية، اليمن، مصر، الولايات المتحدة، والقوى البحرية الدولية، فضلًا عن شركات الشحن والتأمين. لذلك فإن أي إعلان من هذا النوع يفتح الباب أمام اصطفافات أمنية جديدة وزيادة الوجود العسكري البحري.

3- تأثير مباشر على حرية الملاحة

المنظمة البحرية الدولية أدانت في بياناتها الأخيرة الهجمات المتجددة على السفن التجارية في البحر الأحمر، واعتبرت أن استمرارها يعرقل الطرق التجارية ويقوض مبدأ حرية الملاحة. كما سبق للأمم المتحدة أن نددت باستئناف الهجمات الحوثية على سفن مدنية خلال يوليو 2025، محذرة من مخاطر إنسانية وبيئية واقتصادية واسعة.

ماذا يعني ذلك لمصر وقناة السويس؟

من منظور مصري، أخطر ما في أزمة باب المندب هو أنها تضرب الطريق الطبيعي المؤدي إلى قناة السويس. فحين ترتفع المخاطر الأمنية، تميل شركات الشحن إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح بدلًا من عبور البحر الأحمر ثم القناة. هذا التحول يعني زيادة زمن الرحلة وتكاليف الوقود، لكنه في المقابل يحرم القناة من جزء من الحركة الملاحية.

هيئة قناة السويس برئاسة الفريق أسامة ربيع تحدثت خلال 2025 عن مؤشرات على عودة تدريجية لبعض السفن العملاقة إلى العبور عبر القناة. ففي 18 يونيو 2025 أعلنت الهيئة عبور سفينة الحاويات CMA CGM OSIRIS بحمولة إجمالية تبلغ 154 ألف طن، ووصفت الخطوة بأنها أول عبور لسفينة حاويات كبيرة قادمة من اتجاه باب المندب منذ مارس 2024 بعد توقف مؤقت بسبب التحديات الإقليمية. لكن أي موجة تصعيد جديدة تعني أن هذا التعافي يظل هشًا وقابلًا للتراجع.

الاقتصاد المصري بين الجغرافيا والسياسة

مصر ليست طرفًا مباشرًا في الصراع اليمني-السعودي، لكنها طرف أساسي في معادلة نتائجه. فكلما تعقد الوضع في البحر الأحمر، تتأثر سلاسل الإمداد العالمية، وتزداد الضغوط على حركة التجارة العابرة لقناة السويس. كما ينعكس ذلك على كلفة التأمين البحري، وأسعار الشحن، وسلاسة وصول السلع إلى الأسواق.

بالنسبة للمستهلك المصري، قد تبدو الأزمة بعيدة جغرافيًا، لكنها قريبة اقتصاديًا. أي تعطيل طويل للملاحة في هذا المسار قد يرفع نفقات النقل البحري على الواردات، ويؤثر في جداول التسليم، ويزيد حساسية الأسواق تجاه السلع المستوردة والطاقة. لذلك تتابع القاهرة باهتمام بالغ تطورات باب المندب، ليس فقط كملف أمني، بل كجزء من أمنها الاقتصادي.

هل نحن أمام أزمة عابرة أم مسار طويل؟

المؤشرات الحالية لا توحي بأن التوتر سينتهي سريعًا. فالتصريحات الحوثية الأخيرة، إلى جانب بيانات الإدانة الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية، تكشف أن المنطقة لا تزال معرضة لمزيد من الهزات. كما أن عودة بعض الخطوط الملاحية إلى قناة السويس خلال 2025 لا تعني أن الثقة استقرت بالكامل؛ إذ يكفي حادث أمني كبير واحد لإعادة الحسابات التجارية إلى نقطة الصفر.

  • أمنيًا: احتمالات اتساع نطاق الاستهداف في جنوب البحر الأحمر قائمة.
  • اقتصاديًا: شركات الشحن قد تعيد تقييم المخاطر يومًا بيوم.
  • مصريًا: استقرار باب المندب يظل شرطًا مهمًا لاستعادة الحركة الكاملة عبر قناة السويس.

الخلاصة

الحديث عن الحظر الحوثي على الملاحة السعودية في باب المندب لا يتعلق فقط بمواجهة بين الحوثيين والرياض، بل بأزمة أوسع تمس أمن الطاقة والتجارة الدولية واستقرار البحر الأحمر. وبالنسبة إلى مصر، فإن حساسية الملف مضاعفة، لأن باب المندب هو البوابة الجنوبية غير المباشرة لقناة السويس. ومن هنا، يصبح أي تصعيد هناك خبرًا مصريًا بامتياز من زاوية المصالح، حتى لو كان مسرحه خارج الحدود.

في النهاية، يظل الدرس الأهم أن الجغرافيا المصرية تجعل من أمن البحر الأحمر جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي والاقتصادي. ولهذا تتجاوز أزمة باب المندب كونها عنوانًا إقليميًا عابرًا، لتصبح اختبارًا مستمرًا لقدرة المنطقة على حماية واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.