Akhbar Cairo

باسيل يثير جدلا في لبنان بموقفه من التفاوض مع إسرائيل

جدل لبناني جديد حول الاتفاق الإطاري مع إسرائيل

عاد ملف الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل إلى صدارة المشهد السياسي في بيروت بعد تصريحات لرئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل أعلن فيها تأييده مبدأ التفاوض مع إسرائيل، لكن ضمن شروط واضحة ومن دون الذهاب إلى ما وصفه خصوم هذا المسار بـ"التنازل المجاني". التصريحات جاءت في لحظة شديدة الحساسية، مع احتدام النقاش الداخلي حول مستقبل الجنوب اللبناني، ودور الدولة، وسلاح حزب الله، واحتمالات انزلاق البلاد إلى مزيد من الانقسام.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا تقتصر على السياسة اللبنانية الداخلية فقط، بل تمتد إلى صورة الاستقرار في المشرق العربي كله، خاصة أن أي تغيير في قواعد الاشتباك على الحدود اللبنانية الإسرائيلية ينعكس على أمن شرق المتوسط ومسارات الطاقة والتهدئة الإقليمية. كما أن لبنان يظل جزءا من المجال العربي الذي تتابعه القاهرة باهتمام، نظرا لارتباطه بملفات الأمن القومي العربي، والتوازنات الإقليمية، ومستقبل الدولة الوطنية في المنطقة.

ماذا قال باسيل تحديدا؟

بحسب ما نُشر عن مقابلته الأخيرة، قال باسيل إن تياره مع التفاوض مع إسرائيل كبديل عن الحرب، لكنه في الوقت نفسه اعترض على بنود تنفيذية في الاتفاق الإطاري، ورفض أي مسار يمكن أن يتحول إلى اتفاق استسلام. كما اعتبر أن الموقف الصادر من الرئيس السوري تجاه لبنان يحمل مؤشرات مشجعة من زاوية مقاربته للتدخل في الشأن اللبناني.

هذا الموقف ليس معزولا عن خط باسيل السياسي خلال الأشهر الماضية؛ إذ سبق أن طُرح في الإعلام اللبناني أن رئيس التيار الوطني الحر يربط أي تفاوض محتمل بسلة شروط تتعلق بسيادة الدولة اللبنانية، والانسحاب الإسرائيلي، وضمانات سياسية وأمنية أوسع. وفي هذا السياق، يتعامل باسيل مع التفاوض كأداة سياسية مشروطة، لا كتحول مجاني في التموضع اللبناني.

الاتفاق الإطاري.. ما الذي نعرفه عنه؟

المعطيات المنشورة خلال الأيام الأخيرة تشير إلى أن لبنان وإسرائيل وقعا اتفاقية إطارية في واشنطن يوم الجمعة 27 يونيو/حزيران 2026 بعد جولات تفاوض بوساطة أمريكية. ووفقا للتقارير المتداولة، فإن الاتفاق لا يمثل تسوية نهائية، بل يحدد مسارا تفاوضيا وخطوات عملية على الأرض، مع بقاء ملفات حساسة محل خلاف، في مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل الترتيبات الأمنية جنوب لبنان، وربط أي تقدم ميداني بمسألة سلاح حزب الله.

وإذا بدا تعبير "الاتفاق الإطاري" مألوفا للبعض من تجربة ترسيم الحدود أو مفاوضات سابقة، فإن النسخة المتداولة حاليا تثير حساسية أكبر لأنها تمس توازنات داخلية شديدة التعقيد. فجزء من الاعتراض اللبناني يركز على أن النص، كما ورد في التغطيات الصحفية، لم يتضمن جدولا زمنيا واضحا للانسحاب الإسرائيلي، ولم يحسم بشكل صريح بعض الضمانات التي يراها الرافضون ضرورية قبل القبول بأي مسار سياسي جديد.

لماذا يثير الملف مخاوف من حرب أهلية؟

التحذير من الحرب الأهلية لا يأتي من فراغ في الحالة اللبنانية. تقارير إعلامية حديثة تحدثت عن مخاوف متزايدة من أن يتحول الاتفاق الإطاري إلى أداة صراع داخلي، خصوصا إذا فُسّر على أنه محاولة لفرض مسار نزع سلاح حزب الله بالقوة أو تحت ضغط دولي وإسرائيلي. هذا الاحتمال كفيل بإعادة إنتاج خطوط الانقسام القديمة بين مؤيدي منطق الدولة المركزية الحصرية، وبين من يعتبرون أن سلاح الحزب جزء من معادلة الردع ضد إسرائيل.

الخشية هنا أن يتحول الخلاف من جدل سياسي مشروع إلى تعبئة طائفية وحزبية، وهو ما حذرت منه أصوات لبنانية عدة دعت إلى وقف التحريض ومنع استخدام الشارع وقودا لصراعات القوى السياسية. وفي بلد يحمل ذاكرة الحرب الأهلية بين 1975 و1990، لا تحتاج لغة الانقسام إلى كثير من الوقت كي تنتج توترات أمنية ومناطقية واسعة.

الجنوب اللبناني والخط الأزرق.. جوهر الأزمة

لفهم خلفية الجدل، لا بد من التوقف عند الوضع الميداني في الجنوب اللبناني. فالأمم المتحدة تؤكد أن الخط الأزرق الذي حُدد عام 2000 هو خط انسحاب وليس حدودا دولية نهائية بين لبنان وإسرائيل. كما أن مهمة اليونيفيل ترتبط بدعم الاستقرار في جنوب لبنان ومساندة الجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701، الذي ينص على أن تكون المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي مسلحين أو أسلحة أو عتاد غير تابعين للدولة اللبنانية أو لقوات اليونيفيل.

هذه الصيغة القانونية والأمنية تجعل أي اتفاق جديد شديد الحساسية، لأن تطبيقه لا يقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل يمتد إلى انتشار الجيش اللبناني، وآليات المراقبة، وحرية الحركة على الأرض، وتعريف الانتهاكات، وحدود الدور الإسرائيلي. ولهذا تحديدا، فإن اعتراضات باسيل على "البنود التنفيذية" تبدو مرتبطة بما قد يترتب ميدانيا على النص أكثر من ارتباطها بمبدأ التفاوض نفسه. وهذا استنتاج تدعمه تغطيات الملف، حتى إن لم تُنشر كل التفاصيل الرسمية كاملة حتى الآن.

باسيل بين البراغماتية والتموضع الداخلي

سياسيا، يسعى جبران باسيل إلى تقديم نفسه باعتباره طرفا لا يرفض التفاوض من حيث المبدأ، لكنه أيضا لا يريد الظهور بمظهر المتساهل في قضايا السيادة. وباسيل، المولود في 21 يونيو/حزيران 1970، يتزعم التيار الوطني الحر منذ 2015، ويقود أحد أبرز التيارات المسيحية في لبنان. هذا الموقع يجعله حريصا على مخاطبة جمهور واسع داخل البيئة المسيحية واللبنانية عموما، عبر الجمع بين خطاب الدولة وخطاب التوازنات الداخلية.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل مواقفه عن سعيه إلى استعادة موقع مؤثر في معادلة السلطة اللبنانية، خصوصا في ظل إعادة فرز التحالفات بعد الحرب والتصعيد على الجبهة الجنوبية. لذلك فإن لهجته الحالية تبدو محاولة لاحتلال مساحة وسطية: لا انخراط كامل في رفض التفاوض، ولا قبول مفتوح بأي تسوية لا تتضمن مقابلا لبنانيا واضحا.

كيف يقرأ المصريون هذا المشهد؟

في المتابعة المصرية، تبدو القضية أبعد من خلاف لبناني داخلي. فكل ما يتصل بلبنان اليوم يرتبط بأسئلة أكبر حول مستقبل الدولة الوطنية العربية، وحدود أدوار الفاعلين غير الرسميين، وإمكانات التسويات السياسية مع استمرار التهديدات العسكرية. من هنا، فإن الجدل الذي أثارته تصريحات باسيل يعكس أزمة بنيوية في لبنان: كيف يمكن الوصول إلى تهدئة أو تسوية من دون أن تتحول إلى انفجار داخلي جديد؟

الجواب لا يزال معلقا. لكن المؤكد أن أي مسار تفاوضي لن ينجح إذا افتقد غطاء لبنانيا عابرا للطوائف، وضمانات واضحة للسيادة، وجدولا قابلا للتحقق لخفض التصعيد والانسحاب، وآلية تمنع استخدام الملف لتصفية الحسابات الداخلية. وفي غياب ذلك، سيظل الاتفاق الإطاري عنوانا مثيرا للانقسام، لا بوابة مستقرة للحل.

خلاصة المشهد

تصريحات جبران باسيل فتحت الباب أمام نقاش لبناني واسع بشأن التفاوض المشروط مع إسرائيل، وكشفت في الوقت نفسه هشاشة التوازنات الداخلية في بلد لم يتعاف تماما من أزماته السياسية والأمنية. وبين من يرى في الاتفاق الإطاري فرصة لوقف الحرب واستعادة دور الدولة، ومن يعتبره مدخلا إلى تنازلات خطيرة أو صدام داخلي، يبقى لبنان أمام اختبار بالغ الصعوبة: هل يستطيع تحويل التفاوض إلى أداة لحماية الدولة، أم ينزلق مرة أخرى إلى منطق الاستقطاب الذي خبر كلفته جيدا؟