Akhbar Cairo

باكستان تدفع لإحياء مسار التفاوض بين واشنطن وطهران

تحرك باكستاني لإعادة فتح القناة بين واشنطن وطهران

تسعى باكستان في الوقت الحالي إلى إعادة تنشيط مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، بعد تعثر المحادثات الفنية وعودة التوترات الميدانية في الإقليم. ووفق البيانات الرسمية الصادرة من وزارة الخارجية الباكستانية خلال يوليو 2026، فإن إسلام آباد لا تزال تتمسك بخيار الحوار والدبلوماسية باعتباره الطريق الوحيد القابل للاستمرار، وتؤكد أن الصيغة التي جرى التوصل إليها سابقًا لا تزال تمثل قاعدة ممكنة للعودة إلى المفاوضات.

أهمية هذا التحرك لا تتوقف عند طرفي الأزمة فقط، بل تمتد إلى عموم الشرق الأوسط، بما في ذلك الدول العربية المطلة على الخليج والبحر الأحمر. بالنسبة للقارئ المصري، فإن أي تقدم أو انتكاس في هذا الملف ينعكس مباشرة على أمن الملاحة، وأسعار الطاقة، ومستوى الاستقرار الإقليمي الذي يتداخل مع أزمات غزة ولبنان والبحر الأحمر.

ما الذي تقوله باكستان رسميًا؟

وزارة الخارجية الباكستانية أوضحت في إفادة صحفية يوم 16 يوليو 2026 أن تنفيذ التفاهمات السابقة يواجه صعوبات، لكنها شددت على استمرارها في تشجيع جميع الأطراف على وقف العنف والعودة إلى المحادثات على المستوى الفني. كما أعادت التأكيد على أن مذكرة تفاهم إسلام آباد وما تبعها من بيان مشترك باكستاني-قطري في 22 يونيو 2026 يقدمان خريطة طريق قابلة للتطبيق إذا قررت الأطراف استئناف المسار التفاوضي.

وفي إفادة أخرى نُشرت يوم 23 يوليو 2026، تحدثت الخارجية الباكستانية عن استمرار اتصالاتها السياسية والدبلوماسية لدعم التهدئة، مؤكدة أنها لم تفقد الأمل في إنقاذ مسار الحوار رغم قتامة المشهد الميداني. كما امتنعت عن كشف تفاصيل مقترحات متداولة بشأن هدن مؤقتة، لكنها تمسكت علنًا بضرورة العودة إلى التفاهمات السابقة بدل البحث عن مسار جديد بالكامل.

دور إسحاق دار والقيادة الباكستانية

يتصدر وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء الباكستاني محمد إسحاق دار هذا التحرك السياسي، إلى جانب رئيس الوزراء شهباز شريف. الوثائق الرسمية الباكستانية تظهر أن إسلام آباد استضافت جولات سابقة من الاتصالات، ووفرت تسهيلات لوجستية وإدارية مرتبطة بالمحادثات، كما شاركت مع قطر في جهود الوساطة والمتابعة خلال الأسابيع الماضية.

وفي 3 يوليو 2026، قال المندوب الباكستاني الدائم لدى الأمم المتحدة عاصم افتخار أحمد إن بلاده كثفت تواصلها مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية لتسهيل متابعة تنفيذ التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرًا إلى لقاءات منفصلة عُقدت في الدوحة مع المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين، وأن مناقشات أخرى يفترض أن تُستكمل في أقرب وقت.

كيف بدأ هذا المسار؟

بحسب البيانات الرسمية الباكستانية، شهدت الأشهر الماضية انتقال الاتصالات من مرحلة الاستضافة السياسية إلى إطار أكثر تنظيمًا. ففي 17 يونيو 2026 جرى توقيع مذكرة تفاهم في إسلام آباد بين الجانبين الأمريكي والإيراني، ثم أعلنت الخارجية الباكستانية في 20 يونيو 2026 عن عقد محادثات فنية في بورغنشتوك بسويسرا بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب باكستان وقطر بصفتهما وسيطين.

كما أشارت باكستان في بيان تمهيدي صدر في 21 يونيو 2026 إلى أن هذه الجولة مثلت أول انخراط رسمي بعد توقيع مذكرة إسلام آباد، وأن دورها يقوم على دعم تنفيذ ما تم التوصل إليه. وبعدها بيوم، تحدثت وسائل إعلام رسمية باكستانية عن انتهاء أول جلسة من المحادثات رفيعة المستوى في سويسرا، مع اتفاق على آليات متابعة سياسية ومجموعات عمل تتناول الملف النووي والعقوبات وآليات المراقبة وتسوية النزاعات، إضافة إلى خط اتصال لتفادي سوء التقدير وتأمين مرور السفن التجارية عبر مضيق هرمز.

لماذا تعثر المسار الآن؟

رغم هذا التقدم، تعرض المسار لهزات واضحة. الخارجية الباكستانية أقرت في يوليو بأن تنفيذ التفاهمات يواجه تحديات، بينما سبقت ذلك بيانات رسمية صدرت في 28 فبراير 2026 عبّرت فيها إسلام آباد عن أسفها لانهيار المحادثات واندلاع أعمال قتالية في الشرق الأوسط، مع الدعوة إلى ضبط النفس والعودة إلى الحل السياسي.

المؤشر الأوضح على التعثر جاء أيضًا في بيان باكستاني صدر في 12 مايو 2026 ردا على تقارير إعلامية، إذ أوضحت الخارجية أن المفاوضات الرسمية لم تُستأنف بعد، لكنها أكدت استمرار الاتصالات الدبلوماسية رفيعة المستوى. هذا يعني أن قنوات التواصل لم تُغلق تمامًا، لكن الانتقال من التفاهمات العامة إلى تفاوض فعلي قابل للتنفيذ ما زال يواجه عقبات.

البعد العربي: لماذا يهم هذا التطور المنطقة؟

أي انفراجة بين واشنطن وطهران تحمل انعكاسات مباشرة على الإقليم العربي، خاصة في الخليج وبلاد الشام والبحر الأحمر. فمن الناحية العملية، يرتبط الملف بخفض احتمالات التصعيد العسكري، وتأمين خطوط الملاحة، والحد من المخاطر التي تهدد التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. ولهذا تنظر عواصم عربية عدة إلى استئناف المحادثات باعتباره عنصرًا مساعدًا على تبريد أزمات متداخلة.

وفي هذا السياق، رحبت مصر رسميًا يوم 18 يونيو 2026 بتوقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وأعربت عن تقديرها للجهود التي بذلتها باكستان وقطر إلى جانب شركاء إقليميين آخرين. كما أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في 12 يونيو 2026 اتصالات مع نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار، وكذلك مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لبحث تطورات التفاوض وفرص الوصول إلى اتفاق يخفف التوترات.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

من منظور مصري، فإن تهدئة الصدام الأمريكي الإيراني ليست ملفًا بعيدًا. استقرار الخليج ومضيق هرمز ينعكس على أسواق النفط والشحن العالمية، فيما يؤثر أمن البحر الأحمر على حركة التجارة وقناة السويس. لذلك فإن أي خطوة تعيد الأطراف إلى طاولة التفاوض تمثل خبرًا مهمًا ضمن تغطية العالم العربي، حتى لو جرت الوساطة خارج الإطار العربي المباشر.

هل تملك باكستان فرصة حقيقية للنجاح؟

المعطيات المتاحة تشير إلى أن باكستان ما زالت تعتبر نفسها مُيسّرًا مقبولًا لدى الطرفين، لا سيما بعد استضافة جولات سابقة وتنسيقها مع قطر. كما أن استمرار الاتصالات، حتى مع توقف التفاوض الرسمي، يمنحها هامشًا للتحرك. لكن نجاحها يظل مشروطًا بوجود قرار سياسي من واشنطن وطهران بالعودة إلى المسار الفني وتجميد منطق التصعيد.

الأرجح في المدى القريب أن تركز إسلام آباد على حماية ما تحقق بالفعل: الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، والدفع نحو استكمال الاجتماعات الفنية التي توقفت. وإذا نجحت هذه المقاربة، فقد تعود المفاوضات تدريجيًا من بوابة الإجراءات العملية، لا عبر إعلانات سياسية كبرى.

خلاصة المشهد

باكستان تحاول اليوم إنقاذ مسار تفاوضي متعثر بين الولايات المتحدة وإيران، مستندة إلى تفاهمات جرى بناؤها خلال يونيو 2026 وإلى تنسيق وثيق مع قطر. ورغم أن الصورة ما زالت ضبابية، فإن المؤكد أن إسلام آباد تواصل تحركها لمنع انهيار القناة الدبلوماسية بالكامل. بالنسبة للمنطقة العربية، يظل هذا المسار واحدًا من الملفات القليلة القادرة على تخفيف الاحتقان إذا عاد إلى الحياة، خصوصًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتشابك فيها السياسة بالأمن والطاقة والملاحة.

  • أبرز الأسماء: محمد إسحاق دار، شهباز شريف، عباس عراقجي، بدر عبد العاطي.
  • أهم التواريخ: 17 يونيو 2026 توقيع مذكرة إسلام آباد، 20 و21 يونيو 2026 محادثات سويسرا، 16 و23 يوليو 2026 إفادتان باكستانيتان حول استمرار الدفع لاستئناف المسار.
  • نقطة الارتكاز: العودة إلى التفاوض الفني كمدخل لخفض التصعيد الإقليمي.