بدر عبد العاطي: القدس تختبر جدية العالم بين السلام والتصعيد
القدس في قلب اختبار إقليمي جديد
حين يتحدث الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، عن أن المنطقة تقف أمام خيارين لا ثالث لهما، السلام أو التصعيد، فالأمر لا يُقرأ باعتباره توصيفاً خطابياً فقط، بل باعتباره تلخيصاً مكثفاً للحظة سياسية شديدة الحساسية. فالقضية لم تعد تخص غزة وحدها، ولا الضفة الغربية وحدها، بل باتت تمتد إلى القدس باعتبارها نقطة الاشتباك الأخطر في الصراع، والاختبار الأكثر حساسية لقدرة النظام الدولي على فرض الحد الأدنى من احترام القانون الدولي.
الرسالة المصرية جاءت في سياق الجلسة الافتتاحية لاجتماع اللجنة الوزارية العربية المكلفة بالتحرك الدولي لمواجهة السياسات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في مدينة القدس المحتلة، وهي لجنة تعمل برئاسة المملكة الأردنية الهاشمية، في إطار عربي يسعى إلى نقل ملف القدس من دائرة الإدانة اللفظية إلى مساحة ضغط سياسي وقانوني ودبلوماسي أكثر تنظيماً. كما أكدت مصادر مصرية رسمية في الأسابيع الأخيرة أن القاهرة تواصل الدفع في كل المحافل باتجاه تثبيت الحقوق الفلسطينية ورفض أي محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض.
ماذا تقول القاهرة فعلياً؟
الموقف المصري في هذا الملف يبدو ثابتاً في خطوطه الرئيسية: رفض التهجير، رفض التوسع الاستيطاني، رفض المساس بالمقدسات، واعتبار أن أي تهدئة مستدامة لا يمكن أن تقوم من دون أفق سياسي ينتهي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. هذا ليس مجرد شعار دبلوماسي تكرره القاهرة، بل محور حاضر بانتظام في كلمات الوزير وتحركاته واجتماعاته مع الأطراف العربية والأوروبية والأممية.
وفي 19 يوليو 2026، استقبل عبد العاطي وفداً من لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، على هامش مؤتمر القدس المنعقد في القاهرة بتنظيم مشترك بين الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي. وخلال اللقاء شدد على استمرار الجهد المصري دعماً للقضية الفلسطينية، وأدان الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية، بما في ذلك الاستيطان ومصادرة الأراضي والانتهاكات المتكررة بحق المقدسات الدينية، مع التشديد على رفض تصفية القضية أو تهجير الفلسطينيين من أرضهم. وهذه الخلفية تفسر بوضوح لهجة التحذير في خطاب “إما السلام أو التصعيد”.
لماذا تبدو القدس عنواناً مركزياً الآن؟
في القراءة المصرية والعربية، لا يمكن فصل ما يجري في القدس عن مسار الحرب في غزة، ولا عن التوترات المتصاعدة في الضفة الغربية. فالإجراءات الأحادية المتعلقة بالأرض والمقدسات والوجود الفلسطيني داخل المدينة تخلق واقعاً ميدانياً يصعب التراجع عنه لاحقاً، وتدفع أي تسوية سياسية مستقبلية نحو مزيد من التعقيد. لذلك، فإن التحرك بشأن القدس ليس تفصيلاً جانبياً، بل جزء من معركة أوسع على تعريف الحل نفسه: هل يبقى حل الدولتين قابلاً للحياة، أم يجري تقويضه تدريجياً على الأرض؟
ومن زاوية مصرية، تمثل القدس أيضاً ملفاً شديد الصلة بالأمن الإقليمي. فكلما تصاعدت الانتهاكات في المدينة أو اتسعت الاقتحامات والإجراءات الأحادية، ارتفعت احتمالات انتقال التوتر إلى ساحات أخرى، سواء في الضفة أو على مستوى الإقليم ككل. ولهذا تحرص القاهرة على ربط حماية القدس بضرورة خفض التصعيد العام، لا باعتبارها قضية رمزية فحسب، بل كعنصر مباشر في حسابات الاستقرار الإقليمي.
بين التحرك العربي وحدود النظام الدولي
السؤال الأهم هنا ليس ما إذا كانت المواقف العربية واضحة؛ فهي واضحة إلى حد بعيد. السؤال الحقيقي هو: هل يملك هذا التحرك أدوات تأثير كافية؟ اللجنة الوزارية العربية، ومعها اللجنة العربية الإسلامية بشأن غزة، تحاولان خلال 2026 توسيع نطاق الاتصالات الدولية، وحشد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والضغط من أجل وقف الحرب وإنفاذ المساعدات، إلى جانب مواجهة الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. مصر كانت حاضرة بوضوح في هذا المسار، سواء عبر اتصالات الوزير مع نظرائه العرب، أو عبر المشاركة في الاجتماعات الدولية الخاصة بفلسطين وتنفيذ حل الدولتين.
لكن المعضلة تبقى في الفجوة بين الشرعية الدولية وآليات إنفاذها. فالقاهرة، كما يظهر في أكثر من بيان رسمي، تواصل مطالبة المجتمع الدولي والقوى المؤثرة بتحمل مسؤولياتها، لأن استمرار الاكتفاء بالإدانة يمنح الوقائع الميدانية وقتاً إضافياً للتجذر. وهنا يصبح خطاب عبد العاطي أقرب إلى إنذار سياسي: إذا لم يتحول الإجماع النظري على حل الدولتين إلى إجراءات عملية، فإن المنطقة ستبقى أسيرة دوامة انفجار متكرر.
ما الذي تريده مصر من اللحظة الراهنة؟
التحركات المصرية تكشف عن ثلاثة أهداف مترابطة. الأول هو وقف التصعيد الفوري ومنع انتقال التوتر إلى مستويات إقليمية أوسع. الثاني هو حماية البنية السياسية للقضية الفلسطينية من خلال منع التهجير ورفض الإجراءات التي تستهدف تغيير الوضع القانوني والديموغرافي، خصوصاً في القدس. أما الثالث فهو إحياء المسار السياسي على أساس حل الدولتين، باعتباره الإطار الوحيد الذي تراه القاهرة قابلاً لتوليد استقرار مستدام.
وهذا يفسر كذلك انخراط القاهرة في مسارات متوازية: وساطة لوقف إطلاق النار، دفع لإدخال المساعدات، تنسيق عربي وإسلامي، واتصالات مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، تؤكد وزارة الخارجية المصرية (@egyptmfa على إنستغرام) عبر بياناتها المتتابعة أن الموقف الرسمي لا يفصل بين الإغاثة العاجلة والمسار السياسي، لأن إدارة الأزمة إنسانياً فقط من دون معالجة أصلها تعني ببساطة تأجيل الانفجار التالي.
قراءة في دلالة عبارة «إما السلام أو التصعيد»
سياسياً، تختصر هذه العبارة تحولاً في طبيعة الخطاب الدبلوماسي المصري من مجرد التأكيد على الثوابت إلى محاولة رسم تكلفة البديل. فالمقصود ليس فقط أن السلام خيار أفضل أخلاقياً، بل أن غيابه بات أكثر كلفة على الجميع: على الفلسطينيين أولاً، وعلى استقرار الجوار العربي، وعلى أمن الملاحة والاقتصاد الإقليمي، بل وعلى صدقية المؤسسات الدولية نفسها. من هذه الزاوية، تتجاوز العبارة بعدها البلاغي لتصبح تشخيصاً استراتيجياً لمشهد الشرق الأوسط في 2026.
كما أن استخدام القدس بوصفها محوراً للاجتماع يمنح التحذير وزناً إضافياً. فالمدينة ليست فقط رمزاً سياسياً ودينياً، بل هي أيضاً مقياس لجدية أي حديث عن التسوية. وإذا استمرت محاولات فرض واقع جديد فيها، فإن الحديث عن دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة سيفقد معناه تدريجياً. ولهذا تبدو الرسالة المصرية موجهة إلى العواصم الكبرى بقدر ما هي موجهة إلى الرأي العام العربي: لا يمكن فصل السلم الإقليمي عن العدالة في فلسطين، ولا يمكن اختصار الاستقرار في ترتيبات أمنية مؤقتة.
خلاصة الرؤية
في النهاية، لا يقدم خطاب بدر عبد العاطي حلاً سحرياً، لكنه يضع النقاش في مكانه الصحيح: المنطقة لا تعاني فقط من نقص التهدئة، بل من غياب القرار السياسي الدولي القادر على حماية أسس السلام العادل. وبينما تواصل مصر تحركاتها عربياً ودولياً، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الزخم إلى مواقف ملزمة توقف الإجراءات الأحادية، وتحفظ وضع القدس، وتعيد الاعتبار إلى حل الدولتين قبل أن يصبح الحديث عنه أثراً من الماضي. بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه ليست قضية خارجية بعيدة، بل ملفاً يمس مباشرة صورة الإقليم الذي يعيش فيه، وحدود أمنه، وشكل المستقبل الذي يتكوّن الآن على مرأى من الجميع.
أبرز النقاط في المشهد الحالي
- مصر تكرر أن التسوية الدائمة تبدأ بوقف التصعيد ورفض التهجير وحماية القدس.
- القدس تُطرح كعنوان مركزي في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية وتغيير الوقائع على الأرض.
- حل الدولتين يبقى، وفق الرؤية المصرية، الإطار الوحيد القابل لإنتاج سلام مستدام.
- التحرك العربي نشط دبلوماسياً، لكن فعاليته مرهونة بمدى استجابة القوى الدولية وقدرتها على الإنفاذ.