بدر عبد العاطي: مصر تريد موقعًا مؤثرًا في هندسة الإقليم
ماذا تعني تصريحات بدر عبد العاطي عن «الصوت المصري» في الترتيبات الإقليمية؟
تكشف تصريحات الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، عن جوهر التحرك المصري في واحدة من أكثر اللحظات سيولة في الشرق الأوسط: لحظة إعادة توزيع الأوزان، لا مجرد إدارة الأزمات. فحين يتحدث الوزير عن السعي لأن يكون لمصر صوت مسموع في الترتيبات الإقليمية الجاري النقاش حولها، فهو لا يكرر عبارة دبلوماسية مألوفة، بل يضع عنوانًا واضحًا لمعركة النفوذ السياسي التي تدور بالتوازي مع الحرب والتهدئة والمفاوضات في ملفات غزة والبحر الأحمر والسودان وأمن الإقليم العربي.
أهمية هذه الرسالة تتضاعف لأنها جاءت بعد القمة العربية غير العادية التي استضافتها القاهرة في 4 مارس 2025 لبحث تطورات القضية الفلسطينية، وهي القمة التي انتهت إلى اعتماد الخطة المصرية للتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، مع تأكيد عربي صريح على رفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم تحت أي مسمى. من هنا، تبدو تصريحات عبد العاطي امتدادًا سياسيًا طبيعيًا لنتائج القمة، ومحاولة لتثبيت ترجمتها في مسار أوسع يتعلق بشكل النظام الإقليمي نفسه.
القاهرة لا تريد دورًا رمزيًا
في القراءة المصرية، لا يكفي أن تُستدعى العواصم العربية إلى طاولة النقاش بعد أن تُصاغ التفاهمات في أماكن أخرى. ولذلك يبرز في خطاب وزارة الخارجية المصرية خلال 2025 إصرار واضح على أن تكون الدول العربية، ودول الخليج، والدول الإقليمية الرئيسية وفي مقدمتها مصر، جزءًا أصيلًا من أي ترتيبات تخص أمن المنطقة ومستقبلها.
هذا الموقف لا ينفصل عن تقليد راسخ في السياسة الخارجية المصرية يقوم على أن الأمن الإقليمي لا يُدار من خارج الإقليم، وأن استقرار الشرق الأوسط والبحر الأحمر وشرق المتوسط يرتبط بمشاركة الدول المعنية مباشرة في صناعة القرار. ولعل هذا ما يفسر أيضًا المواقف المصرية المتكررة بشأن أمن البحر الأحمر، حيث شددت القاهرة في مارس 2025، خلال لقاء جمع عبد العاطي بنظيره الإريتري عثمان صالح، على رفض تدخل الدول غير المشاطئة في أمن البحر الأحمر وحوكمته.
القمة العربية 2025: من رد الفعل إلى محاولة بناء إطار عربي
اللافت في توصيف عبد العاطي للقمة العربية في مارس 2025 أنها لم تُقدَّم فقط كاجتماع طارئ للتعامل مع حرب غزة، بل باعتبارها محطة لـلمّ الشمل العربي وإعادة وضع «لبنات جديدة» لنظام إقليمي عربي. هذه العبارة تستحق التوقف؛ لأنها تعني أن القاهرة ترى في القمة أكثر من مناسبة تضامنية، بل فرصة لإحياء قدرة العرب على الفعل الجماعي، ولو بالحد الأدنى.
وقد دعمت الوقائع هذا التوصيف إلى حد بعيد. فالبيان الختامي للقمة التي انعقدت في القاهرة أكد رفض التهجير القسري للفلسطينيين، واعتمد الخطة المصرية لإعادة إعمار غزة باعتبارها خطة عربية جامعة، مع الدعوة إلى توفير الدعم المالي والمادي والسياسي اللازم لتنفيذها. وبعد القمة بأيام، واصل وزير الخارجية المصري التحرك مع أطراف عربية ودولية لحشد التأييد للخطة، كما عرضها في اتصالات مع مسؤولين عرب ودوليين، بينهم المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وكذلك في اجتماعات وزارية عربية وإسلامية.
لماذا تصر مصر على «الصوت المسموع» الآن؟
الإجابة ترتبط بطبيعة المرحلة. فالمنطقة لا تواجه أزمة منفردة، بل سلسلة أزمات متداخلة: حرب غزة وتداعياتها، التوترات في البحر الأحمر، الحرب في السودان، هشاشة الوضع في بعض دول الجوار، ومحاولات قوى دولية وإقليمية إعادة رسم خرائط النفوذ. في مثل هذا السياق، تدرك القاهرة أن الغياب عن لحظة التأسيس أخطر من الخلاف على تفاصيل الترتيبات نفسها.
من منظور مصري، القضية ليست منافسة بروتوكولية على الحضور، بل دفاع عن مصالح مباشرة:
- الأمن القومي المصري المرتبط بحدود الدولة ومحيطها العربي والإفريقي.
- القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا يمس الأمن والاستقرار في المنطقة ويؤثر في الداخل المصري والإقليمي.
- أمن البحر الأحمر بوصفه شريانًا استراتيجيًا للتجارة والطاقة وحركة الملاحة.
- منع تهميش الدور العربي في صفقات كبرى قد تُصاغ وفق أولويات غير عربية.
لهذا، فإن حديث عبد العاطي عن «صوت مسموع» لا يعني مجرد إبداء الرأي، بل المشاركة في صياغة القواعد التي ستحكم المرحلة التالية.
غزة بوابة الدور المصري الأوسع
يصعب فصل هذه التصريحات عن ملف غزة تحديدًا. فمصر لم تتحرك فقط باعتبارها وسيطًا تقليديًا في التهدئة، بل كصاحبة تصور سياسي وعملي لليوم التالي. والخطة التي تبنتها القمة العربية في القاهرة ركزت على التعافي المبكر وإعادة الإعمار من دون تهجير السكان، وهي نقطة مركزية في المقاربة المصرية.
كما أظهرت التحركات اللاحقة أن القاهرة تحاول نقل هذا الإجماع العربي إلى الساحة الدولية، سواء عبر الاتصالات مع الاتحاد الأوروبي، أو عبر اللقاءات العربية مع المسؤولين الأمريكيين، أو من خلال التنسيق مع الحكومة الفلسطينية والأمم المتحدة بشأن مؤتمر لإعادة الإعمار. هنا يصبح الدور المصري أكبر من مجرد استضافة قمة؛ إنه سعي لتحويل الموقف العربي من رد فعل إلى مشروع سياسي قابل للتفاوض والدفاع عنه.
بين الطموح والقيود
لكن التحليل الواقعي يقتضي الاعتراف بأن الطريق ليس سهلًا. فالإقليم مزدحم بالفاعلين، من قوى دولية كبرى إلى أطراف إقليمية تنافس على النفوذ، كما أن النظام العربي نفسه يعاني تفاوتًا في الأولويات والقدرة على التحرك الجماعي. لذلك، فإن ترجمة شعار «الصوت المصري المسموع» إلى نفوذ فعلي ستعتمد على عدة عوامل:
- قدرة القاهرة على الحفاظ على التوافق العربي حول الملفات الكبرى، خصوصًا فلسطين.
- نجاحها في تقديم بدائل عملية، لا الاكتفاء بالمواقف المعلنة.
- الاستمرار في الجمع بين الدبلوماسية السياسية والوزن الجيوستراتيجي لمصر.
- إدارة التوازنات مع الشركاء الدوليين من دون التفريط في الثوابت المصرية.
وربما يفسر ذلك حرص الخارجية المصرية خلال الأشهر التالية للقمة على تكثيف الاتصالات مع عواصم عربية وغربية، وتوسيع النقاش من غزة إلى ملفات الاستقرار الإقليمي، بما فيها سوريا والبحر الأحمر والسودان.
خلاصة المشهد
في النهاية، يمكن قراءة تصريحات بدر عبد العاطي باعتبارها إعلانًا مكثفًا عن العقيدة الدبلوماسية المصرية في هذه اللحظة: لا قبول بترتيبات تخص المنطقة من دون حضور عربي مؤثر، ولا استعداد لترك القضايا المصيرية رهينة رؤى خارجية منفصلة عن مصالح شعوب الإقليم. والقاهرة، التي استضافت القمة العربية غير العادية في مارس 2025، تحاول أن تقول إن دورها لا يبدأ من الوساطة فقط، بل يمتد إلى المشاركة في هندسة التوازنات الجديدة.
هذا هو المعنى الأعمق لعبارة «صوت مسموع». فهي، في الحسابات المصرية، ليست مطلبًا شكليًا، بل عنوانًا لمعركة سياسية على مكانة مصر داخل الإقليم، وعلى بقاء القرار العربي حاضرًا في لحظة تتشكل فيها خرائط ما بعد الحرب، وما بعد الصدمة، وربما ما بعد النظام الإقليمي القديم نفسه.