بدر عبد العاطي يشرح من مانيلا ثوابت سياسة مصر الخارجية
وزير الخارجية يعرض رؤية مصر من مانيلا
في تحرك دبلوماسي يعكس اتساع دوائر السياسة الخارجية المصرية، ألقى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، محاضرة في جامعة الفلبين تناول خلالها الأسس الحاكمة لتحرك القاهرة خارجيًا، إلى جانب تقييم مصر لأبرز الملفات الإقليمية والدولية. وجاءت المحاضرة على هامش زيارته إلى مانيلا للمشاركة في الاجتماع الوزاري لرابطة دول جنوب شرق آسيا الآسيان، وهي زيارة تحمل بعدين متوازيين: سياسي يرتبط بالتشاور حول أزمات المنطقة، واقتصادي يستهدف توسيع التعاون مع الأسواق الآسيوية الصاعدة.
وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية، فإن الوزير ركز في حديثه على كيفية تعامل مصر مع بيئة دولية شديدة التعقيد، في ظل استمرار أزمات الشرق الأوسط وتزايد أهمية آسيا في التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد. كما شدد على أن انخراط القاهرة في اجتماعات الآسيان لا ينفصل عن توجه أوسع لتنويع الشراكات الدولية ورفع مستوى التنسيق مع القوى الاقتصادية المؤثرة في آسيا والمحيط الهادئ.
لماذا تمثل زيارة مانيلا أهمية لمصر؟
الزيارة لا تُقرأ فقط في إطار المشاركة البروتوكولية في فعالية متعددة الأطراف، بل باعتبارها جزءًا من إعادة تموضع دبلوماسي مصري يمنح آسيا مساحة أكبر في أولويات التحرك الخارجي. وزارة الخارجية كانت قد أعلنت قبل التوجه إلى الفلبين أن عبد العاطي غادر يوم 21 يوليو 2026 إلى مانيلا للمشاركة في الاجتماع الوزاري للآسيان، مع برنامج يتضمن لقاءات مع مسؤولين فلبينيين ووزراء خارجية من الدول المشاركة، إلى جانب اجتماعات مع ممثلي شركات ورجال أعمال فلبينيين لبحث فرص الاستثمار والتجارة.
هذا المسار ينسجم مع الخطاب الذي قدمه الوزير في الجامعة، حيث أبرز اهتمام مصر بتعزيز الشراكات الاقتصادية مع الدول الآسيوية، خاصة في ضوء الثقل المتنامي للقارة في الاقتصاد العالمي. ومن منظور مصري، فإن بناء علاقات أكثر عمقًا مع جنوب شرق آسيا يفتح مجالات للتعاون في التجارة، والتصنيع، والاستثمار، والخدمات اللوجستية، وربط الأسواق الآسيوية بالفرص المتاحة في مصر، وعلى رأسها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ثوابت السياسة الخارجية المصرية في الملفات الساخنة
الشق الأهم في المحاضرة تمثل في استعراض القاهرة لمواقفها من الأزمات الإقليمية والدولية الراهنة. ووفقًا للمواقف الرسمية المتكررة الصادرة عن وزارة الخارجية خلال الأسابيع الأخيرة، تواصل مصر التأكيد على أولوية خفض التصعيد ودعم الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الدول الوطنية ومؤسساتها.
القضية الفلسطينية وغزة
في مقدمة هذه الملفات، حضرت القضية الفلسطينية بوصفها محورًا ثابتًا في التحرك المصري. وخلال لقاءات وبيانات رسمية سابقة للوزارة، شدد عبد العاطي على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، ورفض أي ترتيبات تقوض حل الدولتين. كما أكدت القاهرة أهمية النفاذ الكامل والسريع للمساعدات الإنسانية، مع طرح تصورات مرتبطة بتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى مراحل التعافي وإعادة الإعمار.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه الرسائل تعكس استمرار الدور الذي تسعى القاهرة إلى لعبه باعتبارها طرفًا رئيسيًا في جهود التهدئة وفتح المسارات السياسية والإنسانية، لا سيما أن التطورات في غزة ترتبط مباشرة بحسابات الأمن القومي المصري وباستقرار الإقليم ككل.
السودان وليبيا والقرن الأفريقي
كما تطرقت الرؤية المصرية، وفق ما أظهرته تحركات الوزير الأخيرة، إلى الأزمة السودانية، مع تمسك واضح بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ورفض أي كيانات موازية، إلى جانب الدعوة إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف مستدام لإطلاق النار واستئناف العملية السياسية. وفي الملف الليبي، تواصل القاهرة دعم الحفاظ على وحدة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها الوطنية ودفع العملية السياسية وصولًا إلى الانتخابات.
أما على مستوى القرن الأفريقي، فتتعامل مصر مع هذا المحيط باعتباره مجالًا وثيق الصلة بمصالحها الاستراتيجية، سواء من زاوية أمن البحر الأحمر أو استقرار الجوار الإقليمي، وهو ما يفسر الحرص على إبقاء هذا الملف حاضرًا في المشاورات الدبلوماسية المتعددة التي يجريها وزير الخارجية.
التطورات الدولية وخفض التوتر
وفي الملفات الدولية الأوسع، تبنت القاهرة في بياناتها الأخيرة خطابًا قائمًا على تشجيع التهدئة والرهان على المسارات الدبلوماسية. وقد رحب عبد العاطي في اتصالات ولقاءات رسمية سابقة بالتفاهمات التي من شأنها خفض التوترات في المنطقة، معتبرًا أن أي تقدم تفاوضي يمكن أن يساهم في تجنيب الشرق الأوسط موجات جديدة من التصعيد وعدم الاستقرار.
جامعة الفلبين كمنصة للرسائل السياسية
اختيار جامعة الفلبين لإلقاء هذه المحاضرة يضيف بعدًا مهمًا للزيارة. فالجامعات الكبرى ليست فقط ساحات أكاديمية، بل منصات مؤثرة في تشكيل النقاش العام والنخب المستقبلية. كما أن الجامعة نفسها شهدت مؤخرًا اتصالات مع السفارة المصرية في مانيلا لبحث فرص تعاون أكاديمي ومؤسسي، ما يعكس وجود أرضية أوسع لتطوير الحضور المصري في المجالين الثقافي والتعليمي داخل الفلبين.
ومن الناحية السياسية، فإن مخاطبة جمهور أكاديمي آسيوي تمنح مصر فرصة لشرح أولوياتها بصورة مباشرة بعيدًا عن الاختزال، خاصة في ملفات معقدة مثل غزة والسودان والأمن الإقليمي. كما تسمح للقاهرة بتقديم نفسها شريكًا سياسيًا واقتصاديًا منفتحًا على الجنوب العالمي، وليس فقط طرفًا منشغلًا بأزمات جواره المباشر.
ما الذي تريده القاهرة من الآسيان؟
تسعى مصر إلى الاستفادة من الزخم الاقتصادي والمؤسسي الذي تمثله رابطة الآسيان، وهي إحدى أبرز التكتلات الإقليمية في العالم من حيث النمو والتصنيع والتجارة البينية. ومن خلال المشاركة المنتظمة في الفعاليات المرتبطة بها، تريد القاهرة توسيع شبكة اتصالاتها مع الحكومات والشركات الآسيوية، وفتح قنوات جديدة أمام الصادرات والاستثمارات والتعاون التكنولوجي.
- تعزيز التجارة البينية مع أسواق جنوب شرق آسيا.
- جذب استثمارات جديدة إلى قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية.
- الترويج لمصر كمركز إقليمي يربط آسيا بأفريقيا والشرق الأوسط.
- توسيع التنسيق السياسي حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
ومن هنا، تبدو محاضرة عبد العاطي في جامعة الفلبين امتدادًا لرسالة أوسع مفادها أن السياسة الخارجية المصرية لا تتحرك فقط لإدارة الأزمات، بل أيضًا لبناء شراكات طويلة المدى مع قوى ومناطق تشهد نموًا متسارعًا.
دلالة الرسالة بالنسبة للداخل المصري
بالنسبة للمتابع في مصر، فإن ما جرى في مانيلا يسلط الضوء على مسارين متكاملين في أداء الدبلوماسية المصرية: الأول هو إدارة الملفات الإقليمية الحساسة المرتبطة مباشرة بالأمن القومي المصري، والثاني هو التحرك الاقتصادي الخارجي من أجل تنويع الشركاء وخلق فرص جديدة للتجارة والاستثمار.
وفي هذا السياق، تقدم زيارة وزير الخارجية ومحاضرته في جامعة الفلبين صورة أوضح لأولويات القاهرة في هذه المرحلة: تمسك بالثوابت في قضايا المنطقة، وانفتاح محسوب على آسيا، وسعي إلى ترجمة العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية ملموسة. وهي معادلة تبدو مرشحة للبقاء في صدارة التحرك المصري خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع استمرار سيولة المشهدين الإقليمي والدولي.