برنامج BCLEAR.. مصر توسع دعمها لبناء القدرات المناخية بإفريقيا
اتفاقية جديدة لتعزيز الحضور المصري في ملف المياه والمناخ إفريقيًا
خطت مصر خطوة جديدة في مسار دعم التعاون الإفريقي في قضايا المياه والتكيف المناخي، بعد توقيع اتفاقية تنفيذ برنامج BCLEAR بحضور الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري. ويستهدف البرنامج، وفق ما أعلنته الجهات المعنية، دعم بناء القدرات وتبادل الخبرات والمعرفة بين الكوادر والمؤسسات الإفريقية، مع تركيز خاص على الدول الإفريقية ودول حوض النيل، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية.
وتؤكد هذه الخطوة استمرار الرهان المصري على أدوات التدريب ونقل المعرفة كمدخل عملي لتعزيز الأمن المائي في القارة، خاصة أن القاهرة تطرح نفسها خلال السنوات الأخيرة شريكًا فنيًا ومؤسسيًا في ملفات إدارة المياه، والري الحديث، والتكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة.
ما هو برنامج BCLEAR؟
البرنامج يحمل اسم Building Climate-Leadership Excellence for African Resilience، أي «بناء التميز في القيادة المناخية من أجل تعزيز القدرة الإفريقية على الصمود». وبحسب ما جرى الإعلان عنه، فإن الاتفاقية وُقعت بين قطاع شؤون مياه النيل بوزارة الموارد المائية والري والجامعة الأمريكية بالقاهرة، ممثلة في مركز CARES، وهو مركز البحوث التطبيقية والاستدامة بالجامعة الأمريكية.
وتُظهر المعلومات المنشورة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن مركز CARES يعمل على الربط بين البحث العلمي والعمل المجتمعي والبرامج التعليمية في مجالات الاستدامة، والمياه، والغذاء، والطاقة، والتكيف مع التغيرات المناخية. كما يعد المركز أحد الكيانات الأكاديمية المصرية النشطة في تطوير حلول تطبيقية مرتبطة بالاستدامة داخل مصر والمنطقة الإفريقية.
لماذا يحظى البرنامج بأهمية خاصة الآن؟
أهمية البرنامج لا تتوقف عند كونه نشاطًا تدريبيًا، بل ترتبط بتوقيت تشهد فيه إفريقيا ضغوطًا متشابكة تشمل النمو السكاني، وتراجع نصيب الفرد من المياه، وتكرار موجات الجفاف والسيول، وارتفاع كلفة تمويل مشروعات التكيف. وفي هذا السياق، تطرح مصر بناء القدرات المؤسسية والبشرية كأحد المسارات الأقل كلفة والأسرع أثرًا، خصوصًا بالنسبة للمهندسين والكوادر الشابة ومتخذي القرار في مؤسسات المياه الإفريقية.
وكانت وزارة الري قد أكدت في مناسبات سابقة أن دعم الأشقاء الأفارقة لا يقتصر على المشروعات، بل يشمل أيضًا التدريب المتخصص وتطوير المهارات الفنية والقيادية والدبلوماسية. وفي مطلع 2026، أشارت تقارير رسمية إلى مشاركة متدربين من 27 دولة إفريقية في برامج مصرية معنية بسفراء المياه، بما يعكس اتساع نطاق التعاون التدريبي الذي تتحرك القاهرة لتعزيزه بصورة منتظمة.
دور هاني سويلم في هذا المسار
يحضر اسم الدكتور هاني سويلم بقوة في هذا الملف، ليس فقط بصفته وزيرًا للموارد المائية والري، بل أيضًا باعتباره أكاديميًا متخصصًا في الهيدرولوجيا وإدارة الموارد المائية، ومؤسسًا لعدد من المبادرات والبرامج التعليمية المرتبطة بالاستدامة. وتشير السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة إلى خبرته الطويلة في حشد التمويل وتنفيذ مشروعات دولية في إدارة المياه ومخاطر الفيضانات والتحلية بالطاقة الشمسية وبناء القدرات.
كما يرتبط اسم سويلم بمركز CARES في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، إذ تُظهر صفحات الجامعة أنه كان من مؤسسي التوجه الأكاديمي الذي يربط الاستدامة بالحلول التطبيقية في مصر والمنطقة. لذلك تبدو اتفاقية BCLEAR امتدادًا طبيعيًا لمسار يجمع بين الخبرة الحكومية والأكاديمية في ملف واحد. ولم يتسنَّ التحقق من حساب رسمي موثق له على إنستغرام، لذلك يرد اسمه هنا دون ذكر حساب.
ماذا تضيف الاتفاقية لمصر ولإفريقيا؟
من الناحية المصرية، تمنح الاتفاقية دفعة جديدة لدور القاهرة كمنصة إقليمية للتدريب وتطوير السياسات المائية والمناخية. ومن الناحية الإفريقية، تفتح الباب أمام نقل خبرات عملية قابلة للتطبيق في موضوعات مثل الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وكفاءة استخدام المياه، والربط بين المياه والطاقة والغذاء، وبناء شبكات تعاون بين الكفاءات الإفريقية.
وتكتسب هذه الزاوية أهمية إضافية مع توجه مصر لتعزيز دورها داخل المؤسسات الإفريقية المعنية بالمياه. ففي سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الموارد المائية والري أن الوزير هاني سويلم، بصفته رئيس المجلس الحاكم لـمرفق المياه الإفريقي، أجرى لقاءات في ألمانيا لحشد الشراكات الدولية الداعمة للأمن المائي والتنمية المستدامة في القارة، مع طرح الخبرة المصرية في «الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0» كنموذج قابل للاستفادة الإفريقية.
التركيز على دول حوض النيل
الزاوية المرتبطة بدول حوض النيل تمنح البرنامج بعدًا استراتيجيًا بالنسبة لمصر. فهذه الدول تواجه تحديات متقاربة تتعلق بإدارة الأحواض المشتركة، والفيضانات، والجفاف، والحاجة إلى تدريب الكوادر على التخطيط طويل الأجل. ومن هنا، فإن أي برنامج يركز على تبادل الخبرات المؤسسية بين مصر وجوارها الإفريقي ينعكس أيضًا على مساحات التفاهم الفني ويعزز قنوات التعاون بعيدًا عن المقاربات الضيقة.
كما أن وزارة الري المصرية دأبت خلال الأعوام الأخيرة على طرح مقاربة تقوم على الربط بين المياه والمناخ والتنمية، وهي مقاربة برزت بوضوح منذ استضافة مصر مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ عام 2022، ثم استمرت لاحقًا عبر مبادرات مثل AWARe وبرامج التدريب الإقليمية المعنية بالتكيف والتمويل وبناء القدرات.
الجامعة الأمريكية بالقاهرة شريك أكاديمي في التنفيذ
اختيار الجامعة الأمريكية بالقاهرة كشريك في تنفيذ البرنامج يعكس الاعتماد على مؤسسة أكاديمية لديها خبرة في تصميم البرامج متعددة التخصصات. وتوضح المواد المنشورة على موقع الجامعة أن مركز CARES يعمل في مجالات الاستدامة التطبيقية، والأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، وتطوير حلول مرتبطة بالمجتمعات المحلية، إلى جانب برامج أكاديمية متقدمة في التنمية المستدامة.
هذا النوع من الشراكة بين وزارة حكومية وجهة أكاديمية يمنح البرنامج قدرة أكبر على الجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي، وهو أمر مهم في البرامج التي تستهدف كوادر إفريقية تحتاج إلى أدوات تنفيذية، وليس فقط إلى محتوى تدريسي تقليدي.
السياق الأوسع: فجوة تمويل وضغوط مناخية
التحرك المصري يأتي أيضًا في وقت تتحدث فيه المؤسسات الإفريقية عن فجوة تمويل كبيرة في قطاع المياه. وسبق أن أشارت بيانات رسمية تناولها الوزير في لقاءات إفريقية إلى وجود فجوة سنوية تُقدَّر بنحو 30 مليار دولار لتلبية احتياجات الاستثمار المائي في إفريقيا. وفي ظل صعوبة سد هذه الفجوة سريعًا، يصبح الاستثمار في رأس المال البشري والتدريب ونقل الخبرة أداة أساسية لتحسين كفاءة الإدارة وتطوير المشروعات القابلة للتمويل.
- أولًا: إعداد كوادر قادرة على تصميم وتنفيذ سياسات مائية أكثر مرونة.
- ثانيًا: تطوير مهارات القيادة والتفاوض والتواصل لدى العاملين في القطاع.
- ثالثًا: توسيع شبكات التعاون بين المؤسسات الإفريقية والمراكز البحثية.
- رابعًا: دعم الحلول المتكاملة التي تربط بين المياه والمناخ والغذاء والطاقة.
رسالة مصر للقارة
في المحصلة، لا تبدو اتفاقية BCLEAR مجرد بروتوكول تعاون جديد، بل جزءًا من رسالة مصرية أوسع عنوانها أن مواجهة أزمات المياه والمناخ في إفريقيا تحتاج إلى معرفة محلية وتعاون إقليمي وكوادر مؤهلة تستطيع تحويل الخطط إلى نتائج. ومن هذه الزاوية، فإن القاهرة تسعى إلى ترسيخ موقعها كأحد مراكز التدريب والحوار وصناعة الحلول في هذا الملف الحيوي.
ومع تصاعد تحديات المناخ في القارة، فإن نجاح مثل هذه البرامج سيقاس ليس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى قدرة المتدربين والمؤسسات المشاركة على تحويل المعرفة إلى سياسات ومشروعات ملموسة تخفف الضغط على الموارد المائية وتحسن فرص الصمود في المجتمعات الإفريقية الأكثر تعرضًا للمخاطر.