Akhbar Cairo

بريطانيا تدرس الانضمام إلى بنك دفاعي مرتبط بالناتو

بريطانيا تبحث مسارا جديدا لتمويل التوسع الدفاعي

تدرس الحكومة البريطانية إمكانية الانضمام إلى بنك الدفاع والأمن والمرونة، في خطوة تعكس اتجاها متزايدا داخل أوروبا للبحث عن أدوات تمويل جديدة تدعم رفع الجاهزية العسكرية وتوسيع الاستثمارات المرتبطة بالأمن. ويأتي هذا النقاش بالتوازي مع ضغوط سياسية ومالية داخل لندن لزيادة مخصصات الدفاع في ظل بيئة أمنية أوروبية أكثر تعقيدا منذ الحرب الروسية الأوكرانية.

الطرح المتداول في بريطانيا لا يتعلق بعضوية حلف شمال الأطلسي نفسها، فالمملكة المتحدة عضو مؤسس في الناتو منذ عام 1949، لكنه يرتبط بكيفية تمويل الزيادة في الإنفاق الدفاعي، سواء عبر الموازنة العامة أو من خلال آليات تمويل متعددة الأطراف تشجع الاستثمار في الصناعات الدفاعية والبنية التحتية المرتبطة بالأمن والمرونة.

ما هو بنك الدفاع والأمن والمرونة؟

بنك الدفاع والأمن والمرونة، المعروف اختصارا باسم DSRB، يطرح نفسه كمنصة تمويل تستهدف دعم مشروعات مرتبطة بالدفاع والأمن وسلاسل الإمداد والمرونة الوطنية. ورغم أن اسمه قد يوحي بأنه مؤسسة تابعة رسميا للناتو، فإن المتاح من الوثائق العلنية يشير إلى أنه كيان متعدد الأطراف مرتبط بأولويات أمنية تتقاطع مع الحلف أكثر من كونه ذراعا مؤسسيا رسمية للناتو.

النقاش حول البنك عاد إلى الواجهة في بريطانيا بعد إشارات برلمانية ووثائق منشورة خلال 2026 تناولت فكرة الانضمام إليه أو تطوير آلية دفاعية متعددة الأطراف مع شركاء أوروبيين وأطلسيين لتقليل تكلفة التوسع العسكري وتسريع التمويل للمشروعات الدفاعية.

ماذا نعرف عن الموقف البريطاني حتى الآن؟

اللافت أن الموقف البريطاني لم يكن ثابتا خلال الأشهر الماضية. وثائق برلمانية بريطانية أشارت في مايو ويونيو 2026 إلى أن الحكومة لم تكن تخطط للانضمام إلى بنك الدفاع والأمن والمرونة في ذلك التوقيت، مع تفضيل العمل على آليات أخرى أو دراسة ترتيبات بديلة. لكن التطورات السياسية والمالية اللاحقة فتحت الباب أمام إعادة تقييم هذا الموقف، خاصة مع تصاعد النقاش داخل أوروبا بشأن التمويل الدفاعي المشترك.

وفي 6 يوليو 2026، أصدرت وزارة الخزانة البريطانية بيانا مشتركا مع هولندا وفنلندا وبولندا حول آلية دفاعية متعددة الأطراف، أكدت فيه الدول الأربع التزامها بتعزيز تمويل الدفاع وتحسين كفاءة الإنفاق العسكري. هذا البيان لا يعلن انضمام لندن رسميا إلى بنك الدفاع والأمن والمرونة، لكنه يكشف بوضوح أن الحكومة البريطانية تبحث بالفعل عن أدوات تمويل جماعية لدعم خططها الدفاعية.

جون هيلي في قلب المشهد

يتصدر اسم جون هيلي المشهد في هذه القضية، باعتباره من أبرز الوجوه الحكومية المرتبطة بملف الدفاع خلال الفترة الأخيرة. الصور الرسمية الصادرة عن رئاسة الوزراء البريطانية في 5 يوليو 2024 أظهرت هيلي بصفته وزيرا للدفاع آنذاك، قبل أن تتداول تقارير سياسية بريطانية لاحقا اسمه في أدوار حكومية جديدة خلال 2026. وبغض النظر عن التوصيفات الإعلامية المتغيرة، فإن الثابت أن هيلي ظل من الشخصيات الدافعة نحو رفع الإنفاق العسكري البريطاني وتعزيز موقع لندن داخل ترتيبات الأمن الأوروبي.

في مجلس العموم البريطاني خلال يونيو 2026، تكرر الحديث عن الحاجة إلى رفع الجاهزية الدفاعية في مواجهة التهديدات الروسية، مع التأكيد على أن الأمن القومي بات يتطلب إنفاقا أعلى على التسليح والقدرات اللوجستية والبنية التحتية والمرونة الوطنية.

لماذا تتجه أوروبا إلى هذا النوع من التمويل؟

السبب الرئيسي هو أن زيادة الإنفاق الدفاعي لم تعد مسألة سياسية فقط، بل مالية أيضا. فالدول الأوروبية، ومن بينها بريطانيا، تواجه ضغوطا مزدوجة: من جهة الحاجة إلى تحديث الجيوش وتعزيز المخزون العسكري، ومن جهة أخرى القيود المفروضة على الموازنات العامة وارتفاع تكاليف الاقتراض والإنفاق الاجتماعي.

الناتو نفسه شدد في تحديثاته الأخيرة على أن الردع والدفاع يتطلبان استثمارات أكبر، ليس فقط في الأسلحة، بل كذلك في المرونة والبنية التحتية والقدرات الصناعية. كما أن اجتماعات الحلف خلال 2026 أبرزت أهمية تطوير القاعدة الصناعية الدفاعية وربطها بمصادر تمويل طويلة الأجل، بما يسمح بتوسيع الإنتاج وتسريع تنفيذ المشروعات.

  • التمويل المباشر: دعم مشروعات صناعية وعسكرية تحتاج لرؤوس أموال كبيرة.
  • خفض التكلفة: تنسيق الإنفاق بين عدة دول قد يقلل كلفة الاقتراض والتنفيذ.
  • تسريع التوريد: تمويل المصانع وسلاسل الإمداد يختصر زمن إنتاج المعدات.
  • تعزيز المرونة: يشمل ذلك حماية البنية التحتية الحيوية وشبكات النقل والطاقة والاتصالات.

كيف يرتبط ذلك بأهداف الناتو؟

الناتو أوضح في مواده الرسمية المحدثة أن الردع والدفاع يظلان جوهر مهمة الحلف، وأن الدول الأعضاء مطالبة بتقوية قدراتها العسكرية وقدرتها على الصمود أمام الهجمات أو الصدمات الكبرى. كما شدد الحلف في 2026 على أهمية الجمع بين الإنفاق العسكري التقليدي والاستثمار في المجالات المرتبطة بالأمن، مثل حماية البنية التحتية والشبكات والجاهزية المدنية.

بالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه التطورات لا تنبع فقط من بعدها الأوروبي، بل من تأثيرها الأوسع على سوق السلاح العالمي، وتوازنات الأمن في البحر المتوسط، واتجاهات الإنفاق العسكري الدولي. أي تحول كبير في سياسات التمويل الدفاعي داخل أوروبا قد ينعكس على الصناعات العسكرية، وأسعار التعاقدات، وخريطة الشراكات الأمنية عبر الإقليم.

هل حسمت لندن قرارها؟

حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي بريطاني نهائي يؤكد الانضمام إلى بنك الدفاع والأمن والمرونة. المؤكد هو أن الفكرة مطروحة على الطاولة في سياق أوسع يشمل مراجعة أدوات تمويل الدفاع، والانخراط في ترتيبات متعددة الأطراف مع حلفاء أوروبيين، والبحث عن أفضل صيغة تضمن زيادة الإنفاق العسكري دون تحميل الخزانة البريطانية وحدها العبء الكامل.

بمعنى آخر، ما يجري حاليا هو مرحلة اختبار سياسي ومالي: هل تختار بريطانيا الانضمام إلى آلية قائمة مثل بنك الدفاع والأمن والمرونة، أم تمضي نحو نموذج أوسع للتعاون الدفاعي التمويلي مع مجموعة من الحلفاء؟ الإجابة لم تحسم بعد، لكن المؤشرات تقول إن لندن تتحرك بسرعة نحو توسيع خياراتها.

خلاصة المشهد

القصة تتجاوز مجرد خبر عن مؤسسة تمويل جديدة. نحن أمام تحول أوروبي أوسع في التفكير الدفاعي، عنوانه أن الأمن بات يحتاج إلى هندسة مالية جديدة بقدر حاجته إلى قرارات عسكرية. وبالنسبة لبريطانيا، فإن أي خطوة نحو بنك دفاعي متعدد الأطراف ستعني عمليا اعترافا بأن مرحلة ما بعد حرب أوكرانيا فرضت واقعا مختلفا: رفع الإنفاق العسكري لم يعد خيارا نظريا، بل التزاما سياسيا يحتاج إلى أدوات تمويل مبتكرة وقابلة للاستمرار.

وفي ظل تسارع النقاشات داخل لندن وبروكسل ومقر الناتو، ستظل مسألة تمويل الدفاع واحدة من أكثر ملفات أوروبا حساسية خلال النصف الثاني من 2026، خاصة إذا تحولت الدراسة البريطانية إلى قرار رسمي خلال الأشهر المقبلة.