Akhbar Cairo

بريطانيا تشدد موقفها: الاحتلال والاستيطان يقوضان الدولة الفلسطينية

تحول بريطاني لافت في خطاب لندن تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة

في تطور سياسي يعكس تشددًا متزايدًا في الموقف البريطاني من الحرب على غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، أكدت الحكومة البريطانية أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير مشروع، وأن استمرار بناء المستوطنات يقوض بصورة مباشرة فرص الوصول إلى تسوية سياسية تقوم على حل الدولتين. هذا الموقف برز ضمن سلسلة تصريحات وبيانات رسمية صادرة عن لندن خلال سبتمبر 2026، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.

ويتصدر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر المشهد بوصفه الشخصية الأبرز في هذا التحول، إذ تبنت حكومته لغة أكثر صراحة بشأن عدم قانونية الاحتلال والاستيطان، مع التشديد على أن ما يجري على الأرض يهدد عمليًا قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.

ما الذي قالته لندن؟

بحسب بيان مشترك صدر في 8 سبتمبر 2026 عن المملكة المتحدة وفرنسا وكندا، شددت الحكومات الثلاث على أن التوسع المنهجي في المستوطنات داخل الضفة الغربية، بما في ذلك الدفع بمشروع E1، يشكل تهديدًا مباشرًا وعاجلًا لرؤية السلام على أساس دولتين. البيان وصف المستوطنات بأنها غير قانونية بموجب القانون الدولي، وأعلن عزم الدول الثلاث اتخاذ خطوات لمنع استيراد بضائع المستوطنات وفرض إجراءات تستهدف النشاط المرتبط بها والمستفيدين منه.

وفي اليوم نفسه تقريبًا، أكدت الحكومة البريطانية في بيان منفصل أنها خلصت إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وأعلنت المضي نحو صلاحيات وإجراءات جديدة تستهدف الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات غير القانونية، إلى جانب العنف الذي يمارسه مستوطنون ضد الفلسطينيين. وربطت لندن هذه الخطوات بهدف معلن هو حماية ما تبقى من إمكانية تطبيق حل الدولتين.

الاستيطان في قلب الأزمة

الرسالة البريطانية لا تقف عند الإدانة السياسية فقط، بل تنطلق من اعتبار أن الاستيطان لم يعد مجرد عقبة تفاوضية، بل بات أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا على الأرض بما يصعب معه قيام دولة فلسطينية مستقلة. وتمنح لندن أهمية خاصة لمشروع E1، لأنه من المشروعات التي يُنظر إليها دوليًا باعتبارها تهدد التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وتزيد من عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.

كما أوضحت مصادر برلمانية بريطانية ومواد منشورة عن الحكومة والبرلمان أن القيود التي تعتزم لندن تطويرها لا تقتصر على المواقف الرمزية، بل تشمل التوجه نحو منع التجارة في منتجات المستوطنات والخدمات التي تسهم في توسعها، مع دراسة آليات عقابية إضافية على الجهات الضالعة في هذا المسار.

غزة: المساعدات لا تزال أقل من الاحتياج

بالتوازي مع التشدد تجاه الاستيطان، تؤكد الحكومة البريطانية أن المساعدات الإنسانية الداخلة إلى قطاع غزة لا تزال غير كافية. هذا التوصيف تكرر في تصريحات ومواقف بريطانية خلال 2026، مع دعوات صريحة إلى تسهيل دخول الإغاثة والعمل على مدار الساعة لضمان وصول الغذاء والدواء والوقود إلى المدنيين.

وتعتبر لندن أن الكارثة الإنسانية في غزة لا يمكن فصلها عن المسار السياسي الأشمل، إذ إن تآكل فرص التسوية، إلى جانب استمرار الحرب والحصار والقيود على الإغاثة، يفاقم الوضع الإنساني ويجعل أي أفق للاستقرار أكثر بعدًا. ومن هذا المنطلق، تواصل الحكومة البريطانية المطالبة بزيادة تدفق المساعدات، مع التأكيد أن غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة.

ماذا يعني ذلك سياسيًا؟

عمليًا، يكشف الموقف البريطاني الجديد عن انتقال من صياغات دبلوماسية تقليدية إلى خطاب أكثر صراحة في توصيف الوضع القانوني والسياسي. فبدل الاكتفاء بوصف المستوطنات بأنها عقبة أمام السلام، باتت لندن تتحدث بوضوح عن لا مشروعية الاحتلال وضرورة اتخاذ تدابير ملموسة ضد النشاط الاستيطاني.

هذا التحول يكتسب وزنًا إضافيًا لأن بريطانيا عضو دائم في مجلس الأمن، ولأنها من الدول الغربية التي كانت تحرص تاريخيًا على استخدام لغة محسوبة في هذا الملف. كما أن الموقف البريطاني يأتي بعد تطورات قانونية ودبلوماسية دولية مهمة خلال العامين الأخيرين، من بينها الاستناد المتزايد إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو 2024 بشأن عدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

صدى عربي ومصري

في القاهرة، يلقى أي تحول غربي يتعلق بوقف الاستيطان وتسهيل الإغاثة إلى غزة اهتمامًا خاصًا، بالنظر إلى الدور المصري المحوري في ملفي التهدئة والمساعدات. وفي هذا السياق، أظهرت تغطيات صحفية مصرية واتصالات دبلوماسية معلنة توافقًا بين القاهرة ولندن على خطورة الأنشطة الاستيطانية والعنف ضد الفلسطينيين، إلى جانب ضرورة تحرك المجتمع الدولي لوقف الانتهاكات ودعم المسار السياسي.

كما رحبت أطراف عربية وإسلامية بخطوات بريطانية تخص التعامل مع منتجات المستوطنات، معتبرة أنها تنسجم مع قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا تنحصر في بعده القانوني، بل تمتد إلى تأثيره المحتمل على ميزان الضغوط الدولية في ملف غزة، خصوصًا مع استمرار مصر في الانخراط في الجهود الإنسانية والسياسية الخاصة بالقطاع.

بين القانون الدولي والواقع الميداني

رغم أهمية اللهجة البريطانية الجديدة، يبقى السؤال الأساسي متعلقًا بمدى ترجمة هذه المواقف إلى سياسات مؤثرة على الأرض. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإدانات وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات اقتصادية ودبلوماسية قابلة للتنفيذ. ومع ذلك، فإن إعلان لندن صراحة أن المستوطنات غير قانونية وأن الاحتلال نفسه غير مشروع يمثل تطورًا سياسيًا لافتًا، لأنه يرفع تكلفة الدفاع عن الوضع القائم، ويمنح دفعة إضافية للجهود الرامية إلى محاسبة الأنشطة الاستيطانية.

  • أولًا: بريطانيا باتت تستخدم توصيفًا أكثر حدة تجاه الاحتلال والاستيطان.
  • ثانيًا: التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، خاصة مشروع E1، يُعد في نظر لندن تهديدًا مباشرًا لحل الدولتين.
  • ثالثًا: المساعدات الإنسانية إلى غزة ما زالت، وفق الموقف البريطاني، دون الحد المطلوب.
  • رابعًا: التوجه البريطاني الجديد قد يفتح الباب أمام إجراءات تجارية وعقابية مرتبطة بالمستوطنات.

خلاصة المشهد

الموقف البريطاني الأخير يعكس تبدلًا مهمًا في مقاربة لندن للصراع الفلسطيني الإسرائيلي: لا شرعية للاحتلال، ولا قانونية للمستوطنات، ولا كفاية للمساعدات التي تصل إلى غزة. وبينما لا يزال الطريق طويلًا أمام أي تسوية شاملة، فإن هذا التصعيد السياسي من جانب بريطانيا يضيف عنصر ضغط جديدًا على إسرائيل، ويعيد التأكيد على أن حل الدولتين لم يعد مهددًا فقط بالتعثر الدبلوماسي، بل بالتآكل الميداني اليومي الناتج عن الاستيطان والحرب والحصار.