بريطانيا تصعّد ضغوطها: مساعدات غزة والاستيطان تحت المجهر
موقف بريطاني أكثر حدة في الأمم المتحدة
في تطور يعكس تصاعد الضغوط الغربية على الحكومة الإسرائيلية، جدّدت بريطانيا مطالبتها برفع القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة وقف خطط التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. هذا الموقف عبّرت عنه المندوبة البريطانية الدائمة لدى الأمم المتحدة، سارة ماكنتوش، خلال مناقشات مجلس الأمن بشأن الشرق الأوسط، في رسالة مزدوجة تربط بين الملف الإنساني العاجل في غزة والمسار السياسي الأوسع المتعلق بحل الدولتين.
أهمية هذا الخطاب لا تكمن فقط في مضمونه، بل أيضا في توقيته وسياقه. فبريطانيا، بوصفها عضوا دائما في مجلس الأمن، لا تتحدث هنا بلغة إنسانية فقط، وإنما بلغة سياسية تحاول رسم حدود لما تعتبره مقبولا دوليا في سلوك إسرائيل داخل غزة والضفة الغربية. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الأهم بالنسبة للقارئ المصري: هل نحن أمام تحول فعلي في السياسة البريطانية، أم مجرد رفع لنبرة الاعتراض دون أدوات ضغط حاسمة؟
من هي سارة ماكنتوش ولماذا يهم صوتها؟
تولت الدبلوماسية البريطانية دام سارة ماكنتوش منصب سفيرة المملكة المتحدة ومندوبتها الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك في صيف 2026، بعد إعلان تعيينها رسميا في 21 مايو 2026. وشغلت قبل ذلك مناصب أمنية ودبلوماسية بارزة، بينها المندوبة البريطانية لدى حلف الناتو ومستشارة رئيس الوزراء للشؤون الدولية. لذلك فإن التصريحات الصادرة عنها لا يمكن التعامل معها كصياغات بروتوكولية عابرة، بل باعتبارها تعبيرا مباشرا عن الاتجاه الرسمي للحكومة البريطانية داخل الأمم المتحدة.
في الأشهر الأخيرة، كررت لندن عبر أكثر من منصة أممية أن على إسرائيل إنهاء القيود التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وأن استمرار التوسع الاستيطاني يقوّض فرص التسوية السياسية. كما ذهبت بريطانيا أبعد من ذلك في سبتمبر 2026 عندما أكدت في مجلس الأمن أن إسرائيل يجب أن ترفع جميع القيود عن المساعدات، وأن تتوقف عن الإجراءات التي تدفع المنطقة بعيدا عن حل الدولتين.
غزة: المساعدات بوصفها اختبارا للقانون الدولي
جوهر الموقف البريطاني يتمثل في الربط بين وصول الإغاثة وبين الالتزامات القانونية الواقعة على عاتق إسرائيل بصفتها قوة احتلال في نظر معظم المؤسسات الدولية. فالمشكلة لم تعد محصورة في نقص المواد الغذائية أو الطبية فحسب، بل في بنية القيود ذاتها: المعابر، إجراءات التفتيش، القيود على المواد المصنفة “ثنائية الاستخدام”، وصعوبة الحركة الآمنة لفرق الإغاثة داخل القطاع.
الخطاب البريطاني في مجلس الأمن انسجم مع بيانات رسمية أخرى صدرت عن لندن خلال 2026، طالبت فيها إسرائيل بتمكين وصول “آمن ومستدام ودون عوائق” للمساعدات في أنحاء غزة كافة، وعدم قصر الإمدادات على مسارات محدودة تؤدي إلى الازدحام والتأخير. كما أشارت الحكومة البريطانية إلى أن جزءا من مساعداتها الإنسانية ظل عالقا في مخازن بالأردن ومصر بسبب القيود والإجراءات المرتبطة بإدخال الإغاثة إلى القطاع.
وبالنسبة لمصر، فإن هذه النقطة تحديدا شديدة الأهمية. فالقاهرة ظلت طرفا محوريا في كل ما يتعلق بحركة المساعدات والوساطة السياسية، سواء عبر معبر رفح أو من خلال التنسيق مع الأمم المتحدة والهلال الأحمر المصري. لذلك فإن أي اعتراف دولي بأن المساعدات تتعطل بفعل القيود المفروضة على الدخول يحمّل إسرائيل، سياسيا وقانونيا، قسطا أكبر من المسؤولية عن استمرار الأزمة الإنسانية.
لماذا يعود ملف الاستيطان إلى الواجهة؟
الشق الثاني من الموقف البريطاني لا يقل أهمية عن الشق الإنساني. فوقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية لم يعد بالنسبة إلى لندن مجرد مطلب تقليدي يُذكر في البيانات الدبلوماسية، بل أصبح جزءا من خطاب أكثر صراحة عن حماية ما تبقى من قابلية تطبيق حل الدولتين.
بريطانيا دانت في أكثر من مناسبة خلال 2026 التهديدات بتوسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، واعتبرت أن خطوات مثل إعادة طرح مشروع E1 تمثل خطرا مباشرا لأنها قد تقطع التواصل الجغرافي في الضفة الغربية. كما شاركت مع دول أوروبية أخرى في مواقف علنية داخل الأمم المتحدة تؤكد أن النشاط الاستيطاني الإسرائيلي غير قانوني بموجب القانون الدولي وقرار مجلس الأمن 2334.
من منظور تحليلي، فإن عودة الاستيطان إلى صدارة الخطاب البريطاني تعني أن لندن باتت ترى الترابط بين الميدانين: ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن المسار الأوسع في الضفة. وإذا استمرت الحرب أو العمليات العسكرية في غزة بالتوازي مع توسيع الاستيطان في الضفة، فإن النتيجة العملية ستكون تقويض أي أفق سياسي لاحق، حتى لو توقفت المعارك ميدانيا.
هل تغيّر بريطانيا سياستها أم لهجتها فقط؟
هنا تكمن النقطة الجدلية. بريطانيا رفعت بالفعل من حدة خطابها الرسمي خلال 2026، سواء في الأمم المتحدة أو عبر وزارة الخارجية البريطانية. وظهر ذلك في مطالبتها بإنهاء “القيود غير المبررة” على المساعدات، وفي تعبيرها عن معارضة أكثر وضوحا للتوسع الاستيطاني، بل وفي حديثها عن خطوات تستهدف الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات غير القانونية.
لكن على المستوى العملي، ما يزال الفارق قائما بين اللغة السياسية والأدوات التنفيذية. فالتأثير الحقيقي لأي موقف غربي يتوقف على ما إذا كان سيتحول إلى ضغوط دبلوماسية واقتصادية وقانونية قابلة للقياس، أم سيبقى في إطار البيانات والتحذيرات. وحتى الآن، يبدو أن بريطانيا تحاول التوفيق بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية وبين الحفاظ على دورها داخل المعسكر الغربي التقليدي الداعم لأمن إسرائيل.
هذه الازدواجية ليست جديدة، لكنها باتت أكثر كلفة سياسيا. فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الإنساني وبين غياب النتائج على الأرض، تراجعت قدرة القوى الغربية على إقناع الرأي العام العربي، ومنه الرأي العام المصري، بأن حديثها عن القانون الدولي يطبق بمعيار واحد على الجميع.
ما الذي يعنيه ذلك لمصر والمنطقة؟
بالنسبة لمصر، فإن أي موقف دولي يطالب بفتح المساعدات إلى غزة يلتقي مع أولوية مصرية واضحة: منع الانهيار الإنساني الكامل في القطاع، ورفض تصفية القضية الفلسطينية تحت ضغط الحرب أو التهجير أو تقطيع الجغرافيا الفلسطينية. كما أن التشديد على وقف الاستيطان يصب في صلب الرؤية المصرية التقليدية التي تربط الاستقرار الإقليمي بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن القضية لم تعد فقط في إصدار بيانات داعمة لهذا المسار، بل في اختبار ما إذا كانت العواصم الكبرى مستعدة للدفاع عنه عندما يصطدم بحسابات القوة على الأرض. وفي هذا المعنى، يمكن فهم التحرك البريطاني بوصفه مؤشرا على اتساع القلق الدولي من أن تؤدي الوقائع الجارية في غزة والضفة إلى نسف الإطار السياسي الذي حكم عملية السلام لعقود.
خلاصة المشهد
الموقف البريطاني الأخير مهم لأنه يجمع بوضوح بين مطلبين مترابطين: فتح المسار الإنساني في غزة ووقف المسار الاستيطاني في الضفة الغربية. وهذه مقاربة أقرب إلى الواقع من التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر. غير أن القيمة الفعلية لهذا الموقف ستُقاس بقدرته على الانتقال من دائرة التصريحات إلى دائرة التأثير.
حتى ذلك الحين، يبقى الخطاب البريطاني إشارة سياسية لافتة، لكنه ليس بعد تحولا كاملا في ميزان الضغوط الدولية. وفي الشرق الأوسط، وخصوصا من زاوية مصر، فإن الرسالة الأوضح هي أن الأزمة لم تعد إنسانية فقط ولا سياسية فقط، بل أصبحت اختبارا مكشوفا لمصداقية النظام الدولي كله.
- أبرز ما يعنيه الموقف البريطاني: تحميل إسرائيل مسؤولية تسهيل وصول المساعدات وفق القانون الدولي الإنساني.
- البعد السياسي: ربط الأزمة في غزة بخطر التوسع الاستيطاني على مستقبل حل الدولتين.
- الأهمية لمصر: دعم المسار الذي يخفف الضغط الإنساني على غزة ويعزز المرجعية السياسية للحل.
- السؤال المفتوح: هل تتحول اللهجة البريطانية الجديدة إلى أدوات ضغط عملية أم تبقى عند حدود الدبلوماسية اللفظية؟