بريطانيا تضغط لوقف هجوم الدعم السريع على الأبيض
تصعيد جديد حول الأبيض يضع السودان تحت ضغط دولي متزايد
دخلت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان في غرب السودان، مرحلة أكثر حساسية من الصراع الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بعدما طالبت المملكة المتحدة وحلفاؤها بوقف الهجمات على المدينة بشكل فوري، محذرين من أن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام فظائع جديدة ضد المدنيين. وجاء الموقف البريطاني في بيان رسمي نُشر يوم 23 يونيو 2026 عن وزارة الخارجية البريطانية، بالتزامن مع تزايد التحذيرات الأممية من تدهور سريع في الوضع الميداني والإنساني داخل المدينة ومحيطها.
التحرك البريطاني لم يكن منفردا؛ إذ شاركت في البيان المشترك دول أوروبية عدة هي فرنسا وألمانيا وهولندا وإيرلندا وإيطاليا والنرويج، ودعت جميعها إلى الوقف الفوري للهجمات وحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية بلا عوائق. كما أكدت لندن أن الضربات التي استهدفت طرق الإمداد والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك محطات الوقود وخطوط الكهرباء، أثرت على أكثر من 500 ألف شخص، بينهم نحو 200 ألف نازح داخليا.
ما الذي قالته بريطانيا؟
بحسب البيان البريطاني، أعربت إيفيت كوبر، وزيرة الخارجية البريطانية، عن قلق بالغ من الهجمات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع على الأبيض، معتبرة أن المدينة تقف على حافة كارثة شبيهة بما شهدته الفاشر في دارفور. وأشارت إلى أن استهداف البنية التحتية المدنية والخدمية، في توقيت يسبق الموسم المطير، قد يؤدي إلى تفاقم نقص الغذاء وانقطاع الكهرباء وتوسيع نطاق المعاناة الإنسانية.
البيان نفسه أوضح أن بريطانيا أثارت الملف داخل مجلس الأمن الدولي يوم 20 يونيو 2026، ضمن مساعٍ للضغط على طرفي الحرب من أجل حماية المدنيين والسماح بمرور الإغاثة. كما لفتت لندن إلى أنها أعلنت في مؤتمر برلين الدولي بشأن السودان خلال أبريل الماضي تقديم 146 مليون جنيه إسترليني مساعدات إنسانية للسودان، مع رفع التمويل المخصص لمنظمات الإغاثة المحلية إلى 15 مليون جنيه إسترليني.
تحذيرات أممية من “فخ الفاشر”
القلق البريطاني جاء متقاطعا مع تحذيرات أممية متكررة خلال يونيو 2026. فقد حذر مسؤولون في الأمم المتحدة من أن أي هجوم واسع على الأبيض قد يعرّض مئات الآلاف من المدنيين لخطر مباشر، خصوصا مع تقارير عن حشود وتحركات عسكرية حول المدينة. وفي 26 يونيو 2026 أكدت الأمم المتحدة أن نحو 500 ألف مدني معرضون للخطر إذا تحول التوتر الحالي إلى معركة مفتوحة، مشيرة إلى أن الأطفال يواجهون تهديدا متزايدا بالقتل أو الإصابة أو النزوح.
كما سبق للمفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك أن نبّه إلى أن أنماط الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة في مناطق أخرى من السودان، وخاصة في الفاشر ومخيم زمزم، ترفع من مخاطر وقوع جرائم خطيرة إذا لم يتم احتواء التصعيد في الأبيض. هذه المقارنات زادت من ثقل الملف دوليا، لأن المجتمع الدولي بات يتعامل مع الأبيض باعتبارها اختبارا جديدا لقدرة الدبلوماسية على منع تكرار سيناريوهات دامية شهدتها مدن سودانية أخرى.
لماذا تمثل الأبيض نقطة مفصلية في الحرب السودانية؟
الأبيض ليست مجرد مدينة كبيرة في إقليم كردفان، بل تمثل عقدة جغرافية ولوجستية بالغة الأهمية. فالمدينة تقع على طرق تربط دارفور بغرب السودان مع الوسط والشرق، وتضم منشآت عسكرية ومرافق خدمية وأسواقا رئيسية، كما تعد مركزا مؤثرا في حركة التجارة والإمدادات. لهذا السبب، فإن أي تغيير في السيطرة عليها قد ينعكس مباشرة على موازين القوى في رقعة أوسع من البلاد.
وتشير تقديرات متداولة في تقارير إعلامية وأممية إلى أن المدينة تؤوي نحو نصف مليون نسمة، بينهم أعداد كبيرة من النازحين الفارين من جبهات أخرى. هذا الثقل السكاني يجعل أي هجوم عليها محفوفا بعواقب إنسانية أكبر، لا سيما في ظل الضغط القائم بالفعل على الخدمات الصحية والمياه والكهرباء والوقود.
هجمات على الخدمات والطرق الحيوية
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت التقارير عن هجمات بطائرات مسيرة وقصف طال مرافق مدنية داخل الأبيض ومحيطها. ووفقا للبيان البريطاني، فإن الضربات أصابت خطوط إمداد أساسية في شمال كردفان وولاية النيل الأبيض، إلى جانب منشآت طاقة ووقود، ما أدى إلى تعطيل خدمات حيوية يعتمد عليها السكان يوميا.
هذا النمط من الاستهداف يثير قلقا مضاعفا لدى وكالات الإغاثة، لأن ضرب الوقود والكهرباء لا يقتصر أثره على الحركة والنقل فقط، بل يمتد إلى تشغيل المستشفيات، وسحب المياه، ونقل الغذاء، وحركة الشاحنات الإنسانية. ومع اقتراب الأمطار، تصبح الطرق أكثر هشاشة، ما يزيد صعوبة وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة.
الأزمة السودانية في عامها الرابع
تأتي أزمة الأبيض في سياق حرب مستمرة منذ 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ووفق بيانات الأمم المتحدة الصادرة في 2026، تحولت الحرب إلى أكبر أزمة نزوح في العالم، مع وصول عدد من أُجبروا على الفرار من منازلهم إلى نحو 14 مليون شخص، بينهم قرابة 9 ملايين نازح داخل السودان و4.4 ملايين عبروا الحدود، بما في ذلك إلى مصر. كما يواجه نحو 20 إلى 21 مليون شخص انعداما حادا في الأمن الغذائي، بينما يحتاج قرابة 34 مليون شخص إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية.
ومن زاوية تهم القارئ المصري بشكل خاص، فإن استمرار المعارك في كردفان ودارفور والنيل الأبيض لا يظل شأنا سودانيا داخليا فقط، بل يضغط على الإقليم بأكمله، سواء عبر النزوح العابر للحدود أو عبر تعقيد جهود الوساطة وتهديد طرق التجارة والاستقرار في جوار مصر الجنوبي.
ماذا بعد الموقف البريطاني؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على انفراج ميداني سريع، لكن أهمية الموقف البريطاني تكمن في أنه يضع الملف مجددا أمام العواصم الغربية ومجلس الأمن، ويزيد كلفة أي هجوم واسع على المدينة سياسيا ودبلوماسيا. كما أن الإشارة البريطانية إلى التواصل مع شركاء إقليميين، وبينهم مصر، تعكس إدراكا متزايدا بأن منع الانفجار في الأبيض يحتاج إلى ضغط دولي وإقليمي متزامن.
وفي المحصلة، فإن الأبيض أصبحت عنوانا جديدا للصراع السوداني المعقد: مدينة استراتيجية، كثيفة السكان، محاطة بمخاطر عسكرية، وتعيش فوق أرضية إنسانية هشة للغاية. وإذا لم تنجح الضغوط الدولية في وقف الهجمات وفتح الممرات الإنسانية، فقد تتحول المدينة إلى واحدة من أخطر بؤر الحرب في السودان خلال صيف 2026.
أبرز النقاط في التطورات الأخيرة
- 23 يونيو 2026: بريطانيا و6 دول أوروبية تصدر بيانا مشتركا يطالب بوقف الهجوم على الأبيض.
- 20 يونيو 2026: لندن تثير الوضع في الأبيض داخل مجلس الأمن الدولي.
- 500 ألف شخص: عدد المتضررين من تعطيل الخدمات الأساسية بحسب البيان البريطاني.
- 200 ألف نازح: ضمن الفئات الأكثر عرضة للخطر داخل المنطقة المتأثرة.
- 146 مليون جنيه إسترليني: قيمة الدعم الإنساني الذي أعلنت عنه بريطانيا للسودان في مؤتمر برلين.
- 14 مليون نازح: تقدير أممي لحجم النزوح المرتبط بالحرب السودانية حتى 2026.