Akhbar Cairo

بري يتمسك بقانون مقاطعة إسرائيل: ماذا يعني ذلك للبنان؟

بري يرفع السقف: لا إلغاء لقانون المقاطعة داخل البرلمان

أعاد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري طرح أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية اللبنانية، بعدما شدد على أن إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 يونيو/حزيران 1955 «لن يمر» في المجلس النيابي. أهمية هذا الموقف لا تتعلق فقط بنص قانوني قديم، بل بما يمثله من خط تماس مباشر بين التشريع والسيادة والتموضع السياسي للبنان في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

بري، الذي يترأس مجلس النواب منذ 20 أكتوبر/تشرين الأول 1992، لا يتحدث هنا بصفته زعيمًا سياسيًا فقط، بل من موقعه كرئيس للمؤسسة التي تملك الكلمة الفصل في أي تعديل أو إلغاء تشريعي. الموقع الرسمي لمجلس النواب اللبناني ما زال يدرجه رئيسًا للمجلس حتى الآن، كما يورد سيرته وصفته الرسمية بوضوح. ومن ثم فإن رسالته تتجاوز الموقف الإعلامي إلى إعلان مبكر عن سقف برلماني وسياسي يصعب تخطيه.

لماذا يكتسب تصريح بري كل هذه الأهمية؟

في النظم البرلمانية، قد تبدو بعض التصريحات مجرد ردود فعل سياسية، لكن في الحالة اللبنانية يصبح كلام رئيس المجلس مؤشرًا مباشرًا إلى اتجاهات النقاش التشريعي نفسه. وعندما يقول بري إن إلغاء القانون لن يمر، فهو يرسل إشارة مزدوجة: الأولى إلى الداخل اللبناني بأن ثمة حدودًا لاختبار ملف التطبيع، والثانية إلى الخارج بأن البرلمان ليس ساحة مفتوحة لإعادة تعريف علاقة لبنان بإسرائيل بسهولة.

هذا المعنى يكتسب وزنه من كون قانون مقاطعة إسرائيل ليس مادة هامشية منسية. مصادر برلمانية لبنانية تشير بوضوح إلى أن القانون الصادر في 23 يونيو/حزيران 1955 ما زال حاضرًا في الإحالات التشريعية والنقاشات القانونية اللاحقة. ففي وثائق منشورة على موقع مجلس النواب، جرى الاستناد إليه صراحة بوصفه قانونًا نافذًا، سواء في مناقشات لجنة الإدارة والعدل أو في قوانين لاحقة أحالت إليه مباشرة.

القانون أقدم من الجدل الحالي.. لكنه لم يفقد مفعوله السياسي

اللافت أن القانون، رغم صدوره قبل أكثر من سبعين عامًا، عاد إلى الواجهة خلال عام 2026 مع تصاعد أحاديث وضغوط مرتبطة بمسار العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية. تقارير صحافية لبنانية رصدت خلال الأشهر الماضية نقاشًا متزايدًا حول إمكان إلغاء القانون أو تجميد مفاعيله، في سياق أوسع يتصل بملفات التهدئة والحدود والاتصالات غير المباشرة. لكن حتى مع هذا الجدل، لا تزال الوقائع البرلمانية تميل إلى تثبيت القانون لا إلى تفكيكه.

من الناحية السياسية، لا يمكن فصل هذا القانون عن موقع لبنان الرسمي من الصراع العربي الإسرائيلي، ولا عن البيئة الداخلية التي تعتبر أي نقاش حول إلغائه مساسًا بثوابت وطنية تتجاوز الاعتبارات التقنية. ولذلك فإن دفاع بري عن بقاء القانون ليس تفصيلًا قانونيًا، بل تموضع ضمن معادلة أوسع ترى أن التطبيع ليس مجرد قرار إداري، بل إعادة صياغة لهوية الدولة وخياراتها.

ما الذي يقوله سجل بري السياسي في هذا الملف؟

العودة إلى أرشيف مجلس النواب اللبناني تظهر أن بري حافظ على موقف ثابت نسبيًا من مسألة مقاطعة إسرائيل على امتداد سنوات طويلة. في كلمات وبيانات منشورة على موقع المجلس، دعا في مناسبات سابقة إلى الالتزام بالمقاطعة العربية لإسرائيل، بل وإلى تفعيلها أو التشدد فيها ضمن أطر عربية وإسلامية مختلفة. هذا الثبات يفسر لماذا لم يكن موقفه الأخير مفاجئًا بقدر ما كان امتدادًا لمسار سياسي معروف.

ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة التي حملها تصريحه ليست فقط أن القانون باقٍ، بل أن أي محاولة لفتح الباب أمام إسقاطه ستصطدم برواية سياسية متجذرة داخل جزء مؤثر من النظام اللبناني. وبالنسبة إلى المتابع المصري، تبدو هذه النقطة مهمة لفهم كيف تتحول القوانين في المشرق أحيانًا إلى أدوات تعريف للسيادة والاصطفاف، لا مجرد نصوص قابلة للتعديل بالأغلبية العددية.

بين النص القانوني وموازين القوى

النقاش حول قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان لا يتحرك في فراغ. فالتجاذب الدائر حوله يتقاطع مع مشهد داخلي معقد: حكومة برئاسة نواف سلام، وبرلمان لا يزال بري يقوده، وبيئة أمنية وسياسية متأثرة مباشرة بالحرب والتهدئة على الجبهة الجنوبية. موقع مجلس النواب اللبناني وثّق في أغسطس/آب 2026 استمرار بري في إدارة الجلسات التشريعية، بما يعكس حضوره المركزي في رسم إيقاع القرار البرلماني.

لهذا السبب، فإن أي طرح لإلغاء القانون لا يواجه اعتراضًا سياسيًا فقط، بل عقبة إجرائية أيضًا. فالوصول إلى تعديل من هذا الحجم يتطلب أولًا توافقًا سياسيًا عابرًا للاصطفافات، وثانيًا استعدادًا لتحمل كلفة شعبية ورمزية كبيرة. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات موثقة على توافر مثل هذا التوافق داخل المجلس النيابي.

  • أولًا: القانون ما زال نافذًا في المنظومة التشريعية اللبنانية.
  • ثانيًا: رئيس مجلس النواب أعلن بوضوح رفضه تمرير أي إلغاء.
  • ثالثًا: الجدل حول القانون يرتبط بملفات أوسع من التشريع، بينها التطبيع والحدود والتموضع الإقليمي.
  • رابعًا: غياب توافق داخلي يجعل احتمال الإلغاء ضعيفًا في المدى المنظور.

كيف يقرأ الشارع العربي هذا الموقف؟

في مصر، حيث يتابع القارئ تطورات لبنان عادة من زاوية التوازنات الإقليمية لا التفاصيل البرلمانية وحدها، يبدو موقف بري كأنه محاولة لوضع «خط أحمر» أمام أي انزلاق سريع نحو مسار تطبيعي شامل. صحيح أن لكل دولة سياقها، لكن حساسية ملف إسرائيل في الوعي العربي تجعل أي تعديل قانوني من هذا النوع أكبر بكثير من حجمه الإجرائي.

كما أن هذا الجدل يكشف فارقًا مهمًا بين الاتصالات السياسية أو الأمنية التي قد تُفرض بحكم الواقع، وبين تحويلها إلى شرعية قانونية كاملة. هنا تحديدًا يريد بري، وفق قراءة سياسية للمشهد، أن يبقي الباب مغلقًا أمام الانتقال من الضرورات الظرفية إلى تغيير ثابت في تعريف العلاقة مع إسرائيل. وهذه قراءة تستند إلى مجمل مواقفه المعلنة وسياق النقاش اللبناني الحالي، لا إلى تصريح منفصل فقط.

الخلاصة: القانون هنا عنوان لمعركة أكبر

المسألة في لبنان لم تعد مجرد سؤال عن قانون صدر سنة 1955، بل عن الاتجاه الذي يريد البلد أن يسلكه سياسيًا. تمسك نبيه بري بالقانون يعني، عمليًا، أن أي محاولة لإعادة صياغة هذا الملف ستواجه مقاومة مؤسساتية وسياسية صلبة داخل البرلمان. وفي بلد يقوم نظامه على توازنات دقيقة، قد يكون هذا الرفض كافيًا وحده لتجميد الفكرة، حتى لو استمرت الضغوط والنقاشات من حولها.

من منظور «تحليلات ورأي»، يمكن القول إن بري لا يدافع فقط عن قانون المقاطعة، بل عن وظيفة هذا القانون كرسالة سياسية: أن لبنان، على الأقل في تركيبته البرلمانية الحالية، ليس مستعدًا لمنح أي تحول في العلاقة مع إسرائيل غطاءً تشريعيًا كاملاً. وبين النصوص والمواقف وموازين القوى، تبدو هذه الرسالة حتى الآن هي الأكثر رسوخًا.