Akhbar Cairo

بري يثمّن دعم إيران ويحذر من خروقات إسرائيل جنوب لبنان

بري وعراقجي: لقاء سياسي في توقيت إقليمي حساس

في ظل التوتر المستمر على الحدود الجنوبية للبنان، عاد ملف وقف إطلاق النار في جنوب لبنان إلى الواجهة بعد مباحثات جمعت رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. اللقاء تناول، وفق ما أوردته وسائل إعلام لبنانية وتقارير متقاطعة، تطورات الوضع في لبنان ومحيطه الخليجي، إلى جانب التصعيد الإسرائيلي المتواصل وما يصفه المسؤولون اللبنانيون بأنه خرق متكرر للتفاهمات القائمة.

أهمية هذا اللقاء لا تنبع فقط من موقع بري بوصفه رئيسًا للبرلمان وأحد أبرز اللاعبين في التوازنات اللبنانية، بل أيضًا من توقيته، في لحظة تتقاطع فيها ملفات الجنوب اللبناني مع مسارات التهدئة الإقليمية والمحادثات غير المباشرة التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن ما يجري في جنوب لبنان لا يُقرأ بوصفه شأنًا محليًا فقط، بل باعتباره جزءًا من مشهد إقليمي أوسع ينعكس على أمن شرق المتوسط وحركة الملاحة والاستقرار السياسي في المشرق العربي.

ماذا قال نبيه بري بشأن الاعتداءات الإسرائيلية؟

الرسالة الأساسية التي خرجت من موقف بري تتمثل في التحذير من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم احترام إسرائيل لوقف إطلاق النار في الجنوب. هذا الموقف يتسق مع سلسلة تصريحات ومواقف صدرت عنه خلال الأسابيع الماضية، أكد فيها أن لبنان لم يلتزم فقط بخيار التهدئة، بل ينتظر أيضًا التزامًا مقابلاً يوقف الاستهدافات والغارات وعمليات التدمير في القرى الجنوبية.

وفي خلفية هذا الموقف، تشير تقارير دولية إلى أن وقفًا لإطلاق النار جرى التوصل إليه في 19 يونيو 2026، ودخل حيّز التنفيذ في اليوم التالي تقريبًا، بوساطة أمريكية، بعد تصاعد خطير في المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله». لكن الهدنة لم تُنهِ تمامًا حالة الهشاشة على الأرض، إذ واصلت تقارير إعلامية غربية ولبنانية الحديث عن غارات وتحركات عسكرية إسرائيلية في الجنوب، بما أبقى احتمالات الانفجار قائمة.

وفي هذا السياق، نقلت وكالة أسوشيتد برس قبل أيام أن الرئيس اللبناني جوزيف عون زار مدينة النبطية في الجنوب وسط مخاوف من هجمات إسرائيلية جديدة، بعد سيطرة إسرائيل على أجزاء من مرتفع استراتيجي في وقت سابق من سبتمبر 2026، رغم استمرار الحديث عن وقف لإطلاق النار تم التوصل إليه في يونيو.

شكر إيران.. ما دلالته سياسيًا؟

الشق الآخر في الخبر يتعلق بتوجيه بري الشكر إلى إيران، وهو ما ينسجم مع مواقف لبنانية سابقة أشادت بالدور الإيراني في تضمين الملف اللبناني ضمن أي تفاهمات إقليمية أوسع، خصوصًا في ما يتعلق بوقف الأعمال العسكرية على الجبهة اللبنانية. تقارير إعلامية في يونيو 2026 أشارت إلى أن بري كان قد تحدث بإيجابية عن تضمين بند يتعلق بوقف العدوان على لبنان ضمن التفاهمات التي رافقت الحراك الأمريكي الإيراني آنذاك.

بالنسبة لإيران، يأتي تحرك عباس عراقجي في بيروت ضمن شبكة اتصالات أوسع تشمل عواصم عربية وإقليمية. وكانت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان قد تحدثت عن زيارة لعراقجي إلى بيروت بعد محطة في القاهرة ولقاءات مع كبار المسؤولين اللبنانيين، في سياق مشاورات مرتبطة بالملفات الإقليمية والأمنية.

ورغم أن الحساب الرسمي لعراقجي على إنستغرام لم يتسنّ التحقق منه بشكل موثوق من مصادر رسمية متاحة، فإن اسمه يبقى حاضرًا بقوة في الدبلوماسية الإيرانية الحالية بوصفه وزير الخارجية والمسؤول المباشر عن جزء أساسي من التواصل السياسي مع دول المنطقة. أما نبيه بري، فلم يتوفر توثيق موثوق لحساب رسمي له على إنستغرام، لذلك يُذكر هنا من دون أي إشارة لحسابات اجتماعية التزامًا بالدقة.

الخليج حاضر في المحادثات أيضًا

اللافت أن المباحثات لم تقتصر على جنوب لبنان، بل امتدت إلى تطورات الخليج. هذه الإشارة مهمة لأن الساحة اللبنانية بقيت طوال العامين الماضيين شديدة التأثر بمناخ العلاقات بين طهران والعواصم الخليجية، وبمستوى الانفراج أو التوتر في الإقليم. كما أن بري نفسه كان قد استقبل في مراحل سابقة مسؤولين خليجيين، وأشاد علنًا بالدعم الذي قدمته دول مجلس التعاون للبنان واللبنانيين، بما في ذلك الدعم المرتبط بإعادة الإعمار بعد الحرب.

ومن زاوية مصرية، فإن هذا البعد الخليجي يهم القارئ لأن القاهرة تتابع تقليديًا توازنات المشرق العربي بوصفها جزءًا من الأمن القومي العربي، كما أن أي تقارب أو تصعيد بين إيران ودول الخليج ينعكس بطبيعة الحال على ملفات لبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر.

هل الجنوب اللبناني أمام تهدئة مستقرة أم هدنة هشة؟

المعطيات المتوافرة حتى منتصف سبتمبر 2026 توحي بأن الهدنة في جنوب لبنان ما تزال هشة. فبينما تحدثت تقارير عن اتفاق لوقف القتال في يونيو، استمرت الوقائع الميدانية في إرسال إشارات معاكسة، سواء عبر ضربات جوية أو تمركزات عسكرية أو تبادل اتهامات بشأن الخروقات. هذا التناقض بين النص السياسي والتنفيذ الميداني هو ما يفسر تشدد بري في التحذير من استمرار الاعتداءات.

ويزيد من تعقيد الصورة أن لبنان الرسمي يربط أي استقرار دائم بانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية واحترام القرار 1701، بينما تؤكد إسرائيل في مواقف منسوبة لمسؤوليها أنها ستتصرف عسكريًا إذا رأت تهديدًا مباشرًا من جانب «حزب الله». النتيجة حتى الآن هي حالة من اللا حرب واللا سلم، وهي معادلة تبقي الجنوب مفتوحًا على احتمالات متعددة.

أبرز النقاط التي تكشفها المباحثات

  • أولًا: لبنان لا يزال يعتبر أن إسرائيل لا تلتزم بالكامل بوقف إطلاق النار في الجنوب.
  • ثانيًا: إيران حاضرة في المشهد اللبناني سياسيًا عبر اتصالات مباشرة مع قيادات الدولة والقوى المؤثرة.
  • ثالثًا: أي تهدئة في لبنان تبقى مرتبطة بمسار إقليمي أوسع يشمل واشنطن وطهران وإسرائيل ودول الخليج.
  • رابعًا: الجنوب اللبناني ما يزال بؤرة توتر قابلة للاشتعال رغم التفاهمات المعلنة.

خلاصة المشهد

اللقاء بين نبيه بري وعباس عراقجي يعكس بوضوح أن الملف اللبناني لم يغادر دائرة التجاذب الإقليمي، وأن الجنوب لا يزال عنوانًا رئيسيًا لأي نقاش حول الأمن والاستقرار في المشرق. شكر بري لإيران حمل بعدًا سياسيًا واضحًا، لكنه اقترن برسالة أشد مباشرة: لا يمكن الحديث عن تهدئة حقيقية ما دامت الخروقات الإسرائيلية مستمرة.

وبالنسبة لمتابعي الشأن الدولي في مصر، فإن تطورات لبنان تظل مؤشرًا مهمًا على اتجاهات المنطقة ككل. فإذا نجحت التفاهمات في تثبيت وقف النار، سيكون ذلك خطوة نحو احتواء أزمات أوسع. أما إذا استمرت الخروقات الميدانية، فقد يبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لتصعيد جديد، تتجاوز تداعياته الحدود اللبنانية إلى الإقليم بأكمله.