Akhbar Cairo

بزشكيان: تفاهم مع الإمارات لفتح صفحة جديدة

بزشكيان يطرح خطاب التهدئة مع أبوظبي

في أحدث إشارة سياسية إلى رغبة طهران في تخفيف حدة التوترات مع جيرانها، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده اتفقت مع دولة الإمارات العربية المتحدة على طي صفحة الماضي وفتح مسار مختلف في العلاقات. ورغم أن العبارة جاءت مختصرة، فإنها تكتسب أهمية خاصة في سياق إقليمي شديد الحساسية، خصوصًا مع ما شهدته منطقة الخليج خلال 2026 من تصعيدات أمنية وضغوط على حركة الملاحة والتجارة والطاقة.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا ترتبط فقط بعلاقات دولتين جارتين على ضفتي الخليج، بل أيضًا بما يمكن أن يتركه أي تحسن أو توتر في هذا الملف على استقرار المنطقة الأوسع الممتدة من البحر الأحمر إلى الممرات البحرية الحيوية، وهي ملفات تتابعها القاهرة عن كثب بحكم ارتباطها المباشر بأمن الملاحة والتجارة الإقليمية.

ما الذي تؤكده الوقائع الرسمية حتى الآن؟

التحقق من البيانات الرسمية المتاحة يظهر أن خط الاتصال بين أبوظبي وطهران لم ينقطع خلال العام الجاري. ففي 30 يناير 2026، أجرى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وناقش الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها بما يخدم المصالح المشتركة، إلى جانب ملفات إقليمية ودولية مرتبطة بالأمن والاستقرار. كما شدد الجانب الإماراتي في ذلك الاتصال على دعم كل الجهود الرامية إلى تعزيز أمن المنطقة واستقرارها، مع التأكيد على الحوار والحلول الدبلوماسية.

ولم يتوقف الأمر عند مستوى القادة فقط. ففي 10 فبراير 2026 استضافت طهران الجولة الثانية من المشاورات السياسية بين وزارتي خارجية الإمارات وإيران، وترأست الجانب الإماراتي لانا نسيبة، وزيرة دولة، بينما ترأس الجانب الإيراني مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية. وبحسب البيان الإماراتي الرسمي، تناولت المحادثات ملفات ثنائية وإقليمية، وانتهت باتفاق على مواصلة التنسيق المنتظم وتفعيل لجان فنية مشتركة لتسريع تنفيذ الاتفاقات القائمة والبحث عن مجالات تعاون جديدة.

بين التهدئة السياسية والتعقيد الميداني

لكن صورة العلاقات ليست خطية أو مستقرة بالكامل. ففي 15 يونيو 2026 أكدت وزارة الخارجية الإماراتية أهمية تغليب الحوار والدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي عقب الإعلان عن تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، مع التشديد على احترام سيادة الدول وحسن الجوار وحماية الممرات البحرية وحرية الملاحة، بما في ذلك استمرار العبور في مضيق هرمز. هذا الموقف عكس رغبة إماراتية واضحة في إسناد أي مسار يحد من احتمالات الانفجار الإقليمي.

غير أن هذا المسار واجه اختبارًا جديدًا لاحقًا. ففي 19 أغسطس 2026 قالت عفراء الهاملي، مديرة إدارة الاتصال الاستراتيجي في وزارة الخارجية الإماراتية، إن جميع الأنشطة التجارية والتبادلات المالية مع إيران تم وقفها حتى إشعار آخر على خلفية التصعيد الإقليمي، مع تأكيد أبوظبي في الوقت نفسه التزامها بالحوار والتعاون والتكامل الإقليمي كوسائل أساسية لتحقيق الاستقرار. ويكشف ذلك أن الرسائل السياسية الإيجابية لا تلغي وجود خلافات عملية وأمنية ضاغطة على الأرض.

لماذا تبدو عبارة «طي صفحة الماضي» مهمة؟

تكمن أهمية تصريح بزشكيان في أنه يأتي من رئيس إيراني يقدم نفسه منذ وصوله إلى السلطة بوصفه مؤيدًا لنهج أكثر براغماتية في السياسة الخارجية. وخلال الأشهر الماضية، كرر في أكثر من مناسبة أهمية الحلول التفاوضية والدبلوماسية لتقليل التوترات، سواء في ملفات إيران مع القوى الكبرى أو مع محيطها الإقليمي. لذلك يمكن قراءة حديثه عن الإمارات باعتباره جزءًا من محاولة أوسع لإبراز استعداد إيراني لإعادة ترتيب العلاقات مع دول الجوار، ولو تدريجيًا.

ومن زاوية مصرية، فإن أي خفض فعلي للتوتر بين إيران والإمارات ستكون له دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية. فاستقرار الخليج ينعكس على أسواق الطاقة، وعلى حركة التجارة العابرة للممرات البحرية، وعلى مناخ الاستثمار في المنطقة، وهي ملفات تمس الاقتصادات العربية والأفريقية معًا، خصوصًا الدول المرتبطة بسلاسل الإمداد والشحن البحري.

ما الذي قالته أبوظبي مؤخرًا؟

حتى الآن، لا يظهر في البيانات الرسمية الإماراتية المنشورة خلال الأيام الأخيرة تأكيد مباشر لعبارة «اتفقنا على طي صفحة الماضي» بصياغتها نفسها. بل إن وزارة الخارجية الإماراتية أوضحت في 8 سبتمبر 2026 أنها لا تعلق على ما يُنشر إعلاميًا بشأن محادثات القادة، لكنها شددت على أن انخراط الإمارات منذ 7 أكتوبر 2023 كان موجهًا بصورة ثابتة نحو خفض التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع العنف. وهذا يعني أن أبوظبي تفضل تركيز رسالتها العلنية على مبادئ عامة: التهدئة، والدبلوماسية، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

هذا الفارق بين اللغة الإيرانية الأكثر مباشرة، واللغة الإماراتية الأكثر تحفظًا، ليس جديدًا في العلاقات الإقليمية. ففي كثير من الأحيان تُستخدم التصريحات السياسية لإرسال إشارات إيجابية من دون إعلان تفاهمات تفصيلية قبل نضجها الكامل. لذلك، فإن الحديث عن «فتح صفحة جديدة» يبدو في هذه المرحلة مؤشرًا سياسيًا أكثر منه إعلانًا عن اتفاق شامل أو نهائي.

أسماء الفاعلين في هذا المسار

  • مسعود بزشكيان، رئيس إيران، وهو الشخصية المحورية في التصريح محل الاهتمام.
  • محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، الذي ناقش مع بزشكيان في يناير سبل تعزيز العلاقات.
  • لانا نسيبة، وزيرة دولة إماراتية، قادت المشاورات السياسية في طهران خلال فبراير.
  • مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، وترأس الجانب الإيراني في تلك المشاورات.
  • عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، الذي استقبل لانا نسيبة خلال زيارتها لطهران.

هل نحن أمام اختراق حقيقي؟

الجواب الأقرب حتى الآن هو أن المشهد لا يزال في مرحلة اختبار النوايا. فهناك قنوات اتصال قائمة، ومشاورات سياسية موثقة، وتصريحات متبادلة عن أهمية الحوار. لكن في المقابل، توجد تطورات أمنية واقتصادية معقدة، من بينها ملف الملاحة في مضيق هرمز، والتصعيد الإقليمي، وقرار وقف التبادلات التجارية والمالية مع إيران حتى إشعار آخر.

وعليه، فإن توصيف المرحلة الحالية قد يكون: انفتاح سياسي حذر بلا تسوية كاملة بعد. وهي صيغة مألوفة في علاقات المنطقة، حيث تتقدم اللغة الدبلوماسية أحيانًا على الوقائع التنفيذية، بانتظار تبلور ظروف أكثر استقرارًا.

لماذا يهم هذا الملف القارئ في مصر وأفريقيا؟

رغم أن الخبر يدور حول الخليج، فإن تداعياته تمتد إلى المجالين العربي والأفريقي. فاستقرار طرق التجارة والطاقة ينعكس على اقتصادات شمال أفريقيا وشرقها، كما أن أي تهدئة في الخليج تخفف الضغوط على الإقليم الأوسع، بما في ذلك الدول المطلة على البحر الأحمر والمرتبطة بحركة الشحن العالمية. ومن هنا، فإن متابعة مسار العلاقات بين إيران والإمارات لا تظل شأنًا خليجيًا صرفًا، بل تصبح جزءًا من صورة أمنية واقتصادية أوسع تهم القارئ المصري ضمن تغطية القارة ومحيطها الاستراتيجي.

في المحصلة، يحمل تصريح بزشكيان رسالة واضحة: طهران تريد إظهار استعدادها لتجاوز التوتر مع أبوظبي. أما الترجمة العملية لهذه الرسالة فستظل مرتبطة بما إذا كانت اللقاءات السياسية والاتصالات الدبلوماسية ستنجح خلال الفترة المقبلة في تحويل لغة التهدئة إلى خطوات ملموسة على الأرض.