Akhbar Cairo

بزشكيان: لا نسعى لقنبلة نووية وواشنطن قادرة على وقف الحرب

بزشكيان يبعث برسائل مباشرة إلى واشنطن عبر مقابلة تلفزيونية

فتح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نافذة سياسية جديدة في توقيت إقليمي شديد الحساسية، بعدما أكد في مقابلة بُثت يوم 24 سبتمبر 2026 مع قناة فوكس نيوز أن طهران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأن فكرة القنبلة النووية «محرّمة» من منظورها السياسي والديني. وجاءت المقابلة بينما كانت التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة تتصدر أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال الأسبوع نفسه.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه التصريحات لا تتوقف عند حدود السجال الإيراني الأمريكي، بل تمتد إلى التأثير المباشر على أمن الإقليم كله، من الخليج إلى المشرق العربي، مروراً بحركة الملاحة والطاقة وأسعار النفط، وهي ملفات تنعكس سريعاً على اقتصادات المنطقة وأسواقها.

ماذا قال الرئيس الإيراني عن القنبلة النووية؟

خلال الحوار، سُئل بزشكيان بشكل مباشر عمّا إذا كانت إيران تريد قنبلة نووية، فجاء رده بالنفي القاطع، مؤكداً أن بلاده لا تتبنى هذا المسار أصلاً. كما أشار إلى أن الموقف الإيراني يستند، بحسب طرحه، إلى مرجعية دينية وسياسية ترفض تصنيع السلاح النووي، في محاولة لتثبيت الرواية الرسمية الإيرانية التي تقول إن البرنامج النووي مخصص لأغراض مدنية وسلمية.

اللافت أن بزشكيان لم يكتفِ بنفي السعي إلى السلاح النووي، بل تحدث أيضاً عن استعداد بلاده لقبول التحقق والرقابة على البرنامج النووي، وهي نقطة تحمل دلالة سياسية مهمة لأنها تعيد طرح مسألة التفتيش الدولي والثقة المتبادلة في وقت تتزايد فيه الشكوك الغربية بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم داخل إيران.

خلفية فنية: لماذا تثير نسبة 60% كل هذا الجدل؟

الجدل لا يدور فقط حول الخطاب السياسي، بل حول الوقائع التقنية أيضاً. فالتقارير الدولية خلال العامين الماضيين أشارت إلى أن إيران راكمت كميات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة مرتفعة كثيراً مقارنة بما تحتاجه محطات الطاقة المدنية التقليدية، وإن كانت لا تعني وحدها امتلاك سلاح نووي. ولهذا السبب تظل مسألة الشفافية والتفتيش عنصرين حاسمين في تقييم النوايا الإيرانية الحقيقية.

وفي هذا السياق، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد وثقت في تقاريرها الأخيرة استمرار التعقيدات المرتبطة ببرنامج إيران النووي، بما في ذلك المخزون المخصب ومستوى التعاون الفني المطلوب للتحقق. لذلك فإن تصريحات بزشكيان تُقرأ دولياً باعتبارها رسالة تهدئة سياسية، لكنها لا تُغني وحدها عن المعايير الفنية التي تطالب بها المؤسسات الدولية.

واشنطن «مطالبة بإنهاء الحرب»

الرسالة الثانية في المقابلة كانت أكثر ارتباطاً بالمشهد الإقليمي الأوسع. فقد حمّل بزشكيان الولايات المتحدة مسؤولية الدفع نحو وقف الحرب، معتبراً أن واشنطن تملك من النفوذ ما يكفي لتغيير مسار التصعيد. ووفق هذا الطرح، فإن استمرار المواجهة لا يرتبط فقط بحسابات ميدانية، بل أيضاً بقرار سياسي أمريكي يمكن أن يفتح الباب أمام التهدئة أو يترك المنطقة في دوامة نزاع مفتوح.

هذه النقطة تعكس ثبات الخطاب الإيراني في تحميل الولايات المتحدة جانباً كبيراً من مسؤولية التوتر في الشرق الأوسط، سواء عبر دعمها العسكري والسياسي لحلفائها أو عبر العقوبات والضغوط التي تعتبرها طهران سبباً مباشراً في تعثر مسارات التفاوض.

وفي موازاة المقابلة، ألقى بزشكيان كلمة أمام الأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2026، قال فيها إن إيران لا تنوي الاستسلام للضغوط، لكنها ما زالت تؤمن بإمكانية اللجوء إلى الدبلوماسية. هذا الربط بين رفض التراجع وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً يوضح أن طهران تحاول الجمع بين خطاب الصمود الداخلي ورسائل الانفتاح الخارجي في آن واحد.

بين الدبلوماسية والمواجهة: ماذا تريد طهران الآن؟

من متابعة التصريحات الأخيرة، يبدو أن الإدارة الإيرانية الحالية تسعى إلى تثبيت ثلاث رسائل متوازية: أولاً، نفي الرغبة في امتلاك قنبلة نووية؛ ثانياً، الإصرار على حق إيران في برنامج نووي سلمي؛ وثالثاً، التلويح بأن إنهاء الحرب يحتاج إلى تفاهم سياسي مع واشنطن لا إلى مزيد من الضغط العسكري فقط.

هذا الخطاب ليس جديداً بالكامل، لكنه يكتسب وزناً إضافياً لأن المتحدث هذه المرة هو رئيس الجمهورية نفسه، مسعود بزشكيان، الذي برز منذ توليه المنصب بوصفه وجهاً أكثر ميلاً للغة الدبلوماسية مقارنة ببعض الأصوات الأكثر تشدداً داخل بنية الحكم الإيراني. ولم أتمكن من التحقق بشكل موثوق من حساب إنستغرام رسمي موثق للرئيس الإيراني، لذا يرد اسمه هنا من دون إشارة حساب.

هل تمثل التصريحات تمهيداً لاتفاق جديد؟

من المبكر الجزم بذلك، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن طهران تريد على الأقل اختبار مساحة تفاوضية جديدة. حديث بزشكيان عن إمكان التحقق من البرنامج النووي، بالتزامن مع نفي السعي إلى السلاح النووي، ينسجم مع منطق البحث عن صيغة تفاهم تخفف الضغوط والعقوبات وتمنع اتساع الحرب.

مع ذلك، فإن فرص أي اختراق حقيقي ستظل مرتبطة بعوامل أكبر من مجرد التصريحات الإعلامية، منها: موقف الإدارة الأمريكية، ومجريات الحرب في المنطقة، ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكذلك حسابات إسرائيل الأمنية، وهي جميعاً ملفات متشابكة تجعل أي انفراجة محتملة بطيئة ومعقدة.

لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة العربية؟

بالنسبة لمصر والدول العربية، فإن أي تحول في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة ينعكس على ملفات حيوية تتجاوز السياسة المباشرة. من أبرز هذه الملفات:

  • أمن الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، وهو ملف شديد الأهمية للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
  • أسعار الطاقة، لأن تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران يدفع الأسواق غالباً إلى مزيد من القلق والتقلب.
  • استقرار الإقليم، خصوصاً في ظل ترابط ساحات النزاع في المشرق والخليج.
  • فرص التهدئة السياسية التي قد تفتح الباب أمام خفض الاحتقان في أكثر من ملف عربي متصل بالتوازنات الإقليمية.

ومن هذا المنظور، فإن تصريحات بزشكيان لا تُقرأ باعتبارها شأناً إيرانياً داخلياً فقط، بل كجزء من معادلة أوسع تمس المنطقة العربية كلها، بما فيها المصالح الاقتصادية والأمنية للدول المطلة على طرق التجارة والطاقة.

خلاصة المشهد

يمكن القول إن مقابلة بزشكيان الأخيرة وضعت رسالتين في صدارة النقاش: لا قنبلة نووية وفق الرواية الإيرانية الرسمية، وإنهاء الحرب يبدأ بقرار سياسي أمريكي. وبين هاتين الرسالتين، تحاول طهران تقديم نفسها طرفاً منفتحاً على التحقق والتفاوض، من دون أن تبدو متراجعة تحت الضغط.

لكن ما إذا كانت هذه التصريحات ستتحول إلى مسار عملي، فهذا أمر ستحدده الأسابيع المقبلة، خصوصاً مع استمرار التجاذب حول البرنامج النووي الإيراني وارتفاع حساسية المشهد الإقليمي. وحتى ذلك الحين، ستبقى كلمات بزشكيان مؤشراً مهماً على اتجاهات الخطاب الإيراني، لا دليلاً كافياً وحده على تغير نهائي في الوقائع على الأرض.