Akhbar Cairo

بزشكيان: واشنطن وتل أبيب أخفقتا بين الحرب والدبلوماسية

بزشكيان يرفع سقف الخطاب السياسي تجاه واشنطن وتل أبيب

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا من فرض أهدافهما على إيران، لا من خلال العمل العسكري ولا عبر الضغوط السياسية والدبلوماسية. ويأتي هذا الموقف في توقيت حساس تشهده المنطقة، بعد أشهر من المواجهات والتصعيد المتبادل، ثم محاولات احتواء الأزمة عبر صيغ تفاوضية لم تصل حتى الآن إلى تسوية نهائية أو مستقرة.

أهمية هذا التصريح لا تتوقف عند كونه ردًا سياسيًا من طهران، بل تمتد إلى كونه مؤشرًا على الطريقة التي تنظر بها القيادة الإيرانية إلى حصيلة المرحلة الماضية: حرب لم تنتج حسمًا واضحًا، ومسارات دبلوماسية لم تترجم إلى اتفاق شامل يعالج جذور الخلاف. وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذه الرسائل تعني أن الإقليم لا يزال بعيدًا عن الاستقرار الكامل، وأن احتمالات الشد والجذب بين القوة العسكرية والوساطة السياسية ما زالت مفتوحة.

ماذا قال بزشكيان وما دلالته؟

خطاب بزشكيان ينسجم مع مواقف إيرانية متكررة في الأشهر الأخيرة تؤكد أن طهران تعتبر نفسها صمدت أمام الضغوط، وأن خصومها لم ينجحوا في انتزاع ما يريدون بالقوة. كما سبق للرئيس الإيراني أن تحدث عن أولوية حماية الحقوق الوطنية عبر الحوار إذا كان ذلك ممكنًا، وهو ما يكشف أن طهران تحاول الجمع بين خطاب الصمود وخطاب الانفتاح المشروط على التفاوض.

هذه المعادلة مهمة؛ لأنها توضح أن إيران لا تعلن إغلاق باب الدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه تريد التفاوض من موقع ترى أنه أقوى مما كان عليه قبل المواجهة. ومن هنا تبدو تصريحات بزشكيان موجهة إلى أكثر من طرف: الداخل الإيراني لرفع المعنويات، والولايات المتحدة لتأكيد فشل الضغوط، وإسرائيل لإظهار أن الرهان على كسر الإرادة الإيرانية لم يؤت ثماره.

خلفية المشهد: حرب قصيرة وهدنة غير محسومة

خلال عام 2026، شهدت المنطقة مواجهة عسكرية حادة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، قبل إعلان وقف إطلاق نار مؤقت في 8 أبريل 2026 بعد نحو 40 يومًا من القتال. لكن هذا التوقف لم يتحول إلى سلام نهائي، بل إلى وضع أقرب إلى “لا حرب ولا سلم”، بحسب توصيفات تحليلية تداولتها دوائر سياسية وإعلامية عدة.

وفي الأسابيع التالية، ظهرت محاولات لإحياء التفاوض، بينها جولة بارزة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد بوساطة باكستانية وعلى خلفية اتصالات إقليمية أوسع. غير أن هذه الجهود لم تفضِ إلى اختراق حاسم، ما عزز الانطباع بأن ساحة الصراع انتقلت من الميدان إلى طاولة تفاوض غير مستقرة، من دون أن يُحسم جوهر الخلاف.

لماذا تقول طهران إن خصومها فشلوا؟

من وجهة النظر الإيرانية، فإن الفشل الأمريكي الإسرائيلي يتلخص في عدة نقاط. أولًا، لم تنتهِ المواجهة إلى تغيير سياسي جذري داخل إيران أو إلى فرض شروط استسلام سياسي. ثانيًا، لم تؤدِ الضربات والضغوط إلى إنهاء قدرة طهران على المناورة الدبلوماسية أو الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة. ثالثًا، ما زالت ملفات شائكة مثل البرنامج النووي، والصواريخ، والدور الإقليمي الإيراني، محل تفاوض ونزاع، وليست ملفات حُسمت لصالح طرف واحد.

في المقابل، لا يعني هذا أن إيران خرجت بلا كلفة؛ فالحرب أرهقت الاقتصاد وأعادت طرح أسئلة داخلية بشأن حدود المواجهة وجدوى التصعيد. لكن خطاب بزشكيان يركز بوضوح على أن الكلفة وحدها لا تعني نجاح الطرف الآخر في تحقيق أهدافه الاستراتيجية.

ماذا عن الموقف الأمريكي والإسرائيلي؟

في واشنطن وتل أبيب، لا يوجد خطاب واحد متطابق تمامًا بشأن حصيلة المرحلة الماضية. فقد برزت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على وجود نقاش داخل الولايات المتحدة حول حدود الانخراط في صراع مفتوح مع إيران، وحول ما إذا كانت بعض الأهداف الإسرائيلية تتطابق فعلًا مع الأولويات الأمريكية الأوسع في المنطقة.

كما أن الجدل لم يقتصر على العمل العسكري، بل امتد إلى الاتفاقات المرحلية والتفاهمات السياسية التي تلت الهدنة. بعض الأصوات رأت أن هذه التفاهمات لم تعالج بصورة كاملة برنامج الصواريخ الإيراني أو شبكة النفوذ الإقليمي لطهران، بينما اعتبرت أطراف أخرى أن البديل عن التفاهمات المؤقتة قد يكون العودة إلى دورة أكثر خطورة من التصعيد.

لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر؟

بالنسبة لمصر، فإن أي تصعيد أو تعثر في المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يتجاوز حدود الخبر السياسي المباشر. فاستقرار الشرق الأوسط يرتبط بممرات التجارة والطاقة وحركة الملاحة والتهدئة العامة في الإقليم، وكلها ملفات تمس الاقتصاد والأمن الإقليميين.

كما أن القاهرة تنظر تقليديًا إلى خفض التوترات الإقليمية باعتباره ضرورة لحماية استقرار المنطقة ومنع تمدد الأزمات. لذلك، فإن استمرار السجال بين منطق القوة ومنطق التفاوض يعني أن المنطقة لا تزال أمام مرحلة انتقالية غير محسومة، وهو ما يفرض متابعة دقيقة لأي تطورات تخص المفاوضات أو الترتيبات الأمنية الأوسع.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

بعد تصريح بزشكيان، تبدو الاحتمالات مفتوحة على أكثر من مسار:

  • استمرار التهدئة الهشة: أي بقاء وقف التصعيد قائمًا مع مناوشات سياسية وإعلامية من دون انفجار عسكري كبير.
  • عودة التفاوض المشروط: وهو السيناريو الذي تحاول بعض العواصم الإقليمية والدولية دفعه، خصوصًا إذا توافرت ضمانات متبادلة ولو بشكل جزئي.
  • التصعيد المحدود: إذا فشلت التفاهمات المرحلية أو شعر أي طرف بأن الوقت يعمل ضده.
  • تثبيت معادلة ردع جديدة: بحيث يقتنع الجميع بأن كلفة الحرب أعلى من مكاسبها، فيُعاد الاستثمار في القنوات السياسية.

خلاصة الموقف

تصريح مسعود بزشكيان بأن أمريكا وإسرائيل فشلتا في تحقيق أهدافهما بالحرب أو عبر الدبلوماسية ليس مجرد عبارة دعائية، بل هو تلخيص إيراني لمرحلة إقليمية معقدة لم تُنتج انتصارًا حاسمًا لأي طرف. فالمواجهة العسكرية توقفت من دون حسم كامل، والمسار التفاوضي تعثر من دون اتفاق نهائي، لتبقى المنطقة معلقة بين الردع والوساطة، وبين حسابات القوة ومقتضيات السياسة.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الملف الإيراني سيظل أحد أكثر ملفات العالم سخونة، ليس فقط بسبب ما يجري داخل حدود إيران، بل لأن ارتداداته تمتد إلى الخليج وشرق المتوسط وأسواق الطاقة وموازين النفوذ في الشرق الأوسط كله. ومن هنا، فإن أي تصريح يصدر من طهران أو واشنطن أو تل أبيب لا يُقرأ بمعزل عن معركة أكبر: من يملك القدرة على فرض شروط المرحلة التالية، ومن يضطر في النهاية للعودة إلى طاولة التفاوض بشروط جديدة.