Akhbar Cairo

بزشكيان يصعّد: مستقبل إيران يقرره شعبها لا الخارج

إيران تعيد تثبيت معادلة السيادة في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة

في ذروة التوتر بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، عاد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليؤكد أن مستقبل إيران يقرره شعبها، لا أي قوة خارجية. هذه الرسالة لم تأتِ في فراغ، بل ضمن سياق سياسي وعسكري أوسع يتسم بتبادل التحذيرات، واستمرار آثار الحرب والضغوط الاقتصادية والعقوبات، مع حديث متكرر من مسؤولين إيرانيين عن مخاطر تحول الاشتباك الحالي إلى حرب إقليمية واسعة.

ومن زاوية مصرية وعربية، لا تبدو هذه التصريحات مجرد كلام للاستهلاك الداخلي. فكل جولة تصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تنعكس سريعاً على أمن الملاحة، وأسعار النفط، وحسابات العواصم العربية، وفي مقدمتها القاهرة التي تراقب بحذر أي تهديد إضافي لاستقرار الشرق الأوسط.

ماذا قال بزشكيان؟

خلال الأشهر الماضية كرر بزشكيان، الذي تولى رئاسة إيران في 2024، خطاباً يقوم على فكرتين متلازمتين: الأولى أن بلاده تعرضت لضغوط وحروب وعقوبات متواصلة، والثانية أن القرار الإيراني يجب أن يبقى شأناً داخلياً لا يُفرض من الخارج. هذا الاتجاه ظهر بوضوح أيضاً في مواقف نُقلت عن مسؤولين إيرانيين في مارس 2026 شددت على أن الإيرانيين وحدهم هم من يحددون مستقبل دولتهم، وليس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو أي طرف آخر. كما عاد بزشكيان في يوليو 2026 للتأكيد على أن طهران لم تتراجع، بحسب وصفه، عن “حقوقها ومبادئها” في أي تفاهم مع واشنطن.

سياسياً، يحمل هذا الخطاب وظيفة مزدوجة: فهو من ناحية يعزز التماسك الداخلي في بلد تعرض لعقوبات طويلة الأمد، ومن ناحية أخرى يبعث برسالة ردع مفادها أن أي رهان خارجي على إعادة تشكيل السلطة في طهران لن يكون مقبولاً إيرانياً.

خلفية التصعيد: من الحرب إلى التفاهمات الهشة

المشهد الحالي لا يمكن فهمه بعيداً عن التطورات التي شهدها عام 2026، إذ تحدثت تغطيات دولية وإيرانية عن حرب بدأت أواخر فبراير 2026 بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، قبل أن تظهر لاحقاً مسارات تفاهم وتهدئة غير مستقرة. وخلال تلك الفترة، شدد بزشكيان مراراً على “الدفاع القوي” عن سيادة بلاده، بينما واصلت طهران خطابها القائل إن الضغوط العسكرية والاقتصادية لم تكسر قدرتها على الصمود.

وفي يونيو 2026، برزت تقارير عن مذكرة تفاهم بين طهران وواشنطن، لكنها لم تُنهِ الشكوك المتبادلة. بعض التغطيات أشارت إلى أن الاتفاق لم يحسم القضايا الأكثر حساسية، خصوصاً ما يتعلق بالعقوبات، وملف التخصيب النووي، وترتيبات الردع في الإقليم. لذلك تبدو لهجة بزشكيان التصعيدية جزءاً من تفاوض سياسي بالنار الباردة: أي التلويح بالقوة مع ترك الباب موارباً أمام التسويات.

تحذيرات العسكريين: لماذا يخيفهم سيناريو الحرب الإقليمية؟

الشق الأخطر في الرسائل الإيرانية لا يتعلق فقط بما يقوله الرئيس، بل بما يصدر عن المؤسسة العسكرية. فخطاب التحذير من حرب إقليمية اتخذ أكثر من صيغة خلال 2026، من بينها التهديد باتساع ساحة الرد إذا تعرضت إيران لهجوم، والتحذير من استخدام أراضي دول الجوار كمنصات لعمليات ضدها، فضلاً عن ربط أمن الخليج ومضيق هرمز مباشرة بمستوى التصعيد العسكري.

هذه ليست مبالغة دعائية فقط. فإيران تدرك أن أي صدام مفتوح لن يبقى داخل حدودها، لأن أدوات التأثير تمتد إلى الممرات البحرية، وشبكات الحلفاء، وأسواق الطاقة، والمجالين السيبراني والصاروخي. لذلك، حين يحذر مسؤول عسكري إيراني من انفجار إقليمي، فهو يوجه إنذاراً إلى واشنطن وتل أبيب، لكنه في الوقت نفسه يخاطب العواصم العربية التي لا تريد دفع ثمن حرب لا تتحكم في قرارها.

ماذا يعني ذلك لمصر والقارئ العربي؟

بالنسبة إلى مصر، لا تنفصل أزمة إيران عن الحسابات الأوسع لأمن المنطقة. أي اضطراب في مضيق هرمز أو الملاحة الإقليمية ينعكس فوراً على أسواق الطاقة العالمية، ومن ثم على تكلفة الاستيراد والتضخم وحركة التجارة. كما أن استمرار التصعيد يعمق حالة السيولة الأمنية في الشرق الأوسط، في وقت تحاول فيه القاهرة الحفاظ على مسارات التهدئة الإقليمية وتجنب انتقال الحرائق من ساحة إلى أخرى.

ومن المهم هنا الانتباه إلى أن مصر، بحكم موقعها وثقلها السياسي، تنظر عادة إلى أزمات الإقليم من زاوية الاستقرار الشامل لا من زاوية الاصطفافات الشعاراتية. لذلك فإن الرسائل الإيرانية، مهما بدت موجهة إلى واشنطن وتل أبيب، تبقى موضع متابعة عربية دقيقة: هل هي تمهيد لمواجهة أوسع، أم مجرد رفع لسقف التفاوض؟

بين الداخل الإيراني والخارج الأمريكي

بزشكيان، بوصفه وجهاً محسوباً على التيار الأقل تشدداً مقارنة ببعض مراكز القوة الأخرى في إيران، يحاول أن يوازن بين خطاب الصمود ومتطلبات إدارة دولة تحت الضغط. وقد أظهرت تقارير خلال 2026 أنه سعى إلى نفي وجود انقسام حاد داخل القيادة الإيرانية، في وقت كانت فيه طهران تواجه اختباراً وجودياً على المستويين العسكري والاقتصادي.

لكن المشكلة أن المسار الأمريكي نفسه لا يبدو مستقراً. فحتى مع الحديث عن تفاهمات أو رسائل غير مباشرة، ظل مناخ انعدام الثقة هو العنوان الأبرز. وهذا ما يفسر تمسك الرئيس الإيراني بخطاب السيادة الشعبية: إنه يرد على ضغوط الخارج، ويحصّن نفسه سياسياً في الداخل، ويرسل إشارة إلى خصومه بأن أي اتفاق لن يمر إذا ظهر كتنازل يمس كرامة الدولة.

إسرائيل في المعادلة: التصعيد كأداة ردع واستنزاف

في المقلب الآخر، تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأبرز في الإقليم، سواء عبر برنامجها النووي أو شبكات نفوذها الإقليمية. لذلك يصبح الخطاب الإيراني الصلب جزءاً من معادلة ردع متبادلة: طهران تريد إقناع خصومها بأن كلفة ضربها ستكون باهظة، بينما تريد إسرائيل والولايات المتحدة إبقاء الضغط قائماً لمنع إيران من تحويل الصمود إلى مكسب سياسي.

النتيجة أن المنطقة تعيش على حافة معادلة شديدة الخطورة: لا حرب شاملة محسومة، ولا سلام مستقر، بل سلسلة من التهديدات والاختبارات المتبادلة التي قد تنفجر بسبب خطأ حسابي أو ضربة تتجاوز السقف المتوقع.

قراءة أخيرة: هل هو خطاب حرب أم تفاوض؟

من منظور تحليلي، تبدو عبارة بزشكيان بأن مستقبل بلاده بيد شعبها أكثر من مجرد شعار سيادي. إنها عنوان لمرحلة إيرانية تحاول الجمع بين ثلاثة أمور في وقت واحد: منع الإملاءات الخارجية، وتثبيت الجبهة الداخلية، وتحسين شروط التفاوض. وكلما زاد الضغط الأمريكي والإسرائيلي، ارتفع منسوب هذا الخطاب.

لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن اللغة السياسية حين تتشبع بالمفردات العسكرية، تصبح أكثر قابلية للتحول إلى فعل. لذلك فإن السؤال الأهم عربياً ليس فقط ما إذا كانت إيران ستصعّد، بل ما إذا كانت القوى الكبرى والإقليمية ما تزال تملك هامشاً حقيقياً لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع. وحتى الآن، لا توجد إجابة مطمئنة.

  • خلاصة المشهد: طهران ترفع سقف رسائلها السيادية والعسكرية في آن واحد.
  • الدلالة السياسية: بزشكيان يحاول تثبيت شرعية القرار الداخلي الإيراني تحت الضغط.
  • الخطر الإقليمي: أي اتساع للصدام قد يطال الملاحة والطاقة وأمن المنطقة العربية.
  • الأهمية لمصر: استقرار الشرق الأوسط لم يعد ملفاً بعيداً، بل قضية تمس الاقتصاد والأمن مباشرة.