بزشكيان يهاجم إسرائيل ويدعو لوحدة إسلامية تمنع الانقسام
تصريحات بزشكيان: خطاب يتجاوز الإدانة إلى رسم معركة نفوذ
عاد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى توجيه اتهام سياسي مباشر لإسرائيل، معتبراً أن تل أبيب تراهن على نشر الفوضى وإثارة الخلافات داخل المنطقة، ومشدداً على أن الرد الأكثر فاعلية من وجهة نظره يتمثل في تعزيز وحدة الدول الإسلامية ومنع تحويل التباينات السياسية إلى صدامات مفتوحة. هذه الرسالة ليست معزولة عن السياق، بل تأتي ضمن خطاب إيراني متكرر يربط بين التوترات الإقليمية وبين ما تعتبره طهران مشروعاً إسرائيلياً لتفتيت مواقف دول الجوار وإضعاف أي تنسيق إسلامي أو إقليمي مستقل.
أهمية هذا النوع من التصريحات لا تكمن فقط في مضمونه الدعائي أو التعبوي، وإنما في توقيته أيضاً. فمنذ وصول بزشكيان إلى الرئاسة في 2024، حاول تقديم صورة أكثر انفتاحاً على الجوار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الثوابت الإيرانية التقليدية في ما يتعلق بإسرائيل، والملف الفلسطيني، ودور طهران في غرب آسيا. وتُظهر مواقف رسمية منشورة خلال 2025 و2026 أنه كرر أكثر من مرة فكرة أن الانقسامات بين الدول الإسلامية تصب في مصلحة خصوم المنطقة، وأن بلاده تريد علاقات حسن جوار مع الدول العربية.
لماذا تتكرر مفردات «الفوضى» و«الانقسام» في الخطاب الإيراني؟
سياسياً، تستخدم طهران هذه اللغة لربط الصراع مع إسرائيل بسؤال أوسع يتعلق ببنية الإقليم نفسه: هل يتجه الشرق الأوسط إلى تسويات تدريجية، أم إلى إعادة إنتاج محاور أكثر حدة؟ عندما يتحدث بزشكيان عن «إثارة الخلافات»، فهو لا يخاطب الداخل الإيراني فقط، بل يرسل إشارة إلى عواصم عربية وإسلامية مفادها أن الخصومة البينية تمنح إسرائيل هامش حركة أكبر، سواء على المستوى الأمني أو الدبلوماسي. هذا المعنى ظهر بوضوح في تقارير نقلت عن الرئاسة الإيرانية خلال اتصالات ولقاءات إقليمية، بينها ما نُشر في يونيو 2025 ومايو 2026 عن سعي الولايات المتحدة وإسرائيل، بحسب الرواية الإيرانية، إلى بث الشقاق بين الدول المسلمة.
لكن القراءة التحليلية تقتضي الانتباه إلى أن هذا الخطاب يخدم كذلك احتياجات إيرانية داخلية وخارجية معاً. داخلياً، يقدم السلطة في صورة المدافع عن الأمن القومي في مواجهة تهديد خارجي. وخارجياً، يمنح إيران مساحة لتحسين خطابها تجاه الجوار العربي، خصوصاً في اللحظات التي ترتفع فيها كلفة التصعيد العسكري على الجميع، من أسواق الطاقة إلى الملاحة والتجارة والاستثمار.
التصريح في سياق إقليمي شديد الحساسية
المنطقة خلال العامين الأخيرين لم تكن في حالة استقرار تسمح بالتعامل مع مثل هذه التصريحات باعتبارها مجرد مواقف خطابية. فالتوتر الإيراني-الإسرائيلي شهد محطات تصعيد متلاحقة، فيما عبّرت القاهرة بدورها عن قلق واضح من اتساع دائرة الصراع. وفي بيان رسمي للرئاسة المصرية بتاريخ 13 مارس 2026 بشأن اتصال بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني، أكدت مصر رفضها القاطع لاستهداف دول الخليج والأردن والعراق، مع الإعراب عن أسفها للتصعيد الراهن وقلقها من آثاره السلبية على استقرار المنطقة وشعوبها. كما أشار البيان إلى أن بزشكيان شدد خلال الاتصال على حرص بلاده على العلاقات الأخوية وحسن الجوار مع الدول العربية.
بالنسبة للقارئ المصري، هذه النقطة أساسية: مصر تنظر إلى استقرار الإقليم باعتباره أولوية أمن قومي، لا سيما في ظل ارتباط أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة، وأسعار الطاقة، والأزمات المحيطة من غزة إلى الخليج. لذلك فإن أي خطاب يدعو إلى الوحدة يظل محل اختبار عملي: هل يقود فعلاً إلى خفض التوتر، أم يبقى أداة في صراع سرديات بين أطراف إقليمية متنافسة؟
ما الذي يريده بزشكيان من الدول الإسلامية؟
من خلال تتبع تصريحاته المعلنة، يمكن استخلاص ثلاثة أهداف رئيسية من دعوته إلى الوحدة:
- أولاً: منع تشكل اصطفاف إقليمي واسع ضد إيران تحت ضغط المواجهة مع إسرائيل.
- ثانياً: إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة بوصفها القاسم السياسي المشترك الذي تستطيع طهران التحرك من خلاله خطابياً.
- ثالثاً: تقديم إيران باعتبارها طرفاً يدعو إلى حسن الجوار، حتى في لحظة تتبادل فيها المنطقة رسائل عسكرية شديدة الحدة.
هذا لا يعني بالضرورة أن جميع العواصم الإسلامية تقرأ الرسالة بالطريقة نفسها. فهناك فجوة واضحة بين لغة الوحدة وواقع الملفات الخلافية الممتدة من البرنامج النووي إلى نفوذ الجماعات المسلحة والتوازنات البحرية وأمن الحدود. ولهذا تبدو دعوة بزشكيان، رغم جاذبيتها النظرية، مرتبطة بقدرة طهران على ترجمة خطابها إلى سلوك يطمئن جيرانها بالفعل.
بين القاهرة وطهران: لماذا يهم هذا التطور مصر؟
من زاوية مصرية، لا تُقرأ تصريحات بزشكيان فقط بوصفها موقفاً من إسرائيل، بل كجزء من مشهد أوسع يتصل بإدارة الأزمات الإقليمية. القاهرة تاريخياً تدفع باتجاه خفض التصعيد، والحفاظ على سيادة الدول، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات مفتوحة متعددة الجبهات. وإذا كانت طهران تقول إن إسرائيل تراهن على الفوضى، فإن السؤال العملي بالنسبة لمصر هو: كيف يمكن تفادي هذه الفوضى من دون أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراع دائم بين المحاور؟
الإجابة المصرية التقليدية تميل إلى دعم الدولة الوطنية، ورفض المساس بأمن الدول العربية، وتفضيل التسويات السياسية على منطق الرسائل العسكرية. ومن هنا، فإن أي دعوة إلى «الوحدة الإسلامية» لا تكتسب وزناً حقيقياً إلا إذا اقترنت باحترام توازنات الجوار وتهدئة المسارات المشتعلة، وليس فقط بتبادل الاتهامات مع إسرائيل.
هل يفتح الخطاب باباً للتهدئة أم لمزيد من الاستقطاب؟
من الصعب الجزم بأن تصريحات بزشكيان تمثل انعطافة جديدة بحد ذاتها، لكنها تعكس بوضوح محاولة إيرانية مستمرة لإعادة صياغة المشهد على قاعدة أن مصدر الاضطراب الرئيسي هو إسرائيل، وأن العلاج يكمن في تقارب الدول الإسلامية. هذه الصياغة قد تجد صدى لدى قطاعات واسعة في المنطقة، خاصة مع استمرار الحرب في غزة واتساع الغضب الشعبي من السياسات الإسرائيلية، لكنها تظل ناقصة إذا لم تُجب عن أسئلة الأمن الإقليمي الأعمق.
في المحصلة، يمكن القول إن بزشكيان يحاول تثبيت معادلة سياسية واضحة: إسرائيل تستفيد من الانقسام، وإيران تعرض نفسها كداعية إلى التماسك. غير أن اختبار هذه المعادلة لن يكون في البلاغة السياسية، بل في سلوك القوى الإقليمية على الأرض، وفي قدرتها على تقليل ساحات الاشتباك لا توسيعها. وبالنسبة لمصر، فإن المعيار سيبقى ثابتاً: أي خطاب أو تحرك لا يصب في حماية استقرار الدول العربية واحتواء التصعيد، سيظل ناقص الجدوى مهما كانت قوته الإعلامية أو حضوره الرمزي.
خلاصة تحليلية
تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يعبر عن محاولة لالتقاط لحظة إقليمية شديدة الاضطراب وتوظيفها سياسياً عبر خطاب يدين إسرائيل ويدعو إلى وحدة إسلامية. غير أن نجاح هذا الخطاب يتوقف على مدى تحوله من رسالة سياسية إلى ممارسات تخفف الاحتقان فعلاً. وهنا تحديداً تكمن زاوية الاهتمام المصرية: ليس في حدة الكلام، بل في أثره على استقرار الشرق الأوسط وأمن شعوبه.