Akhbar Cairo

بعد حريق منشأة ناصر.. القاهرة تسرّع نقل الورش الخطرة

تحرك جديد في القاهرة بعد حريق منشأة ناصر

دفعت تداعيات حريق منشأة ناصر الأخير محافظة القاهرة إلى إعادة فتح ملف الورش والأنشطة الخطرة المنتشرة داخل الكتل السكنية، في خطوة تستهدف تقليل مخاطر الحرائق والانهيارات وحماية السكان. وأعلن الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، أن المحافظة تدرس نقل الورش والأنشطة التي تمثل خطورة من داخل المناطق المأهولة إلى مواقع مخصصة ومجهزة، تمهيدًا لبدء التنفيذ خلال الفترة المقبلة، وذلك بعد سلسلة حوادث كان أحدثها حريق منشأة ناصر في 30 يونيو 2026.

التحرك الجديد لا يبدو منفصلًا عن مسار أوسع تعمل عليه المحافظة منذ شهور، يقوم على إعادة تنظيم الأنشطة الحرفية والصناعية داخل العاصمة، خصوصًا في المناطق القديمة والمزدحمة التي لم تعد ملائمة لوجود ورش الأخشاب والدهانات والتخزين والأنشطة المرتبطة بمواد قابلة للاشتعال أو بمخاطر إنشائية مرتفعة.

ماذا جرى في حريق منشأة ناصر؟

الحريق الذي اندلع في منطقة الدمراني بحي منشأة ناصر بدأ داخل ورشة أخشاب أو نجارة في الدور الأرضي من عقار سكني، قبل أن يمتد ويتسبب في انهيار المبنى بالكامل أثناء أعمال الإطفاء، وفق ما أوردته تغطيات صحفية مصرية متطابقة. وأعقب الحادث تحرك ميداني من محافظ القاهرة، الذي كلف بتشكيل لجنة هندسية لمعاينة العقار المتضرر والعقارات المجاورة، إلى جانب توجيهات بسرعة إزالة آثار الركام بعد انتهاء المعاينات الفنية والجنائية.

وبحسب ما نُشر في الأيام التالية للحريق، تم كذلك توفير مساكن بديلة لـ7 أسر من المتضررين، في إجراء يعكس أن التعامل مع مثل هذه الوقائع لا يقتصر على الإطفاء والإنقاذ فقط، بل يمتد إلى الإيواء والفحص الهندسي ومراجعة طبيعة الأنشطة القائمة داخل الأحياء السكنية.

خطة المحافظة: نقل الورش من السكن إلى مناطق مجهزة

في أعقاب الحادث، أوضح محافظ القاهرة أن المحافظة تتجه إلى إعادة توزيع الورش ونقل الأنشطة الخطرة إلى مناطق مخصصة بعيدًا عن التجمعات السكنية، حفاظًا على الأرواح والممتلكات. ويأتي هذا الطرح في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تنظيم العلاقة بين النشاط الاقتصادي اليومي داخل الأحياء الشعبية وبين متطلبات السلامة العامة، خاصة في المناطق ذات الشوارع الضيقة والكثافة المرتفعة وصعوبة وصول سيارات الإطفاء والمعدات الثقيلة عند الطوارئ.

الفكرة الأساسية في هذا التوجه هي ألا تبقى الورش عالية الخطورة وسط العمارات السكنية، بل تُنقل إلى مجمعات حرفية تتوافر فيها بنية تحتية أفضل، ومساحات مناسبة، واشتراطات خاصة بالحريق والتهوية والتخزين والتشغيل. وهذا النوع من النقل، إذا نُفذ بصورة منظمة، قد يخفف من تكرار الحوادث ويمنح أصحاب الورش بيئة عمل أكثر استقرارًا من الوضع العشوائي القائم في بعض المناطق.

المجمع الحرفي في منشأة ناصر.. مشروع قائم على الأرض

اللافت أن الحديث عن نقل الورش لا يبدأ من الصفر. ففي 14 مارس 2026، تابع الدكتور أحمد العدل، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الغربية، معدلات التنفيذ في المجمع الحرفي بمنطقة شمال الحرفيين في منشأة ناصر. ووفق البيانات المنشورة، فإن المشروع يقام على مساحة تقارب 60 فدانًا، ويستهدف نقل الورش الموجودة في منطقة القاهرة التاريخية التي لا يتناسب استمرارها مع الطبيعة الأثرية والسياحية للمكان.

هذا الربط مهم، لأنه يشير إلى أن محافظة القاهرة تمتلك بالفعل نموذجًا أو بنية يمكن البناء عليها عند تنفيذ خطة نقل الورش من الأحياء السكنية. كما أن توجيه الأنشطة إلى مجمعات مخصصة قد يحقق هدفين في وقت واحد: رفع مستوى الأمان من جهة، وتحسين المشهد العمراني في المناطق التاريخية والسكنية من جهة أخرى.

لماذا أصبح الملف ملحًا الآن؟

تكرار الحرائق في بعض مناطق القاهرة، لا سيما تلك المرتبطة بالتخزين غير المنظم أو الورش المقامة أسفل العقارات أو داخل نسيج عمراني شديد الكثافة، جعل هذا الملف أكثر إلحاحًا. وفي منشأة ناصر نفسها، شهدت المنطقة أكثر من واقعة حريق خلال العام الجاري، من بينها حريق سابق في مساكن الحرفيين، وحريق آخر في منطقة الزرايب، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مدى التزام بعض المواقع باشتراطات السلامة والحماية المدنية.

ورغم اختلاف تفاصيل كل حادث، فإن القاسم المشترك بينها هو خطورة اختلاط النشاط الحرفي أو التخزيني بالمباني السكنية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأخشاب أو الكاوتش أو الخردة أو المواد سريعة الاشتعال. لذلك، فإن أي خطة جادة لنقل الورش لن تكون مجرد استجابة ظرفية لحادث بعينه، بل جزءًا من سياسة وقائية أوسع داخل العاصمة.

ماذا تحتاجه خطة النقل حتى تنجح؟

نجاح إعادة توزيع الورش داخل القاهرة لا يرتبط فقط بتخصيص أراضٍ أو إنشاء مجمعات جديدة، بل يحتاج إلى مجموعة من العناصر العملية:

  • حصر دقيق للورش والأنشطة الخطرة داخل الأحياء السكنية، مع تصنيفها حسب درجة الخطورة.
  • توفير بدائل حقيقية قريبة نسبيًا من نطاق عمل أصحاب الورش، حتى لا يتحول النقل إلى عبء اقتصادي يدفع البعض للعودة إلى العمل غير الرسمي.
  • تيسيرات إجرائية وتمويلية للانتقال، تشمل التراخيص والمرافق ورسوم التشغيل.
  • رقابة مستمرة على الورش التي ستبقى داخل الكتل السكنية إذا كانت من الأنشطة منخفضة الخطورة.
  • تطبيق صارم لاشتراطات الحماية المدنية في المواقع الجديدة والقديمة على حد سواء.

كما أن إشراك أصحاب الورش في التخطيط والتنفيذ سيكون عنصرًا حاسمًا، لأن نجاح الفكرة يعتمد في النهاية على قدرتها على التوفيق بين السلامة العامة واستمرار النشاط الاقتصادي لمئات الأسر التي تعيش على هذه الحرف.

بين السلامة والتنظيم العمراني

لا تنفصل خطة نقل الورش عن رؤية أوسع لتطوير القاهرة، خاصة مع استمرار العمل على تحسين المناطق غير المخططة ورفع كفاءة الأحياء المحيطة بالمواقع التاريخية والسياحية. وكانت المحافظة قد أكدت في أكثر من مناسبة أن التطوير يجب ألا يضر المواطنين، بل يستهدف تحسين جودة الحياة والخدمات والمظهر الحضاري.

ومن هذا المنطلق، تبدو إعادة توزيع الورش خطوة تتجاوز رد الفعل السريع على حريق منشأة ناصر، لتصبح اختبارًا لقدرة الإدارة المحلية على معالجة واحد من أكثر الملفات تعقيدًا في العاصمة: كيف يمكن الحفاظ على النشاط الحرفي، وهو جزء أصيل من اقتصاد القاهرة، من دون أن يبقى مصدر تهديد يومي للأسر التي تسكن فوقه أو بجواره؟

المرحلة المقبلة

حتى الآن، ما أُعلن هو أن الملف قيد الدراسة تمهيدًا للتنفيذ، لكن وجود مشروعات قائمة مثل المجمع الحرفي في منشأة ناصر يمنح الخطة أرضية عملية يمكن الانطلاق منها. ومع حساسية المشهد بعد حريق 30 يونيو، ستتجه الأنظار إلى الخطوات التنفيذية: متى يبدأ النقل؟ وما هي الأنشطة التي ستُعطى أولوية؟ وكيف ستتعامل المحافظة مع الورش المخالفة داخل المناطق الأكثر ازدحامًا؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت القاهرة بصدد تحول فعلي في إدارة ملف الورش الخطرة، أم مجرد معالجة مؤقتة لآثار حادث مأساوي جديد. لكن المؤكد أن ما جرى في منشأة ناصر أعاد التأكيد على حقيقة باتت صعبة التجاهل: السلامة داخل العاصمة لم تعد تحتمل بقاء الأنشطة الخطرة وسط البيوت بنفس الصورة القديمة.