بعد 6 أشهر من التصعيد.. هل انتزعت إيران زمام المبادرة؟
مواجهة مفتوحة بإيقاع متبدل
بعد نحو ستة أشهر على اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد السؤال في المنطقة العربية، ولا سيما في دوائر المتابعة السياسية بالقاهرة، مقتصرًا على من يملك القوة العسكرية الأكبر، بل بات يدور حول الطرف القادر على فرض توقيت التصعيد والتهدئة. فالمشهد حتى مطلع أغسطس 2026 يكشف أن واشنطن ما زالت تحتفظ بأدوات نارية واقتصادية هائلة، لكن طهران نجحت في أكثر من محطة في دفع الصراع إلى ساحات تختارها هي، أو على الأقل في جعل كلفة القرار الأمريكي أعلى وأكثر تعقيدًا.
أحدث المؤشرات على هذا التحول النسبي جاء مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إرجاء ضربة جديدة ضد إيران، بعدما قال إن مفاوضات متجددة قد تفتح بابًا لخفض التصعيد، وإن حلفاء خليجيين حثوا واشنطن على التريث. هذا التطور مهم لأنه يعكس أن القرار العسكري الأمريكي لم يعد يتحرك في فراغ، بل أصبح مرتبطًا بحسابات إقليمية تتعلق بأمن الخليج، وأسواق الطاقة، وخطر اتساع الحرب إلى جبهات إضافية.
كيف بدأت هذه الدورة من الحرب؟
البيت الأبيض أعلن في مارس 2026 إطلاق عملية عسكرية واسعة ضد إيران تحت اسم Operation Epic Fury، قبل أن تؤكد الإدارة الأمريكية لاحقًا في أبريل دخول وقف لإطلاق النار حيز التنفيذ مع إعادة فتح مضيق هرمز، ثم جرى توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين في 17 يونيو 2026. لكن هذا المسار لم يصمد طويلًا؛ إذ عادت الضربات المتبادلة في يوليو، وسط اتهامات متبادلة بخرق التفاهمات وتهديد أمن الملاحة.
ومن زاوية عربية، تبدو أهمية هذه التطورات مضاعفة لأن أي اهتزاز في مضيق هرمز أو الممرات المتصلة به ينعكس مباشرة على اقتصادات المنطقة، وعلى أسعار النفط والشحن والتأمين. وقد أظهرت تقارير حديثة أن الأسواق تفاعلت فورًا مع قرار ترامب تأجيل ضربات جديدة، إذ تراجعت أسعار النفط مع تنامي التوقعات بإمكانية استئناف التفاوض بدلًا من الذهاب إلى جولة أوسع من المواجهة.
أين ربحت إيران سياسيًا وعسكريًا؟
رغم الضربات القاسية التي تقول واشنطن إنها استهدفت بها القدرات الإيرانية، فإن طهران استطاعت الحفاظ على عنصرين أساسيين. الأول هو القدرة على الرد غير المتماثل، سواء عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عبر الضغط على المجال البحري الحيوي في الخليج. والثاني هو إبقاء الولايات المتحدة في حالة استنفار مستمر، بما يفرض على واشنطن توزيع مواردها بين الردع العسكري، وحماية القواعد، وتأمين السفن، وطمأنة الشركاء الإقليميين.
في هذا السياق، تحدثت تقارير عن هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ طالت أهدافًا مرتبطة بالمصالح الأمريكية في العراق والمنطقة، كما أشير إلى استهدافات مرتبطة بحركة الملاحة في محيط هرمز. وحتى عندما ترد الولايات المتحدة بقوة، فإن طبيعة هذه الجولة من الحرب توحي بأن إيران تراهن على إطالة أمد الاستنزاف بدلًا من حسم تقليدي سريع، وهي معادلة تمنحها مساحة للمناورة السياسية.
لكن هل يعني ذلك أن طهران تمسك بالمبادرة كاملة؟
الإجابة الأقرب إلى الدقة هي: ليس بالكامل. فالولايات المتحدة ما زالت قادرة على إلحاق أضرار كبيرة ومباشرة، وتواصل استخدام العقوبات كذراع موازية للعمل العسكري. وزارة الخارجية الأمريكية كانت قد أعلنت في 25 فبراير 2026 حزمة عقوبات استهدفت شبكات مرتبطة بتوريد الأسلحة لإيران، إلى جانب سفن قالت واشنطن إنها جزء من “الأسطول السري” المستخدم في نقل النفط الإيراني ومنتجاته. هذا يعني أن الضغط على طهران ليس عسكريًا فقط، بل مالي وتجاري أيضًا.
كذلك، تصر الإدارة الأمريكية على أن الضربات السابقة أضعفت قدرات إيرانية حساسة ودفعت طهران إلى القبول بوقف إطلاق النار ثم التوقيع على تفاهم يونيو. ومن هنا، ترى واشنطن أن أي حديث عن تفوق إيراني كامل يتجاهل حقيقة أن إيران تفاوض تحت ضغط مكثف، وأن هامشها الاقتصادي لا يزال ضيقًا بفعل العقوبات والاضطراب الإقليمي.
دور الخليج.. العامل العربي الأكثر تأثيرًا
اللافت في التطورات الأخيرة أن دول الخليج لم تعد مجرد ساحة تتأثر بالتوتر، بل تحولت إلى طرف مؤثر في إدارة إيقاع الأزمة. فقد نقلت تقارير أن قطر والسعودية والإمارات دفعت باتجاه تجنب ضربة أمريكية جديدة، وهو ما أقر به ترامب نفسه. هذه النقطة شديدة الأهمية بالنسبة للقارئ المصري، لأنها تؤكد أن الأمن الإقليمي العربي لم يعد منفصلًا عن حسابات الحرب، بل صار أحد محددات القرار في واشنطن وطهران معًا.
كما أن أي توسع في الحرب يهدد بإعادة خلط ملفات أخرى في الشرق الأوسط، من العراق إلى البحر الأحمر، مرورًا بأسواق الطاقة التي تتابعها القاهرة والعواصم العربية عن كثب. ولهذا فإن ما يبدو مواجهة أمريكية إيرانية ثنائية، هو في الحقيقة اختبار يومي لقدرة الإقليم على منع انتقال النيران إلى ساحات عربية إضافية.
من يحدد الإيقاع الآن؟
حتى تاريخ 3 أغسطس 2026، يمكن القول إن إيران نجحت في منع الولايات المتحدة من تحويل تفوقها العسكري إلى حسم سياسي سريع. وهذا في حد ذاته مكسب لطهران. لكنها، في المقابل، لم تنجح في كسر ميزان الردع الأمريكي أو في فرض تسوية نهائية بشروطها. النتيجة الحالية هي معادلة وسط: واشنطن تملك القوة الأثقل، لكن طهران أظهرت قدرة واضحة على المناورة، والرد، ورفع كلفة أي اندفاعة عسكرية جديدة.
الأرجح أن زمام المبادرة لم يعد حكرًا كاملًا على طرف واحد. فحين تؤجل واشنطن ضربة واسعة بانتظار التفاوض، تبدو إيران وكأنها فرضت إيقاعًا معينًا. وحين تعود الولايات المتحدة إلى القصف والعقوبات وتعيد ترتيب شروط اللعبة، تستعيد هي زمام التأثير. لذلك فإن الوصف الأدق في هذه المرحلة هو أن المبادرة باتت متنازعًا عليها، وأن ساحة الحسم الحقيقية لم تعد فقط في السماء أو البحر، بل في المسافة الفاصلة بين الصاروخ وطاولة التفاوض.
خلاصة المشهد
- إيران أظهرت قدرة على الاستنزاف ورفع كلفة الحرب على خصومها.
- الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بالتفوق العسكري وأدوات العقوبات والردع.
- الخليج العربي أصبح عاملًا مباشرًا في ترجيح كفة التهدئة أو التصعيد.
- مضيق هرمز يظل العقدة الأكثر حساسية في أي جولة قادمة.
- المبادرة ليست مستقرة؛ بل تنتقل مؤقتًا وفقًا للميدان والوساطة والضغط الاقتصادي.
وبالنسبة للمنطقة العربية، فإن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في سؤال من انتصر تكتيكيًا، بل في احتمال أن يتحول هذا الصراع الطويل إلى نمط دائم من التصعيد المتقطع، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي، والتجارة، والطاقة، وأمن الممرات البحرية التي تمس العالم العربي من الخليج إلى البحر الأحمر.