بغداد تسعى لدى واشنطن لاستئناف الرحلات الجوية مع إيران
بغداد تبحث مخرجاً مع واشنطن لإعادة فتح المسار الجوي مع إيران
دخلت بغداد في اتصالات مع الولايات المتحدة لبحث استثناءات أو ترتيبات تشغيلية يمكن أن تسمح بعودة الرحلات الجوية بين العراق وإيران، بعد تعليقها على خلفية تشديد العقوبات الأمريكية على قطاع الطيران الإيراني. وتأتي هذه التحركات في توقيت حساس بالنسبة للعراق، الذي يرتبط مع إيران بحركة سفر كثيفة تشمل الزوار والمسافرين لأغراض دينية وتجارية وعائلية، فضلاً عن الاعتماد على مطارات رئيسية مثل مطار بغداد الدولي ومطار النجف الأشرف الدولي في استقبال جزء مهم من هذه الحركة.
وتشير المعطيات المتاحة حتى 25 سبتمبر/أيلول 2026 إلى أن تعليق الرحلات جاء مع دخول تعليمات مرتبطة بالعقوبات الأمريكية الأوسع على الطيران الإيراني حيّز التنفيذ، في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام عراقية عن التزام وزارة النقل العراقية بهذه التعليمات، بينما كانت إدارة المطارات العراقية قد نفت قبل أيام وجود قرار شامل بوقف الرحلات، ما يعكس سرعة تطور الموقف خلال أسبوع واحد فقط.
ما الذي تغيّر في العقوبات الأمريكية؟
التحول الأبرز جاء من وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC، اللذين أعلنا في سبتمبر/أيلول 2026 إجراءات جديدة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني. ووفق البيانات الرسمية، تم تعليق رخصة عامة كانت تسمح بإعادة تصدير بعض الطائرات المدنية إلى إيران على أساس مؤقت، كما شملت الإجراءات شركات طيران إيرانية منها ماهان إير وسبهران ضمن حملة أوسع قالت واشنطن إنها تستهدف الشبكات الداعمة للطيران الإيراني. وفي يوليو/تموز 2026 شددت الخزانة الأمريكية أيضاً على أن أي دعم مالي أو لوجستي أو تجاري لـماهان إير قد يعرّض المتعاملين لمخاطر عقوبات.
عملياً، لا تعني هذه الإجراءات مجرد قرار سياسي بعيد، بل تفرض تحديات مباشرة على المطارات وشركات المناولة والخدمات الأرضية وشركات الطيران المتعاملة مع الرحلات الإيرانية. تقارير عراقية محلية أفادت بأن بعض شركات المناولة العاملة في المطارات العراقية أوقفت تقديم خدماتها للرحلات الإيرانية خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية، وهو ما ساهم في تعطيل التشغيل حتى قبل صدور أي حلول بديلة.
لماذا يمثل الملف أولوية لبغداد؟
الأهمية العراقية لهذا المسار لا تتعلق فقط بالسفر الاعتيادي، بل أيضاً بالمواسم الدينية الكبرى. فالعراق يستقبل أعداداً كبيرة من الزوار الإيرانيين سنوياً، ولا سيما خلال الزيارات المليونية إلى النجف وكربلاء. وفي يوليو/تموز 2026 أعلنت اللجنة العليا للزيارات المليونية في العراق الاتفاق مع الجانب الإيراني على تفويج 2000 زائر في الساعة عبر منفذ المنذرية، كما سُمح بدخول حافلات إيرانية لنقل الزائرين إلى المدن المقدسة، ما يوضح حجم الطلب على وسائل النقل بين البلدين سواء براً أو جواً.
ومن زاوية مصرية تهم القارئ المحلي، فإن أي اضطراب في هذا الملف لا يبقى شأناً ثنائياً صرفاً بين بغداد وطهران، بل يمس حركة السفر الديني والعبور الإقليمي في المشرق، ويؤثر على كثافة التشغيل في مطارات عراقية تُستخدم كنقاط وصل مهمة داخل المنطقة. كما أن استمرار التعليق قد يدفع بمزيد من الضغط على المنافذ البرية، التي أظهرت بدورها هشاشة أمام التوترات الأمنية؛ إذ أعلنت هيئة المنافذ الحدودية العراقية في أبريل/نيسان 2026 توقف حركة التجارة والمسافرين مؤقتاً في منفذ الشلامجة بعد استهداف طال قاعة المسافرين.
النجف وبغداد في قلب الأزمة التشغيلية
الملف لا يخص مطار بغداد وحده، وإن كان الأكثر شهرة وتأثيراً، بل يمتد أيضاً إلى مطار النجف الأشرف الذي يمثل بوابة رئيسية للزوار القادمين من إيران. وكانت إدارة مطار النجف قد أعلنت في 26 أبريل/نيسان 2026 استئناف استقبال أولى الرحلات الإيرانية القادمة من طهران بعد توقف استمر أكثر من 59 يوماً، مع الإشارة إلى عودة رحلات شركات مثل إيران إير ومعراج تدريجياً. لكن هذا التعافي عاد ليتعرض لاختبار جديد مع التطورات المرتبطة بالعقوبات الأمريكية في سبتمبر/أيلول الجاري.
أما في بغداد، فقد أعلنت إدارة مطار بغداد الدولي في مايو/أيار 2026 أن نسبة التشغيل ارتفعت إلى نحو 90%، مع عمل قرابة 30 شركة طيران في المطار وعودة تدريجية لعدد من الشركات الدولية والإقليمية. هذا يعني أن أي تعطيل جديد للرحلات المتجهة إلى إيران أو القادمة منها لا يحدث في مطار هامشي، بل في واحد من أهم مراكز الحركة الجوية في العراق.
ما الذي تريده بغداد من واشنطن؟
بحسب مسار التطورات، يبدو أن الهدف العراقي ليس تحدي العقوبات الأمريكية بشكل مباشر، بل البحث عن صيغة استثناء أو آلية امتثال تسمح بإعادة جزء من الحركة الجوية من دون تعريض المطارات العراقية أو شركات الخدمات العاملة فيها للعقوبات الثانوية. هذا قد يشمل ترتيبات مرتبطة بأسماء شركات محددة، أو بخدمات المناولة، أو بفترات سماح مؤقتة، أو بإعادة تنظيم الرحلات عبر شركات غير مشمولة بالعقوبات، إذا توافرت مثل هذه الإمكانية قانونياً. وهذه قراءة تحليلية تستند إلى طبيعة العقوبات الأمريكية على الطيران الإيراني وآثارها التشغيلية على الأطراف الثالثة.
حتى الآن، لم تصدر تفاصيل رسمية عراقية كاملة تكشف شكل المقترح المقدم إلى الجانب الأمريكي أو الجدول الزمني المتوقع لحسمه. لكن المؤكد أن بغداد تواجه معادلة دقيقة: الحفاظ على انسياب السفر والزيارات، وفي الوقت نفسه تجنب تعريض مطاراتها وشركاتها لخطر عقوبات قد تمتد إلى التعاملات المالية والخدمية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
- استثناء محدود ومؤقت: وهو السيناريو الأكثر واقعية إذا قبلت واشنطن ترتيبات تشغيلية تضبط الرحلات لفترة انتقالية.
- استمرار التعليق: ما يعني انتقال مزيد من الضغط إلى المنافذ البرية، مع ما يرافق ذلك من تحديات لوجستية وأمنية.
- إعادة هيكلة التشغيل: عبر شركات وخدمات لا تقع ضمن نطاق العقوبات، إذا أمكن قانونياً وعملياً. وهذا يظل احتمالاً مرهوناً بتفاصيل الامتثال الأمريكية.
بالنسبة للقارئ المصري، تبرز هذه الأزمة بوصفها مثالاً واضحاً على كيف يمكن للعقوبات الدولية أن تتحول من قرار سياسي إلى أزمة نقل إقليمي تمس ملايين المسافرين بشكل غير مباشر. كما تكشف عن موقع العراق الحساس بين ضغوط واشنطن وعمق ارتباطه الجغرافي والديني والاقتصادي بإيران.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المحادثات العراقية الأمريكية، يبقى السؤال الأساسي: هل تنجح بغداد في انتزاع مساحة حركة تُبقي خطوط الطيران مع إيران مفتوحة جزئياً، أم أن القيود الأمريكية الجديدة ستفرض واقعاً أطول أمداً على واحد من أكثر المسارات الجوية حساسية في المنطقة؟ المؤشرات الحالية تؤكد أن القرار لن يكون فنياً فقط، بل سيحمل وزناً سياسياً وإقليمياً يتجاوز المطارات إلى توازنات أوسع في الشرق الأوسط.