Akhbar Cairo

بقائي يهاجم واشنطن ويتهمها بصناعة «عدو وهمي»

تصعيد جديد في خطاب طهران تجاه واشنطن

عاد اسم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إلى واجهة المشهد السياسي في المنطقة بعد تصريحات اتهم فيها الإدارة الأمريكية باستخدام فكرة «عدو وهمي» لتخويف المواطنين داخل الولايات المتحدة وصرف الانتباه عن أزمات يعتبرها ناتجة عن سياسات المؤسسة الحاكمة هناك. ويأتي هذا الخطاب في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع استمرار التوتر بين طهران وواشنطن وتداخل ملفات الأمن البحري والبرنامج النووي والتوازنات العسكرية في غرب آسيا.

وبحسب ما نُشر في تقارير متقاطعة خلال الأيام الأخيرة، قال بقائي إن مسؤولين أمريكيين يلجأون إلى تضخيم تهديدات متخيلة من أجل تعبئة الرأي العام الأمريكي، في حين أن الخطر الحقيقي، وفق روايته، ينبع من السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة نفسها. هذا الطرح ليس جديدا بالكامل في الخطاب الإيراني، لكنه يعكس مستوى أعلى من الحدة في التوصيف السياسي، خاصة بعد شهور من السجال حول التفاوض غير المباشر والردع العسكري ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.

من هو إسماعيل بقائي؟

يشغل إسماعيل بقائي منصب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، وبرز خلال 2026 باعتباره واحدا من أبرز الأصوات الرسمية التي تتناول علاقات إيران مع الولايات المتحدة والغرب. كما أظهر حضورا متكررا في المؤتمرات الصحفية والردود المتعلقة بالمفاوضات والضغوط الغربية والملفات الإقليمية. وتوضح تغطيته الإعلامية خلال الأشهر الماضية أنه أصبح أيضا جزءا من واجهة الرسائل الإيرانية الموجهة للخارج، وليس مجرد ناقل لمواقف الوزارة.

سياق التصريحات: أزمة ثقة ممتدة

تأتي تصريحات بقائي في سياق أزمة ثقة عميقة بين طهران وواشنطن. ففي يونيو 2026، قال المتحدث الإيراني إن المشكلة الأساسية في التفاوض مع الولايات المتحدة تكمن في تغير المواقف الأمريكية وتناقضها، معتبرا أن ذلك يجعل أي مسار تفاوضي مرهقا وغير مضمون النتائج. ثم تكررت خلال يوليو وأكتوبر مواقف إيرانية تشدد على أن واشنطن لا تلتزم بالتفاهمات بالشكل الذي تريده طهران، سواء في الملف النووي أو في الترتيبات المرتبطة بمضيق هرمز.

ومن زاوية أوسع، فإن اللغة المستخدمة من جانب الخارجية الإيرانية خلال 2026 ارتبطت بسلسلة من التطورات الميدانية والسياسية، من بينها توترات بحرية في الخليج، ونقاشات حول حرية الملاحة، وتبادل اتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد العسكري. وفي هذا الإطار، قالت وسائل إعلام إيرانية رسمية إن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يمثل سببا رئيسيا لعدم الاستقرار، وهو توصيف تكرر في بيانات وتصريحات رسمية متعددة خلال العام نفسه.

ماذا تقصد طهران بـ«العدو الوهمي»؟

المقصود من العبارة، وفق القراءة السياسية للتصريحات الإيرانية، هو اتهام الإدارة الأمريكية بصناعة صورة تهديد خارجي دائم، تُستخدم داخليا لتبرير سياسات الأمن القومي والإنفاق العسكري وحشد التأييد الشعبي. وفي الحالة الإيرانية، ترى طهران أن اسمها يُستدعى باستمرار داخل النقاش الأمريكي بوصفه تهديدا جاهزا، سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي أو أمن الملاحة البحرية.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه التصريحات لا تتوقف عند بعدها الدعائي، بل تمتد إلى أثرها العملي على الإقليم كله. أي تصعيد لفظي بين إيران والولايات المتحدة ينعكس عادة على ملفات حساسة تمس المنطقة العربية مباشرة، مثل أمن البحر الأحمر والخليج، ومسارات الطاقة، وأسعار الشحن والتأمين، فضلا عن الحسابات الأمنية للدول العربية التي تسعى إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

الزاوية العربية والمصرية

في مصر، يظل استقرار الإقليم أولوية ثابتة في الخطاب الرسمي، خصوصا في ما يتعلق بخفض التصعيد وصون سيادة الدول العربية وحماية الملاحة الدولية. وكانت الرئاسة المصرية قد استقبلت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في سبتمبر 2025، في مؤشر على وجود قنوات اتصال سياسية بين القاهرة وطهران. كما أعلنت وزارة الخارجية المصرية في يونيو 2025 اتصالا بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظيره الإيراني، مع تأكيد مصري على ضرورة عدم المساس بسيادة دول الخليج والالتزام بمبدأ حسن الجوار.

هذا المعطى مهم لأن السجال الإيراني الأمريكي لا يبقى محصورا في حدود البلدين. فعندما تتحدث طهران عن الأمن البحري أو عن التهديدات الأمريكية، فإن صدى ذلك يصل إلى العواصم العربية كافة، ومنها القاهرة، بحكم ارتباط الأمن الإقليمي بحركة التجارة والطاقة والاستقرار السياسي. ومن هنا، تُقرأ تصريحات بقائي في المنطقة العربية باعتبارها جزءا من معركة الرسائل بقدر ما هي تعبير عن أزمة استراتيجية مستمرة.

بين الرسائل الداخلية والخارجية

تصريحات بقائي تبدو موجهة إلى أكثر من جمهور في الوقت نفسه. داخليا، تخاطب الرأي العام الإيراني عبر التأكيد أن الضغط الخارجي يستند إلى سردية أمريكية مفتعلة. وخارجيا، تسعى إلى نزع الشرعية عن الخطاب الأمريكي الذي يقدم إيران باعتبارها مصدر تهديد مزمن. وفي الإقليم، تحاول طهران إظهار نفسها طرفا يربط التوتر بالسياسات الأمريكية لا بالسياسات الإيرانية.

لكن في المقابل، فإن هذا النوع من التصريحات يعكس أيضا محدودية فرص الانفراج السريع. فحين ترتفع نبرة التخاطب إلى هذا المستوى، يصبح من الأصعب سياسيا على الطرفين تقديم تنازلات علنية أو بناء مسار تفاوضي مستقر، حتى لو استمرت الاتصالات غير المباشرة عبر وسطاء. ولهذا يراقب متابعون في المنطقة أي تحول في لغة البيانات الرسمية الصادرة من طهران وواشنطن باعتباره مؤشرا على اتجاهات المرحلة المقبلة.

ما الذي يمكن ترقبه؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على تبدل جوهري في مسار العلاقة بين الجانبين. فالتصريحات الصادرة في أكتوبر 2026 تظهر استمرار الخلاف حول أولويات التفاوض، بينما تواصل طهران التشديد على قضايا مثل السيادة والأمن البحري ورفض الضغوط الغربية. وفي المقابل، يبقى الملف الإيراني جزءا ثابتا من النقاش السياسي والأمني في الولايات المتحدة، خصوصا مع حساسيته تجاه قضايا النووي والإقليم والممرات البحرية.

المحصلة أن اتهام واشنطن باستخدام «عدو وهمي» ليس مجرد عبارة عابرة في مؤتمر صحفي، بل رسالة سياسية مكثفة تختصر طبيعة العلاقة المتأزمة بين البلدين في هذه المرحلة. وبالنسبة للمنطقة العربية، فإن متابعة هذا السجال تظل ضرورية، لأن تداعياته لا تتوقف عند حدود الخطاب، بل تمتد إلى معادلات الأمن والاستقرار في محيط عربي شديد الحساسية للتوترات الدولية والإقليمية.