Akhbar Cairo

بيونج يانج تهاجم سول رغم تقليص مناورات واشنطن

تصعيد من بيونج يانج رغم خفض المناورات

صعّدت كوريا الشمالية لهجتها مجدداً تجاه كوريا الجنوبية، رغم قرار واشنطن وسول تقليص المناورات العسكرية المشتركة الجارية بينهما. وهاجمت كيم يو جونج، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، الخطوة الكورية الجنوبية، معتبرة أن تقليص مدة التدريبات أو نطاقها لا يغيّر جوهرها من وجهة نظر بيونج يانج.

ويأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه شبه الجزيرة الكورية توتراً متكرراً، إذ تحوّلت المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية إلى نقطة احتكاك دائمة مع الشمال، الذي يصفها باستمرار بأنها استعدادات لحرب أو محاولة لفرض ضغط عسكري وسياسي عليه.

ما الذي حدث في المناورات المشتركة؟

بحسب تقارير متطابقة نشرتها وكالة يونهاب الكورية الجنوبية ووكالة أسوشيتد برس خلال الأيام الماضية، جرى تقليص تدريبات Ulchi Freedom Shield، وهي من أبرز المناورات السنوية المشتركة بين واشنطن وسول. وكانت الخطة الأصلية تقضي باستمرارها 11 يوماً حتى 27 أغسطس 2026، قبل أن يُعلَن تقليصها إلى خمسة أيام مع خفض بعض التدريبات الميدانية.

القرار جاء بعد توجيه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال إنه أمر بخفض كبير في المشاركة الأمريكية، مبرراً ذلك بما وصفه بعلاقته الجيدة مع كيم جونج أون، إلى جانب اعتبارات سياسية أوسع تخص العلاقة مع سول.

رسالة كيم يو جونج: التقليص لا يبدل الطبيعة

في بيان نقلته وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية KCNA، سخرت كيم يو جونج من كوريا الجنوبية، وقالت إن سول وجدت نفسها في وضع محرج بعد اضطرارها إلى إلغاء أو تقليص ما تعتبره بيونج يانج “ألعاب حرب” كانت تتمسك بها. وركزت الرسالة الشمالية على أن المشكلة ليست فقط في مدة التدريب أو حجمه، بل في استمرار المناورات نفسها.

المضمون السياسي للرسالة كان واضحاً: بيونج يانج لا ترى في تقليص التدريبات بادرة كافية لخفض التوتر أو تمهيد الطريق لعودة الدبلوماسية. وتنسجم هذه النبرة مع موقف كوري شمالي أُعلن قبل ذلك بيوم، حين قالت كيم يو جونج إن “الطبيعة الاستفزازية والعدائية” للتدريبات لا تتغير بمجرد تقليصها.

تزامن مع اختبارات صاروخية جديدة

اللافت أن هذا السجال لم يبقَ في الإطار الكلامي فقط. ففي 20 أغسطس 2026، أعلنت كوريا الجنوبية أن كوريا الشمالية أطلقت نحو 10 صواريخ باليستية قصيرة المدى باتجاه البحر، بعد ساعات من رفض بيونج يانج الإشارات الأمريكية المرتبطة بتقليص المناورات. ونقلت أسوشيتد برس أن الإطلاقات جاءت في سياق رد فعل سريع على التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة.

هذا الربط بين الخطاب السياسي والتحركات العسكرية يوضح أن الشمال لا يريد التعامل مع خفض المناورات باعتباره تنازلاً استراتيجياً، بل خطوة محدودة لا تمس جوهر التحالف العسكري بين واشنطن وسول.

لماذا تثير مناورات أولتشي فريدوم شيلد كل هذا الجدل؟

تُعد مناورات أولتشي فريدوم شيلد واحدة من الركائز الأساسية في منظومة الردع المشترك بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وتركز عادة على القيادة والسيطرة، والاستجابة للطوارئ، وتنسيق التحركات في حال وقوع نزاع في شبه الجزيرة الكورية. كما تشمل في بعض نسخها تدريبات ميدانية موازية.

وبالنسبة لسيول وواشنطن، فإن هذه المناورات دفاعية وضرورية للحفاظ على الجاهزية العسكرية في مواجهة برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية. لكن بيونج يانج ترى فيها محاكاة مباشرة لهجوم محتمل عليها، وتستخدمها بانتظام لتبرير تعزيز قدراتها العسكرية.

حسابات ترامب وسول

القرار الأمريكي المفاجئ بخفض نطاق المناورات أثار نقاشاً داخل كوريا الجنوبية والولايات المتحدة على السواء. ووفق تغطية يونهاب وتقارير أمريكية متعددة، فإن الخطوة أعادت إلى الواجهة الجدل القديم حول ما إذا كان تقليص التدريبات يمكن أن يخفف التوتر مع كوريا الشمالية، أم أنه يبعث برسائل مقلقة بشأن تماسك الردع والتحالف.

في الداخل الكوري الجنوبي، برزت مخاوف من أن أي تعديل واسع في المناورات قد يُقرأ في بيونج يانج على أنه تراجع في الصلابة العسكرية. وفي المقابل، يرى بعض المراقبين أن تقليص الأنشطة الميدانية قد يمنح مساحة محدودة لخفض الاحتقان، لكن من دون ضمان حدوث اختراق دبلوماسي فعلي.

ما الذي تقوله التطورات عن المرحلة المقبلة؟

المؤشرات الحالية لا توحي بحدوث انفراج سريع. فبيونج يانج تتعامل بحذر، بل وبرفض، مع أي مقاربة ترى أنها شكلية. كما أن إطلاق الصواريخ بعد تقليص المناورات يبعث برسالة إضافية مفادها أن كوريا الشمالية تريد تغييراً أعمق في البيئة العسكرية المحيطة بها، لا مجرد تقليص تكتيكي في تدريبات حلفائها.

ومن الناحية العملية، فإن استمرار المناورات، حتى بصيغة مخففة، يعني أن التحالف الأمريكي الكوري الجنوبي لا يزال متمسكاً ببنيته الأساسية. لذلك يبدو أن الأزمة انتقلت من سؤال “هل ستُجرى التدريبات؟” إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً: “هل يمكن لأي تعديل محدود أن يغير حسابات بيونج يانج؟”

  • تاريخ القرار الأمريكي: 16 أغسطس 2026، حين أعلن دونالد ترامب توجيه خفض كبير للمشاركة الأمريكية.
  • مدة المناورات بعد التعديل: تقلصت من 11 يوماً إلى 5 أيام، وفق تقارير منشورة في 19 أغسطس 2026.
  • رد بيونج يانج: تصريحات متتالية من كيم يو جونج يومي 19 و21 أغسطس 2026.
  • التطور العسكري الأبرز: إطلاق كوريا الشمالية نحو 10 صواريخ قصيرة المدى في 20 أغسطس 2026.

لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟

رغم أن الأزمة تدور في شرق آسيا، فإن تداعياتها تتجاوز حدود الإقليم. أي توتر جديد في شبه الجزيرة الكورية ينعكس على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية، وهي ملفات تمس اقتصادات كثيرة بينها مصر. كما أن التصعيد بين القوى الكبرى وحلفائها يظل مؤثراً في بيئة السياسة الدولية الأوسع، خصوصاً في لحظة عالمية تتسم بحساسية شديدة تجاه الأزمات العسكرية.

في المحصلة، تبدو رسالة كوريا الشمالية حاسمة: تقليص المناورات ليس كافياً لتهدئة مخاوفها أو لدفعها نحو استئناف الحوار. وبينما تحاول واشنطن وسول ضبط الإيقاع العسكري، تواصل بيونج يانج التأكيد أنها تنظر إلى الصورة الأكبر، لا إلى حجم التدريب فقط.