Akhbar Cairo

بيونغ يانغ ترفض اتهامات سول بشأن ألغام الحدود وتلوّح بالتصعيد

تصعيد جديد على حدود الكوريتين

عادت المنطقة المنزوعة السلاح الفاصلة بين الكوريتين إلى واجهة التوتر الأمني، بعدما رفضت كوريا الشمالية اتهامات كوريا الجنوبية لها بالمسؤولية عن انفجار ألغام وقع داخل المنطقة الحدودية، واعتبرت أن ما صدر عن سول ليس سوى محاولة لتبرير خطوات سياسية وعسكرية ضدها. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في شرق آسيا، وهي منطقة تتابعها دوائر السياسة والأمن في القارة الأفريقية أيضاً نظراً لتأثيراتها على توازنات القوى الدولية وسلاسل التجارة والأمن العالمي.

وبحسب ما نقلته وكالة يونهاب الكورية الجنوبية في 30 سبتمبر 2026، فإن كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، أصدرت بياناً نفت فيه ما أعلنته سول بشأن أن ألغاماً كورية شمالية كانت على الأرجح وراء الانفجار الذي وقع في 21 سبتمبر داخل المنطقة المنزوعة السلاح وأدى إلى إصابة ثلاثة جنود كوريين جنوبيين. كما حذرت من رد «فوري وقاسٍ» إذا تعرضت قوات الشمال لإطلاق نار.

ماذا قالت سول؟

الجيش الكوري الجنوبي كان قد أعلن، يوم 28 سبتمبر 2026، أن التقييم الأولي يشير بدرجة كبيرة إلى أن الانفجارين اللذين وقعا قرب خط ترسيم الحدود العسكرية في القطاع الغربي من المنطقة المنزوعة السلاح نتجا عن ألغام زرعتها كوريا الشمالية. وذكرت تقارير كورية جنوبية وأمريكية أن الحادث وقع أثناء مهمة استطلاع، وأن المصابين الثلاثة بينهم حالتان وُصفتا بأنهما خطيرتان.

وتُعد المنطقة المنزوعة السلاح من أكثر الحدود تحصيناً في العالم. فهي تمتد لنحو 248 كيلومتراً، وبعرض يقارب 4 كيلومترات، وتفصل فعلياً بين الكوريتين منذ اتفاق الهدنة الذي أنهى القتال المفتوح في الحرب الكورية عام 1953 من دون معاهدة سلام نهائية. وتشير تقديرات متداولة في التغطيات الدولية إلى وجود نحو مليوني لغم على جانبي الحدود، إلى جانب الأسلاك الشائكة والتحصينات والقوات المسلحة الكثيفة.

رد بيونغ يانغ: إنكار واتهام مضاد

في المقابل، لم تكتفِ بيونغ يانغ بنفي المسؤولية، بل صعّدت لهجتها السياسية بشكل واضح. فقد اتهمت كيم يو جونغ سول بفبركة نتائج التحقيق، معتبرة أن السلطات الكورية الجنوبية تحاول استخدام الحادث لتبرير «استفزازات» جديدة على الحدود. كما أشارت إلى أن استمرار ما وصفته بالاتهامات المغرضة قد يدفع الوضع إلى مرحلة أخطر وغير مسبوقة.

هذه اللغة ليست جديدة في الخطاب المتبادل بين الجانبين، لكنها تأتي هذه المرة في سياق أمني شديد الحساسية، حيث ترتبط الحوادث الحدودية في شبه الجزيرة الكورية غالباً بإجراءات مقابلة، مثل تعزيز المراقبة، وتكثيف الجاهزية العسكرية، أو العودة إلى أدوات الضغط النفسي والإعلامي عبر الحدود. وهذا ما يجعل أي حادث ميداني، حتى لو بدا محدوداً، قابلاً للتحول إلى أزمة أوسع خلال وقت قصير.

حادثة تذكّر بأزمة 2015

اللافت أن الحادث الأخير أعاد إلى الأذهان أزمة مشابهة وقعت في أغسطس 2015، حين أعلنت كوريا الجنوبية أن تحقيقاً مشتركاً خلص إلى أن كوريا الشمالية زرعت ألغاماً خشبية على الجانب الجنوبي من المنطقة المنزوعة السلاح، ما أسفر وقتها عن إصابة جنديين من الفرقة الأولى الكورية الجنوبية خلال دورية روتينية في 4 أغسطس 2015. كما قالت قيادة الأمم المتحدة حينها إن زرع الألغام شكّل انتهاكاً لاتفاق الهدنة.

وتسببت تلك الأزمة في تصعيد حاد، شمل استئناف كوريا الجنوبية البث الدعائي عبر مكبرات الصوت على الحدود، ثم تبادل إطلاق نار وتهديدات بالحرب الشاملة، قبل أن ينتهي المشهد بعقد محادثات رفيعة المستوى في بانمونجوم بين 22 و24 أغسطس 2015. وفي ختام تلك المحادثات، عبّرت كوريا الشمالية عن «أسفها» لإصابة الجنود الجنوبيين، وهو ما اعتبرته حكومة سول آنذاك أول تعبير رسمي من هذا النوع عن الحادث.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟

ورغم أن الأزمة تقع في أقصى شرق آسيا، فإن تداعياتها لا تبقى محصورة في الإقليم. فكل توتر على حدود الكوريتين ينعكس على أسواق المال، وحركة التجارة، وسلاسل الإمداد، وأسعار الشحن والتأمين، وهي ملفات تهم دولاً أفريقية وعربية، بينها مصر، التي تراقب عن كثب التحولات الكبرى في الممرات التجارية العالمية وفي علاقات القوى الكبرى بالمنطقة.

كما أن التطورات الأمنية في شبه الجزيرة الكورية ترتبط عادة بمواقف الولايات المتحدة والصين واليابان وروسيا، ما يضيف إليها بعداً دولياً يتجاوز النزاع الثنائي. ومن هذا المنظور، فإن أي احتكاك عسكري أو اتهام متبادل بين سول وبيونغ يانغ لا يُقرأ فقط كحادث حدودي، بل كمؤشر على حالة الاستقرار في إحدى أكثر بؤر العالم تسلحاً وحساسية.

السيناريوهات المحتملة

حتى الآن، لا توجد مؤشرات علنية على انزلاق الطرفين إلى مواجهة واسعة، لكن نمط التعامل مع أزمات سابقة يوحي بأن المرحلة المقبلة قد تشهد واحداً أو أكثر من السيناريوهات التالية:

  • تشديد الإجراءات العسكرية على طول الحدود، بما يشمل المراقبة والدوريات والتحصينات.
  • تصعيد سياسي وإعلامي عبر البيانات الرسمية والحملات الدعائية المتبادلة.
  • تحركات دبلوماسية غير مباشرة لاحتواء الأزمة ومنعها من التحول إلى اشتباك مفتوح.
  • استثمار الحادث داخلياً في كل من الشمال والجنوب لتعزيز الخطاب الأمني والتماسك السياسي.

ومع أن التجربة السابقة في 2015 أظهرت أن التصعيد يمكن احتواؤه عبر التفاوض، فإن الوضع الحالي يبدو أكثر هشاشة، خصوصاً في ظل تراجع الثقة بين الجانبين وارتفاع منسوب الاستقطاب العسكري في المنطقة.

خلاصة المشهد

المؤكد حتى الآن هو أن انفجار 21 سبتمبر 2026 فتح جولة جديدة من الاتهامات المتبادلة بين الكوريتين. سول تقول إن الألغام «مرجح جداً» أن تكون من زرع كوريا الشمالية، فيما تنفي بيونغ يانغ ذلك بالكامل وتعتبره ذريعة للتصعيد، مع توجيه تهديدات مباشرة برد انتقامي إذا تعرضت قواتها لإطلاق نار. وبين الروايتين، تبقى المنطقة المنزوعة السلاح واحدة من أخطر النقاط الملتهبة في العالم، حيث يمكن لحادث ميداني محدود أن يتحول سريعاً إلى أزمة إقليمية ذات أصداء دولية واسعة.