تحذير أطلسي لروسيا: ماذا تعني «نظرية النصر» الجديدة؟
بين الردع والتصعيد: لماذا يتحدث الناتو الآن عن «نظرية للنصر»؟
في توقيت بالغ الحساسية داخل المشهد الأوروبي، يستعد القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، الجنرال الأمريكي أليكسوس جي. غرينكيفيتش، لطرح ما وُصف داخل دوائر الحلف بـ«نظرية النصر» خلال فعاليات منتدى وارسو للأمن المنعقد يومي 12 و13 أكتوبر 2026 في العاصمة البولندية. أهمية هذه الخطوة لا تتعلق فقط بالمصطلح نفسه، بل بما يكشفه عن تحوّل في لغة الناتو من الاكتفاء بالاحتواء إلى بناء رواية ردع أشد صراحة تجاه روسيا. ويشغل غرينكيفيتش منصب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا منذ 4 يوليو 2025، وهو المنصب العسكري الأرفع في هيكل العمليات الأطلسية. كما أن منتدى وارسو للأمن بات أحد أبرز المنصات الأوروبية المخصصة لنقاش مستقبل الأمن عبر الأطلسي.
الرسالة الأساسية هنا أن الحلف يريد إقناع خصومه، قبل أعضائه، بأن أي اختبار عسكري أو هجين ضد دولة عضو ستكون كلفته أعلى بكثير من أي مكسب محتمل. ووفق ما نُقل عن متحدثين باسم الناتو، فإن جوهر «نظرية النصر» لا يقوم على التوسع في الحرب، بل على الحفاظ على تفوق الحلف بما ينسجم مع خطط الردع والدفاع المعتمدة لديه.
ما الذي تغيّر في البيئة الأمنية الأوروبية؟
السبب المباشر لهذا التصعيد اللفظي هو تزايد القلق الغربي من أن المواجهة مع موسكو لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الجبهة الأوكرانية، بل من زاوية أوسع تشمل أوروبا كلها. الاتحاد الأوروبي تحدث خلال 2025 و2026 عن إجراءات عقابية إضافية ضد أفراد وكيانات مرتبطة بما وصفه بأنشطة روسية مزعزعة للاستقرار خارج الحدود الروسية، بينما أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الهجمات الهجينة على أوروبا تزايدت منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 2022. هذا التوصيف يضم، في المفهوم الغربي، التخريب، والتلاعب المعلوماتي، والهجمات السيبرانية، ومحاولات التأثير على البنية التحتية والقرار السياسي.
من المهم هنا ملاحظة أن الأمين العام للناتو مارك روته (@markrutte على إنستغرام) قال مطلع أكتوبر 2026 إن الحلف لا يتوقع هجوما عسكريا روسيا وشيكا على أراضيه، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الاستعداد لاستمرار ما سمّاه «الحملات العدائية» الروسية. بعبارة أخرى، لا يتحدث الناتو عن حرب تقليدية غدا صباحا، لكنه يتصرف على أساس أن الضغط الروسي على أوروبا قائم بالفعل، وإن أخذ أشكالا دون عتبة الحرب الشاملة.
وارسو ليست مجرد مكان
اختيار وارسو تحديدا ليس تفصيلا بروتوكوليا. بولندا أصبحت خلال السنوات الأخيرة عنوانا متقدما في هندسة الردع الأوروبي، سواء بحكم الجغرافيا على الجناح الشرقي للحلف أو بسبب دورها المركزي في دعم أوكرانيا. كما أن منتدى وارسو للأمن يقدم نفسه منصة للحوار الصريح حول مستقبل الناتو وأمن القارة، في لحظة تشعر فيها عواصم شرق أوروبا بأن اختبار القوة مع موسكو لم يعد نظريا.
من زاوية مصرية وعربية، تبدو وارسو هنا رمزا لتحول مركز الثقل الأمني الأوروبي نحو الشرق. فالدول التي كانت تُعامل سابقا باعتبارها «خط تماس» أصبحت اليوم شريكا في صياغة العقيدة السياسية والعسكرية للحلف، لا مجرد متلقٍ للحماية. وهذا التحول يفسر جزئيا ارتفاع نبرة الحديث عن الجاهزية، وسلاسل الإمداد العسكرية، والإنفاق الدفاعي، وقدرة الصناعة الغربية على العمل «بسرعة وحجم واستمرارية»، وهي نقاط ناقشها قادة عسكريون أطلسيون في اجتماعاتهم الأخيرة خلال سبتمبر 2026.
ماذا يقصد الناتو فعلا بـ«النصر»؟
المصطلح في ذاته قد يبدو صداميا، لكنه في القراءة العملية أقرب إلى منع الخصم من الاعتقاد بأنه قادر على كسر الحلف. فالناتو لا يتحدث عن إسقاط روسيا أو خوض حرب مفتوحة معها، بل عن تثبيت معادلة تقول إن التفوق التنظيمي والتكنولوجي واللوجستي الغربي يجب أن يبقى واضحا إلى درجة تمنع موسكو من المغامرة. وهنا يصبح «النصر» مرادفا للردع الناجح، لا للسيطرة على أرض أو فرض استسلام سياسي مباشر.
هذا مهم لأن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن الاستنزاف الطويل قد يضعف تماسك الخصوم حتى من دون اختراق عسكري حاسم. لذلك، يبدو أن غرينكيفيتش يراهن على نظرية مختلفة: الحفاظ على تماسك الحلف، وتعزيز الجاهزية، ورفع تكلفة أي هجوم هجين أو عسكري، بما يمنع روسيا من اختبار المادة الخامسة من ميثاق الناتو. هذا ليس نصا معلنا كاملا من الحلف بقدر ما هو استنتاج سياسي يستند إلى الخطاب الرسمي الصادر عن مؤسساته ومتحدثيه.
العامل الأمريكي: مراجعة الانتشار أم إعادة التموضع؟
الشق الآخر في القصة يرتبط بواشنطن. فمجرد الحديث عن مراجعة انتشار القوات الأمريكية في أوروبا يثير حساسية شديدة داخل القارة، لأن المظلة الأمريكية ما زالت العمود الفقري للردع الأطلسي. حتى عندما يطالب الأوروبيون بمزيد من «الاستقلال الاستراتيجي»، فإنهم يدركون أن القيادة الأمريكية داخل الناتو، سياسيا وعسكريا وتكنولوجيا، لم تصبح بعد قابلة للاستبدال الكامل.
لهذا، فإن طرح «نظرية النصر» الآن يمكن قراءته أيضا كرسالة طمأنة داخلية إلى الحلفاء الأوروبيين: حتى لو جرت مراجعات أمريكية لتموضع القوات أو أولويات الانتشار، فإن الإطار الأطلسي مستمر، والردع لن يُترك للفراغ. بالنسبة إلى جمهور عربي يتابع انعكاسات الصراع الدولي على أسواق الطاقة، وسلاسل الغذاء، والاصطفافات الإقليمية، فإن هذه النقطة أساسية؛ لأن أي اهتزاز في الترتيبات الأمنية الأوروبية ينعكس سريعا على الاقتصاد والسياسة خارج القارة أيضا.
روسيا كيف قد تقرأ الرسالة؟
من المرجح أن تنظر موسكو إلى هذه اللغة باعتبارها دليلا إضافيا على أن الناتو يتحرك من الدفاع إلى التحضير السياسي والعسكري لصراع طويل. وقد سبق أن حذرت روسيا أخيرا من أن الحلف يستعد لحرب معها، ولو أن الخطابين الروسي والأطلسي يتفقان على شيء واحد فهو أن مستوى الشك المتبادل ارتفع إلى درجة غير مسبوقة منذ سنوات.
لكن المفارقة أن الطرفين، رغم التصعيد الكلامي، يحاولان تجنب إعلان أن المواجهة المباشرة أصبحت حتمية. الناتو يقول إنه يردع ولا يسعى للحرب، وروسيا تقول إنها ترد على تمدد الحلف وتهديداته. وبين الموقفين، تتسع المنطقة الرمادية: هجمات سيبرانية، تخريب، طائرات مسيرة قرب الحدود، وضغوط نفسية وإعلامية متبادلة. وهذه هي الساحة التي تُختبر فيها فعليا «نظرية النصر» قبل أي مواجهة عسكرية تقليدية.
لماذا يهم هذا القارئ المصري؟
قد يبدو السجال الأطلسي الروسي بعيدا جغرافيا، لكنه يمس ملفات قريبة من الاهتمام المصري: استقرار أسواق القمح والطاقة، اتجاهات الإنفاق العسكري العالمي، موقع أوروبا في توازنات المتوسط، وحجم الانشغال الأمريكي بالساحة الأوروبية على حساب أزمات أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا. كذلك، فإن أي تشدد إضافي بين موسكو والغرب ينعكس على حركة الاستقطاب الدولي التي تحاول القاهرة إدارتها ببراغماتية واضحة.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي قراءة ما يقوله غرينكيفيتش باعتباره مجرد خطاب عسكري تقني. الرجل الذي يقود عمليات الناتو من مقر القيادة العليا في بلجيكا يتحدث، في الجوهر، عن كيفية إدارة زمن الردع الممتد: كيف تمنع الحرب من الاتساع، من دون أن تبدو مترددا؟ وكيف تحافظ على وحدة الحلف، من دون أن تنزلق إلى صدام غير محسوب؟
الخلاصة
«نظرية النصر» التي يستعد الجنرال أليكسوس غرينكيفيتش لعرضها في وارسو ليست خطة حرب معلنة بقدر ما هي محاولة لصياغة معادلة سياسية وعسكرية جديدة: لا هجوم روسي بلا ثمن باهظ، ولا تراجع أطلسي يسمح باختبار حدود الردع. في هذا المعنى، يبدو الناتو منشغلا قبل كل شيء بكسب معركة الإدراك؛ أي إقناع موسكو بأن الحلف ما زال أكثر تماسكا وقدرة على التحمل مما قد توحي به الانقسامات الغربية العلنية أحيانا. والسؤال المفتوح ليس ما إذا كانت أوروبا تتجه إلى حرب كبرى غدا، بل ما إذا كانت مرحلة «الحرب دون إعلان» قد أصبحت بالفعل هي القاعدة الجديدة في علاقتها مع روسيا.