تحذير بحريني من تصعيد الخليج: هرمز في قلب المعادلة
تصعيد الخليج يتجاوز حدود الإقليم
لم يعد الحديث عن أمن الخليج مقصورًا على توازنات سياسية بين دول الجوار، بل صار ملفًا يمسّ مباشرة أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وكلفة الشحن البحري، وحتى حسابات الدول المستوردة والمصدّرة على السواء. من هنا اكتسب تحذير وزير الخارجية البحريني الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني أهمية خاصة، عندما وصف ما تمر به المنطقة بأنه ظرف أمني غير مسبوق، مع تشديده على رفض أي قيود إيرانية على الملاحة في مضيق هرمز والدعوة إلى حماية دولية لهذا الممر الحيوي.
الموقف البحريني لم يأتِ في فراغ، بل في سياق تحرك دبلوماسي أوسع قادته المنامة داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن خلال عام 2026، انطلاقًا من أن أزمة هرمز لم تعد خلافًا إقليميًا محدودًا، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة النظام الدولي على حماية حرية العبور البحري وفق القانون الدولي. وقد أكد الزياني في أكثر من مناسبة أن سلامة الملاحة في المضيق مسؤولية جماعية، وأن تعطيلها يهدد أمن إمدادات الطاقة والغذاء والدواء وانتظام التجارة العالمية.
ماذا قالت البحرين فعليًا؟
بحسب ما نشرته وسائل بحرينية رسمية ومحلية، شدد وزير الخارجية البحريني على أن النقاش الدائر بشأن مضيق هرمز يستند إلى مبدأ واضح: لا يجوز لأي طرف أن يتحكم بصورة غير مشروعة في الملاحة الدولية داخل ممر بحري بهذه الحساسية. كما ربط بين التوترات الجارية وبين الحاجة إلى موقف دولي أكثر حسمًا لحماية حرية المرور البحري، خصوصًا بعد تحركات بحرينية في مجلس الأمن تناولت ما وصفته المنامة بانتهاكات وتهديدات تمس أمن الممرات البحرية. وتحدثت تقارير لاحقة عن جلسة بصيغة «أريا» نظمَتها البحرين في مجلس الأمن يوم 17 سبتمبر 2026 تحت عنوان يركز على البحار الآمنة والأمن المشترك وحماية حرية الملاحة في بيئة أمنية متغيرة.
الأهم في الخطاب البحريني أنه يتعامل مع هرمز باعتباره جزءًا من منظومة أوسع تربط الخليج العربي بالبحر الأحمر ثم بقناة السويس والبحر المتوسط. وهذه زاوية تهم القارئ المصري تحديدًا، لأن أي اضطراب طويل الأمد في هرمز لا يبقى هناك؛ سرعان ما ينتقل أثره إلى أسعار الشحن والتأمين والطاقة، ثم إلى حركة التجارة التي تهم الاقتصاد المصري مباشرة.
لماذا مضيق هرمز بهذه الحساسية؟
الأرقام وحدها تكفي لتفسير حدة الموقف. فوفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد، يحمل مضيق هرمز نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، إلى جانب حصص مهمة من الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية والمواد الكيميائية والأسمدة. وفي تحليل أصدره الأونكتاد في مارس 2026، وُصف المضيق بأنه أحد أكثر ممرات التجارة العالمية حيوية، بما يجعل أي تعطيل فيه مسألة ذات كلفة دولية فورية، لا سيما على الدول الآسيوية المستوردة للطاقة وعلى الأسواق شديدة الحساسية للأسعار.
كما تضع إدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA مضيق هرمز في صدارة نقاط الاختناق الاستراتيجية في تجارة النفط العالمية، ما يفسر سبب التعامل الدولي الحذر مع أي تهديدات تطال حركة السفن فيه. وعندما تتحدث البحرين عن أن ما يجري ليس شأنًا محليًا أو خليجيًا فقط، فهي تستند إلى واقع اقتصادي عالمي يصعب إنكاره.
القراءة السياسية: لماذا تصعّد المنامة خطابها الآن؟
من الناحية السياسية، تبدو البحرين حريصة على تثبيت ثلاث رسائل متوازية. الأولى أن أمن الملاحة ليس ملفًا قابلًا للمساومة أو لإعادة تعريف قانوني من جانب دولة واحدة. والثانية أن مجلس الأمن والمجتمع الدولي مطالبان بإجراءات أوضح، لا بمجرد بيانات قلق. أما الرسالة الثالثة، فهي أن دول الخليج تريد نقل النقاش من مستوى ردود الفعل إلى مستوى ترتيبات أمن بحري مستدامة.
هنا يبرز البعد المرتبط بعضوية البحرين في مجلس الأمن للفترة 2026-2027، وهي عضوية تمنح المنامة منصة أعلى لطرح هذه المخاوف بصيغة قانونية ودبلوماسية. لذلك يمكن فهم تصريحات الزياني بوصفها جزءًا من محاولة بحرينية لتدويل النقاش حول أمن هرمز، بدل تركه أسيرًا للتجاذب الثنائي أو الإقليمي.
وفي خلفية هذا كله، يظهر إدراك خليجي متنامٍ بأن المعادلة البحرية لم تعد تقتصر على هرمز وحده. فالمخاطر في البحر الأحمر وباب المندب، والاضطراب الذي أصاب طرق التجارة خلال العامين الماضيين، جعلت فكرة “أمن الممرات” ملفًا متصلًا من الخليج حتى قناة السويس. وهذا ما يمنح التحذير البحريني وزنًا أكبر من مجرد موقف سياسي عابر.
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى مصر؟
بالنسبة إلى مصر، لا يمكن فصل أمن هرمز عن مصالحها الاقتصادية. فقناة السويس ظلت تاريخيًا مستفيدة من استقرار طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي توتر واسع في الممرات البحرية ينعكس على حركة العبور، سواء بارتفاع كلفة التأمين أو بتبدل مسارات السفن أو بتراجع بعض الشحنات. وتُظهر بيانات رسمية مصرية أن قناة السويس سجلت إيرادات قياسية بلغت 10.25 مليار دولار في 2023، قبل أن تتأثر لاحقًا بالاضطرابات الإقليمية. كما أشارت تصريحات رسمية لاحقة إلى توقعات بتحسن الإيرادات مجددًا في السنة المالية 2025/2026 ثم نموها في 2026/2027 إذا تحسنت البيئة الإقليمية.
هذه النقطة شديدة الأهمية: عندما تحذر البحرين من المساس بحرية الملاحة في هرمز، فإن صدى ذلك يصل إلى القاهرة اقتصاديًا حتى لو لم تكن مصر طرفًا مباشرًا في الأزمة. فكل خلل في إمدادات الطاقة أو سلاسل الشحن يضغط على الأسواق، ويرفع كلفة الاستيراد، ويخلق مناخًا غير مريح للدول التي تعتمد على استقرار التجارة العالمية.
بين القانون الدولي وتوازن القوة
الخطاب البحريني يراهن بوضوح على القانون الدولي، وخصوصًا مبادئ حرية الملاحة المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. لكن التجربة الدولية تقول إن القانون وحده لا يكفي ما لم تسنده إرادة سياسية وتفاهمات أمنية عملية. فالممرات البحرية الكبرى لا تُحمى فقط بالنصوص، بل كذلك بالتنسيق البحري، وتبادل المعلومات، والردع الدبلوماسي والعسكري المتدرج.
من هنا تبدو دعوة البحرين إلى حماية دولية للملاحة أكثر من مجرد شعار؛ إنها محاولة لإعادة تثبيت فكرة أن الممرات البحرية المشتركة لا ينبغي أن تبقى رهينة التهديد أو الرسوم القسرية أو القيود أحادية الجانب. كما أن هذا الطرح ينسجم مع مواقف خليجية أوسع شددت في 2026 على أن أي ترتيبات مستقبلية مع إيران يجب ألا تتعارض مع أمن دول المنطقة وحرية الملاحة فيها.
هل نحن أمام لحظة مفصلية؟
في التقدير السياسي، نعم. ليس لأن المنطقة على شفا سيناريو واحد حتمي، بل لأن كثافة الرسائل الدبلوماسية، وحجم القلق المرتبط بالممرات البحرية، يوحيان بأن الخليج يمر فعلًا بمرحلة اختبار قاسية. وإذا كان توصيف الزياني للوضع بأنه “غير مسبوق” يحمل قدرًا من التصعيد البلاغي، فإنه يعكس أيضًا إدراكًا حقيقيًا لحجم الترابط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
بالنسبة للقارئ في مصر، قد يبدو مضيق هرمز بعيدًا جغرافيًا، لكنه في الحقيقة قريب جدًا في الأثر. سعر الطاقة، كلفة الشحن، حركة التجارة، إيرادات قناة السويس، وحتى مزاج الأسواق العالمية؛ كلها ملفات تتأثر بما يجري هناك. ولهذا فإن التحذير البحريني يجب قراءته ليس فقط كخبر سياسي، بل كإشارة إلى أن أمن البحار بات أحد أهم مفاتيح الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
في النهاية، الرسالة الأساسية التي تريد المنامة ترسيخها واضحة: حرية الملاحة في مضيق هرمز ليست قضية بحرينية أو خليجية فقط، بل مصلحة دولية عامة. والسؤال الذي سيبقى مطروحًا خلال الشهور المقبلة هو ما إذا كان المجتمع الدولي سيتعامل مع هذا التحذير باعتباره نداءً استباقيًا، أم سينتظر حتى تتحول الأزمة إلى كلفة أكبر على الجميع.