Akhbar Cairo

تحذير برلماني مصري من اتساع التوتر عند باب المندب

تحذير من باب المندب.. لماذا يثير التصعيد القلق في مصر والمنطقة؟

عاد مضيق باب المندب إلى واجهة المشهد الإقليمي مجددًا، بعدما حذر الدكتور محمود مسلم، عضو مجلس الشيوخ المصري، من أن انخراط جماعة الحوثي في المواجهة داخل هذا الممر البحري الحساس قد يدفع نحو اتساع نطاق الصراع في المنطقة. وجاءت تصريحات مسلم خلال ظهوره في برنامج "المشهد" الذي يقدمه الإعلامي نشأت الديهي على قناة TEN، في سياق قراءة أوسع لتداعيات التوترات المتصلة بأمن الملاحة في البحر الأحمر.

أهمية هذا التحذير لا تتوقف عند البعد العسكري أو السياسي فقط، بل تمتد إلى المصالح الاقتصادية المباشرة للدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر، بحكم ارتباط حركة التجارة العالمية بممرات العبور من باب المندب إلى قناة السويس. ومع كل تهديد جديد للملاحة، تتزايد المخاوف من كلفة إضافية على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس على الإقليم الأفريقي والشرق الأوسط معًا.

ماذا قال محمود مسلم؟

بحسب ما نُشر عن مداخلة محمود مسلم، فقد اعتبر أن دخول الحوثيين بقوة على خط المواجهة في مضيق باب المندب يحمل خطرًا واضحًا يتمثل في توسيع رقعة الحرب، خصوصًا مع تصاعد التهديدات المرتبطة بالسفن وخطوط الملاحة. ويأتي هذا الطرح من زاوية أن المضيق ليس ممرًا محليًا يخص اليمن وحده، بل نقطة اختناق استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومنه إلى المحيط الهندي.

وتكتسب تصريحات مسلم وزنًا إضافيًا في الداخل المصري لكونه أحد الأعضاء المعينين في مجلس الشيوخ بقرار رئيس الجمهورية رقم 575 لسنة 2025، ضمن القائمة التي نشرتها الجريدة الرسمية وتناقلتها وسائل إعلام مصرية، كما يُعرف بحضوره المنتظم في النقاشات المرتبطة بتحولات الإقليم وأثرها على الأمن القومي المصري.

باب المندب.. عقدة استراتيجية بين آسيا وأفريقيا

يقع باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، ويمثل حلقة الربط البحرية بين سواحل الجزيرة العربية والقرن الأفريقي. ووفق بيانات المنظمة البحرية الدولية، يمتد الفضاء البحري للبحر الأحمر استراتيجيًا من قناة السويس شمالًا حتى مضيق باب المندب جنوبًا، بما يجعله من أهم الشرايين الملاحية بين أوروبا وآسيا.

وتشير تقديرات حديثة تداولتها تقارير دولية هذا الأسبوع إلى أن نحو 12% من التجارة العالمية تمر عادة عبر هذا المسار. لذلك، فإن أي اضطراب عند باب المندب ينعكس مباشرة على حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس أو الخارجة منها، ويدفع بعض الشركات إلى تغيير المسار عبر رأس الرجاء الصالح، وهو خيار أطول وأكثر كلفة.

مؤشرات التصعيد في يوليو 2026

القلق الذي تحدث عنه محمود مسلم لا يأتي من فراغ. ففي 20 يوليو 2026 ذكرت تقارير إخبارية دولية أن الحوثيين أعلنوا فرض حظر بحري على السفن السعودية عند بوابة البحر الأحمر، في خطوة أثارت مخاوف من عودة التوتر بقوة إلى هذا الممر الحيوي. وفي 22 يوليو 2026 برزت مواقف دولية منددة بتهديدات الجماعة للملاحة التجارية، وسط تحذيرات من أن أي تعطيل جديد قد يفتح الباب أمام جولة أوسع من الاشتباك الإقليمي.

كما أن مجلس الأمن الدولي كان قد أبقى الملف حاضرًا على أجندته هذا العام، إذ اعتمد القرار 2812 لعام 2026 بتاريخ 14 يناير 2026 لتمديد آلية المتابعة الأممية الخاصة بالهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر حتى 15 يوليو 2026. ويعكس ذلك أن المجتمع الدولي لا ينظر إلى المسألة باعتبارها أزمة عابرة، بل تهديدًا مستمرًا لأمن الملاحة الدولية.

لماذا يهم هذا التطور مصر؟

بالنسبة إلى القاهرة، يرتبط أي توتر عند باب المندب مباشرة بحركة العبور في قناة السويس، وهي شريان رئيسي للتجارة الدولية ومورد حيوي للاقتصاد المصري. ورغم التوترات الإقليمية، أكدت هيئة قناة السويس في بيانات رسمية خلال عام 2026 استمرار الملاحة بشكل منتظم. وفي بيان صادر في 3 مارس 2026 شدد الفريق أسامة ربيع، رئيس الهيئة، على أن حركة الملاحة في القناة تسير بصورة طبيعية في الاتجاهين على مدار الساعة.

غير أن انتظام الملاحة لا يلغي حساسية الموقف. فالمشكلة الأساسية تكمن في أن قرار شركات الشحن لا يتحدد فقط بفتح القناة أو جاهزية العبور، بل أيضًا بتقدير المخاطر في كامل المسار البحري الممتد من خليج عدن إلى البحر الأحمر. وإذا تصاعدت التهديدات عند باب المندب، فقد تختار بعض الخطوط الملاحية الالتفاف حول أفريقيا، بما يفرض ضغوطًا إضافية على زمن النقل والتأمين وأسعار الشحن.

البعد الأفريقي للأزمة

إدراج هذا الملف ضمن التغطية الأفريقية يبدو منطقيًا للغاية، لأن باب المندب لا ينفصل عن التوازنات في القرن الأفريقي وسواحل جيبوتي وإريتريا والصومال، ولا عن شبكة المصالح الممتدة على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر. أي خلل أمني في هذا النطاق قد يؤثر على الموانئ الأفريقية، وعلى تجارة العبور، وعلى إمدادات الغذاء والطاقة الواردة إلى أسواق القارة أو الخارجة منها.

كما أن استمرار التوتر يضع دول شرق أفريقيا أمام تحديات إضافية تتعلق بأمن السواحل، وكلفة التأمين البحري، والقدرة على جذب الاستثمار في الموانئ والخدمات اللوجستية. ولهذا، لا يُنظر إلى باب المندب باعتباره مجرد ساحة اشتباك عسكري، بل باعتباره نقطة اختبار لاستقرار واحد من أكثر الأقاليم البحرية حساسية في العالم.

تداعيات محتملة إذا اتسع الصراع

  • زيادة كلفة الشحن نتيجة تغيير المسارات وارتفاع أقساط التأمين.
  • ضغط على سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا مرورًا بالبحر الأحمر.
  • انعكاسات على أسواق الطاقة مع تأثر مرور النفط والمنتجات البترولية.
  • تأثير غير مباشر على أفريقيا عبر موانئ شرق القارة وحركة التجارة الإقليمية.
  • مخاطر سياسية وأمنية تدفع قوى دولية وإقليمية إلى مزيد من الانخراط في الأزمة.

بين التحذير والواقع

في المجمل، يعكس حديث محمود مسلم قراءة مصرية حذرة لمسار الأحداث في البحر الأحمر. فالقاهرة تتابع هذا الملف من زاويتين متلازمتين: الأولى تتعلق بأمن الإقليم ورفض توسيع ساحات الحرب، والثانية ترتبط بحماية الملاحة الدولية ومصالح الدول المشاطئة، خاصة في القارة الأفريقية.

ومع تصاعد التهديدات في يوليو 2026، تبدو الرسالة الأساسية واضحة: باب المندب ليس تفصيلًا هامشيًا في صراعات المنطقة، بل ممر استراتيجي يمكن لأي اضطراب فيه أن يغير حسابات الحرب والتجارة معًا. ومن هنا، يصبح التحذير من اتساع المواجهة أكثر من مجرد موقف سياسي؛ إنه تنبيه إلى أن أمن البحر الأحمر يظل جزءًا لا يتجزأ من استقرار أفريقيا والشرق الأوسط، ومن مصالح مصر الحيوية في آن واحد.