تحذير رئاسي من تزييف الوعي.. هل يواكب الإعلام المصري؟
تحذير جديد يعيد ملف الوعي إلى الواجهة
عاد ملف تزييف الوعي إلى صدارة النقاش العام في مصر بعد تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي شدد فيها على أن ما شهدته الساحة خلال الأشهر الماضية من شائعات ومحاولات متعمدة لاستثارة الرأي العام يدخل ضمن مساعٍ تستهدف زعزعة الاستقرار داخل الدولة المصرية. وبحسب ما نشرته مصادر رسمية مصرية، فإن الرئيس ربط بين مواجهة هذه المحاولات وبين رفع مستوى الوعي العام وتوضيح الحقائق للمواطنين، محذرًا من أن تكرار اضطرابات شبيهة بما جرى في عام 2011 ستكون له تداعيات جسيمة على استقرار الدولة وقدرتها على الاستمرار.
الرسالة هنا لم تكن موجهة إلى جهة واحدة فقط، بل جاءت أوسع من ذلك؛ إذ وضعت مسؤولية المواجهة على الدولة ومؤسساتها ووسائل الإعلام، ومعها المجتمع نفسه، في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الإقليمية مع ثورة الاتصالات والمنصات الرقمية التي تجعل تداول الشائعة أسرع من أي وقت مضى.
ماذا قال الرئيس فعلًا؟
وفقًا لما أوردته بوابة الأهرام والهيئة العامة للاستعلامات في تغطيتهما الأحدث، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن الشائعات ومحاولات تزييف الوعي خلال الفترة الأخيرة تستهدف إثارة الرأي العام وزعزعة الاستقرار، مؤكدًا أن مسؤولية المواجهة تقع على عاتق الجميع من خلال توضيح الحقائق ورفع الوعي العام. كما أعاد التذكير بأن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها كان التحدي الأكبر بعد 2013، وأن وعي المصريين ظل يمثل “حائط الصد” في مواجهة محاولات الإرباك والتشكيك.
هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها الرئيس هذا التصور؛ فخطابه حول العلاقة بين الوعي الوطني والإعلام حاضر منذ سنوات، سواء في لقاءاته مع الإعلاميين في أغسطس 2014، أو خلال جلسات المؤتمر الوطني للشباب في شرم الشيخ، حين تحدث عن تأثير وسائل الإعلام في صناعة الرأي العام، ودعا إلى الصدق والمصداقية والحس الوطني في تناول القضايا الداخلية والخارجية.
أين يقف الإعلام المصري في هذه المعادلة؟
السؤال الذي يفرض نفسه بعد التحذير الرئاسي هو: هل يقوم الإعلام بدوره بالسرعة والكفاءة المطلوبتين؟ في الواقع، لم تعد المنافسة اليوم بين صحيفة وقناة فقط، بل بين الخبر المهني الموثق وبين سيل هائل من المنشورات القصيرة والمقاطع المجتزأة والعناوين المثيرة على منصات التواصل الاجتماعي. هنا يصبح التأخر في تقديم المعلومة الدقيقة فرصة مفتوحة أمام الرواية المضللة.
الخبرة المصرية خلال السنوات الماضية أظهرت أن الفراغ المعلوماتي يُملأ سريعًا، وغالبًا بمحتوى غير موثوق. لذلك، فإن دور الإعلام لم يعد يقتصر على نقل التصريحات، بل يشمل الشرح والتفسير ووضع الأرقام في سياقها، والتمييز بين النقد المشروع وبين الحملات المنظمة التي تستثمر في الغضب والقلق والارتباك.
كما أن التحدي لا يخص المؤسسات الإعلامية التقليدية وحدها. فالإعلام الرقمي، وصفحات المنصات الاجتماعية، وبرامج الفيديو القصير، كلها باتت أطرافًا مؤثرة في تشكيل وعي قطاعات واسعة، خاصة الشباب الذين لم يعايش بعضهم أحداث 2011 و2013 بشكل مباشر. وقد أشارت مصادر رسمية في يناير 2026 إلى أن من كانوا أطفالًا وقت أحداث 2011 صاروا اليوم في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، وهو ما يجعل معركة الوعي مرتبطة أيضًا بسد الفجوات المعرفية بين الأجيال.
أرقام تكشف حجم المشكلة
البيانات الرسمية تؤكد أن ملف الشائعات لم يعد هامشيًا. فالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء أعلن في يوليو 2026 أن الاقتصاد والطاقة والتموين كانت القطاعات الأكثر استهدافًا بالشائعات خلال النصف الأول من العام، كما أوضح أن نسبة الشائعات المرتبطة بالتداعيات السلبية للأزمات الخارجية ارتفعت إلى 57.3% خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ 21.1% في الفترة نفسها من 2025. هذه الأرقام توضح أن الشائعة في مصر لم تعد مجرد محتوى عابر، بل أداة ضغط على المزاج العام والثقة في المؤسسات.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تكرر الدولة الحديث عن سرعة الرد وإتاحة المعلومات. رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي شدد في يوليو 2026، خلال متابعته آليات تنفيذ تكليفات الرئيس الخاصة بالإعلام، على أهمية المؤتمر الصحفي الأسبوعي بعد اجتماع الحكومة، واعتبره وسيلة لشرح القرارات وتوضيح أبعادها للمواطنين والرد على التساؤلات المتداولة.
ما المطلوب من الإعلام الآن؟
1- السرعة دون التفريط في الدقة
الجمهور لا ينتظر طويلًا. وإذا غابت المعلومة الرسمية أو الإعلامية الموثقة، انتشرت البدائل غير المهنية. لذلك فإن تحديث غرف الأخبار، وتوسيع وحدات التحقق، وتدريب المحررين على المتابعة الرقمية لم يعد رفاهية.
2- الشرح بدل الاكتفاء بالنقل
المواطن لا يريد فقط معرفة ماذا حدث، بل لماذا حدث، وما أثره عليه. وهذا مهم خصوصًا في الملفات الاقتصادية والخدمية التي تكون أكثر عرضة للتأويل والإشاعات.
3- الاقتراب من الناس
كلما كان الخطاب الإعلامي قريبًا من لغة الناس وأسئلتهم اليومية، زادت قدرته على بناء الثقة. أما اللغة الرسمية الجافة وحدها، فغالبًا لا تكفي لإقناع جمهور يعيش ضغط الأسعار والخدمات والهموم اليومية.
4- الفصل بين الرأي والمعلومة
جزء من أزمة المشهد الإعلامي في المنطقة عمومًا هو الخلط بين الخبر والتحليل والدعاية. والمطلوب هنا أن يبقى الخبر قائمًا على وقائع واضحة، ثم يأتي الرأي في مساحة منفصلة ومعلنة.
الوعي ليس مهمة الإعلام وحده
رغم مركزية دور الإعلام، فإن بناء الوعي لا يمكن اختزاله في الشاشات والمنصات. فالمدرسة، والجامعة، والمؤسسة الدينية، والأسرة، والمراكز الثقافية، كلها تشارك في هذه المهمة. وفي هذا السياق، تواصل الهيئة العامة للاستعلامات تنفيذ برامج ميدانية للتوعية في المحافظات، ضمن خطة تستهدف قضايا الأمن القومي والوعي الرقمي والصحة والطاقة والهوية الوطنية، في إطار ما تصفه الدولة ببناء الإنسان المصري.
كما أن مواجهة تزييف الوعي لا تعني بالضرورة مصادرة النقاش أو إلغاء الاختلاف، بل تعني قبل كل شيء إرساء حقائق يمكن التحقق منها، وفتح المجال العام لمناقشة السياسات والمشكلات على أساس معلومات صحيحة، لا على أساس شائعات أو قصص مفبركة أو مقاطع مبتورة.
بين التحذير الرئاسي واختبار المصداقية
تحذير الرئيس عبد الفتاح السيسي يضع الإعلام المصري أمام اختبار مهني واضح: هل يستطيع أن يتحول من رد الفعل إلى المبادرة؟ وهل يملك الأدوات الكافية لمنافسة المحتوى المضلل الذي ينتشر بسرعة هائلة؟ الإجابة لن تُقاس بالشعارات، بل بقدرة المؤسسات على تقديم محتوى موثوق، سريع، مفهوم، وقريب من الناس.
في النهاية، تبقى معركة الوعي في مصر مرتبطة بقدر ما تملكه الدولة والمجتمع من شفافية وسرعة استجابة ومهنية في تداول المعلومات. ومع اتساع تأثير المنصات الرقمية، يصبح السؤال الذي طرحه التحذير الرئاسي مشروعًا أكثر من أي وقت مضى: أين دور الإعلام؟ والإجابة الأقرب أن هذا الدور لا يزال مطلوبًا بقوة، لكن نجاحه مرهون بأن يكون إعلامًا يفسر ولا يردد، يدقق ولا ينجرف، ويبني الثقة بدل أن يكتفي بملاحقة الشائعة بعد انتشارها.