تحذير قاليباف من شركات الذكاء الاصطناعي: ما الذي يقلق المنطقة؟
تحذير إيراني يتجاوز التكنولوجيا إلى السياسة
في توقيت تتسابق فيه عواصم الشرق الأوسط على جذب استثمارات الذكاء الاصطناعي، برز تحذير رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (@mb_ghalibaf على إنستغرام) بوصفه رسالة سياسية بقدر ما هو ملاحظة تكنولوجية. قاليباف، الذي يشغل رئاسة البرلمان الإيراني منذ عام 2020، وجّه تحذيراً إلى حكومات المنطقة ومستثمريها من الانخراط غير المحسوب مع شركات الذكاء الاصطناعي، في إشارة تعكس قلقاً متزايداً من أن تتحول الطفرة التقنية إلى بوابة نفوذ خارجي جديد، لا مجرد فرصة اقتصادية.
ورغم أن الصياغات الإيرانية المعتادة كثيراً ما تُقدَّم في إطار أيديولوجي أو أمني، فإن جوهر الرسالة هذه المرة يستحق التوقف: من يملك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؟ من يتحكم في البيانات؟ ومن يضع قواعد استخدام النماذج والمنصات التي قد تدخل لاحقاً إلى التعليم والإعلام والقطاع المالي والخدمات الحكومية؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، خصوصاً مع التوسع السريع في الاستثمارات الإقليمية في مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والنماذج اللغوية، والشراكات مع شركات تقنية عالمية.
لماذا يبدو التحذير منطقياً حتى لو صدر من طهران؟
التحذير الإيراني يمكن قراءته بطريقتين. الأولى أنه امتداد لخطاب سياسي يرى في الشركات التقنية الكبرى أدوات تأثير جيوسياسي. والثانية، وهي الأهم عربياً، أنه يلامس قضية حقيقية تتعلق بـالسيادة الرقمية. فشركات الذكاء الاصطناعي لا تبيع برامج فقط، بل تبني طبقات من الاعتماد طويل الأجل: بيانات، سحابة، تدريب نماذج، واجهات برمجة، وخدمات تشغيل وتحليلات. ومع الوقت، قد تصبح الحكومات أو الشركات الكبرى رهينة لمورّد تقني واحد أو اثنين.
هذا القلق ليس إيرانياً فقط. ففي المنطقة، تتوسع استثمارات كبيرة في الذكاء الاصطناعي على مستوى الحكومات وصناديق الثروة والشركات الكبرى. وفي الإمارات مثلاً، أعلنت دبي القابضة في عام 2025 تعاوناً واسعاً مع مايكروسوفت لتوظيف الذكاء الاصطناعي داخل عملياتها، كما أُعلن في العام نفسه عن مشروع مشترك بين دبي القابضة وPalantir تحت اسم Aither لتوسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي المؤسسي في دبي. هذه التحركات تؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعاً ناشئاً على الهامش، بل بات جزءاً من استراتيجيات الدولة والاقتصاد والاستثمار طويل الأمد.
من الاستثمار إلى الارتهان
المشكلة ليست في الاستثمار نفسه، بل في شكل هذا الاستثمار. عندما تتعاقد دولة أو مؤسسة مالية كبرى مع شركة أجنبية لتشغيل طبقات حساسة من التحليل واتخاذ القرار أو إدارة البيانات، فإنها لا تحصل فقط على كفاءة أعلى، بل تمنح أيضاً مورداً خارجياً موطئ قدم داخل منظومة سيادية. ومن هنا تبدو رسالة قاليباف أقرب إلى التحذير من الاعتماد غير المتوازن أكثر من كونها رفضاً للتكنولوجيا في حد ذاتها.
في هذا السياق، تتقاطع الرسالة الإيرانية مع نقاش عالمي أوسع حول تنظيم الذكاء الاصطناعي، خاصة في ما يتعلق بالشفافية، وحماية البيانات، والانحياز الخوارزمي، والأمن السيبراني. ومع تصاعد قدرات النماذج التوليدية، أصبحت المخاطر تمتد من الاقتصاد والإعلام إلى الأمن القومي نفسه، وهو ما يفسر الحساسية المتزايدة لدى الحكومات تجاه الشركات التي تطور هذه الأنظمة أو تحتكر مواردها الحاسوبية.
ماذا يعني هذا لمصر؟
بالنسبة إلى القارئ المصري، فإن أهمية هذا التحذير لا تتعلق بالموقف الإيراني بقدر ما تتعلق بالأسئلة التي يطرحها على صانع القرار العربي. مصر نفسها تتحرك في هذا الملف بوتيرة متصاعدة. فقد أطلقت الدولة الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030 عبر المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي، وهي استراتيجية تركز على الحوكمة، والبيانات، والبنية التحتية، وتنمية المهارات، ودعم الابتكار، والتوسع في التطبيقات ذات الأولوية.
كما تؤكد وثائق رسمية مصرية أن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية باتت من القطاعات الاستثمارية الواعدة، مع ربطها بنمو الصادرات الرقمية وتوسيع قاعدة المهارات. وتشير مستهدفات خطة 2025/2026 في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى استثمارات عامة بقيمة 13 مليار جنيه للقطاع، إلى جانب هدف رفع الصادرات الرقمية السنوية إلى 8.5 مليار دولار، منها نحو 6 مليارات دولار لصادرات التعهيد. هذه الأرقام تكشف أن القاهرة تنظر إلى الاقتصاد الرقمي، بما فيه الذكاء الاصطناعي، كأداة تنمية وتنافسية لا مجرد ملف تقني.
والأهم أن مصر تسعى إلى بناء مقاربة أكثر توازناً بين الاستفادة من الشراكات الدولية وبين وضع أطر حوكمة وطنية. فقد أشارت تقارير اليونسكو إلى تقدم مصر في ملف الجاهزية للذكاء الاصطناعي، كما أوردت منصة اليونسكو الخاصة بمصر أن البلاد جاءت في المرتبة الأولى أفريقياً والسابعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفق مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي الصادر عن Oxford Insights لعام 2024. هذه المؤشرات لا تعني الاكتفاء، لكنها تعني أن النقاش في مصر يجب أن ينتقل من الاحتفاء بالتكنولوجيا إلى إدارة تبعاتها السياسية والاقتصادية.
بين المخاوف المشروعة والمبالغة السياسية
من المهم أيضاً عدم تلقّي كلام قاليباف باعتباره حقيقة مكتملة أو إنذاراً تقنياً محايداً. الرجل سياسي محافظ في دولة تخوض نزاعات نفوذ حادة مع الغرب ومع عدد من القوى الإقليمية، وبالتالي فإن خطابه لا ينفصل عن حسابات طهران وموقعها في معادلة العقوبات والتنافس التكنولوجي. لكن هذا لا يلغي أن بعض النقاط التي يثيرها تستند إلى مخاوف حقيقية يتحدث عنها خبراء وسياسات عامة حول العالم: من يملك النموذج؟ أين تُخزَّن البيانات؟ كيف تُراقَب الخوارزميات؟ ومن يضمن ألا تتحول المنصات إلى أدوات تأثير ناعم أو ابتزاز اقتصادي؟
وفي الشرق الأوسط تحديداً، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً لأن المنطقة لا تدخل سباق الذكاء الاصطناعي من موقع واحد. هناك دول تمتلك رؤوس أموال ضخمة وتسعى لشراء التكنولوجيا سريعاً، ودول أخرى تركز على التدريب والخدمات العابرة للحدود، وأخرى تحاول بناء نماذجها أو بنيتها المحلية. هذا التفاوت يفتح الباب أمام نوعين من المخاطر:
- مخاطر التبعية التقنية: حين تصبح الأنظمة المحلية معتمدة بالكامل على منصات أجنبية لا يمكن استبدالها بسهولة.
- مخاطر فجوة السياسات: حين يسبق الاستثمارُ التشريعاتِ والضمانات الأخلاقية والأمنية.
- مخاطر سوقية: حين تتدفق الأموال إلى وعود تسويقية مبالغ فيها، بينما تبقى القيمة الفعلية أقل من المعلن.
الدرس الأهم: لا رفض أعمى ولا اندفاع أعمى
القراءة الأكثر نضجاً لتحذير قاليباف ليست تبني الخطاب الإيراني، ولا السخرية منه، بل التعامل معه كجرس إنذار يدعو إلى التوازن. الشرق الأوسط يحتاج إلى استثمارات الذكاء الاصطناعي بالفعل، لكنه يحتاج أكثر إلى سياسات شراء ذكية، واشتراطات محلية لحوكمة البيانات، ونقل معرفة حقيقي، وبناء قدرات وطنية في التدريب والتقييم والتدقيق الخوارزمي.
بالنسبة لمصر، قد يكون الدرس العملي واضحاً: كلما توسعنا في جذب الشركات والمشروعات الرقمية، يجب أن يتوازى ذلك مع تقوية البنية التنظيمية، وتدريب الكوادر، وتوسيع دور المراكز الوطنية للابتكار التطبيقي، وعدم الاكتفاء بدور السوق المستهلكة. فالمكسب الحقيقي لن يكون في استيراد أدوات جاهزة فقط، بل في اكتساب قدرة محلية على الفهم والتعديل والاختيار والمساءلة.
في النهاية، ربما أراد قاليباف أن يوجه رسالة سياسية إلى جوار إيران الإقليمي، لكن مضمون الرسالة يظل أوسع من حدود طهران. فالذكاء الاصطناعي في المنطقة ليس مجرد سباق استثماري أو عنوان دعائي في مؤتمرات التكنولوجيا، بل ملف سيادي من الطراز الأول. ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغل القاهرة وبقية العواصم العربية ليس: هل نستثمر في الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نستثمر من دون أن نخسر السيطرة على بياناتنا وقرارنا ومستقبلنا الرقمي؟