Akhbar Cairo

تحذير مصري بعد حديث إثيوبي عن سدود جديدة على النيل

قراءة مصرية لتصريحات إثيوبيا حول سدود جديدة على النيل

أعادت التصريحات المنسوبة إلى وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا الجدل من جديد حول مستقبل إدارة مياه النيل، بعد حديثه في مناسبات رسمية عن دور السدود الإثيوبية في تنظيم التدفق المائي إلى دولتي المصب، بالتوازي مع استمرار الخطاب الإثيوبي الذي يربط مشروعات السدود بأولويات التنمية والطاقة داخل أديس أبابا. وفي القاهرة، جاء التعاطي مع هذه الرسائل من زاوية أكثر اتساعًا، لا تتوقف عند مضمون التصريح وحده، بل تمتد إلى السياق الإقليمي في القرن الإفريقي، وحساسية ملف الأمن المائي المصري.

وفي هذا الإطار، برزت مداخلة الدكتور محمد نصر الدين، وزير الموارد المائية والري الأسبق، الذي وصف مثل هذه التصريحات بأنها غير موفقة، معتبرًا أن قراءتها لا بد أن تتم ضمن المشهد السياسي والأمني الأشمل، وليس بوصفها مجرد تصريحات فنية تتعلق بإدارة مورد مائي عابر للحدود. وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في مصر، حيث يُنظر إلى نهر النيل باعتباره قضية وجودية تتجاوز حدود الخلافات التقليدية بين الدول.

ما الذي قاله الجانب الإثيوبي؟

الخطاب الإثيوبي الرسمي خلال الفترة الأخيرة لم يخرج عن مسار ثابت نسبيًا، يقوم على التأكيد أن سد النهضة يمثل مشروعًا سياديًا للتنمية وتوليد الكهرباء، وأنه - بحسب الرواية الإثيوبية - يسهم في تنظيم تدفقات المياه ويقلل مخاطر الفيضانات على دول المصب. هذا المعنى ورد بوضوح في تصريحات سابقة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا، الذي قال في أغسطس 2025 إن السد يضمن تدفقًا منظمًا للمياه ويحد من أخطار الفيضانات، كما كرر في مارس 2026 حديثه عن الدور الإثيوبي في إدارة مياه النيل وربط ذلك بأولويات المناخ والتنمية.

كما أن الخطاب الإثيوبي استمر في الدفاع عن التوسع في البنية المائية داخل البلاد، بما يشمل السدود الصغيرة والمتوسطة ومشروعات تخزين المياه، وهي مقاربة تقول أديس أبابا إنها ترتبط بالتنمية الزراعية ومواجهة الجفاف والتغير المناخي. ووفق تصريحات رسمية إثيوبية في فبراير 2026، فإن الحكومة هناك تضع ضمن أولوياتها حلولًا مائية محلية تشمل المياه الجوفية وحصاد الأمطار وإنشاء سدود صغيرة على مستويات محلية مختلفة.

لماذا تتعامل مصر بحذر مع هذا النوع من التصريحات؟

السبب الرئيسي يعود إلى الطبيعة الحساسة للملف المائي المصري. فبحسب وزارة الموارد المائية والري، تعتمد مصر بأكثر من 98% على مياه نهر النيل، بينما تبلغ حصتها الثابتة من مياه النهر 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، في وقت تتجاوز فيه الاحتياجات المائية السنوية 114 مليار متر مكعب، وهو ما يخلق فجوة كبيرة تعمل الدولة على تغطيتها عبر إعادة استخدام المياه والاستيراد غير المباشر لما يعرف بالمياه الافتراضية في السلع الزراعية.

وتوضح البيانات الرسمية أيضًا أن نصيب الفرد من المياه في مصر هبط إلى مستويات دون خط الفقر المائي العالمي؛ إذ أشارت الوزارة في بيانات حديثة إلى انخفاضه إلى نحو 490 مترًا مكعبًا سنويًا، وهو ما يفسر لماذا يُنظر في القاهرة إلى أي تحرك أحادي على النيل الأزرق باعتباره مسألة تمس الأمن القومي مباشرة، وليس مجرد ملف تفاوضي تقني.

محمد نصر الدين: توازن مصري بين السياسة والأمن

أهمية حديث الدكتور محمد نصر الدين لا تكمن فقط في توصيفه التصريحات الإثيوبية بأنها غير موفقة، بل في إشارته إلى أن الموقف المصري يتسم بالتوازن، سياسيًا وأمنيًا. وهذا الوصف ينسجم مع الخطاب الرسمي المصري خلال السنوات الأخيرة، والذي يقوم على ركيزتين متوازيتين: التمسك بحقوق مصر المائية التاريخية والقانونية، والحرص في الوقت نفسه على عدم الانزلاق إلى مقاربات متسرعة أو خطاب تصعيدي غير محسوب.

هذا التوازن ظهر بوضوح في مواقف وزارة الخارجية المصرية، التي أكدت أن مسار المفاوضات بشأن سد النهضة انتهى في ديسمبر 2023 بعد 13 عامًا من التفاوض دون التوصل إلى اتفاق، مع استمرار مصر في متابعة تطورات ملء وتشغيل السد عن كثب، واحتفاظها بكامل حقوقها المكفولة بموجب ميثاق الأمم المتحدة للدفاع عن مصالحها المائية. كما شددت القاهرة في بياناتها الرسمية على رفض الإجراءات الأحادية الإثيوبية، واعتبارها مخالفة للقانون الدولي واتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015.

ومن زاوية ميدانية، تواصل وزارة الموارد المائية والري في مصر متابعة تدفقات النيل وتطورات تشغيل سد النهضة بصورة مستمرة. وفي يوليو 2026، أكد الوزير الدكتور هاني سويلم أن غياب اتفاق قانوني ملزم وآلية واضحة لتبادل البيانات بشأن السد الإثيوبي يخلق حالة من عدم اليقين في تدفقات المياه، ويعقّد إدارة المنشآت المائية في دول المصب، خاصة السودان، في أوقات الفيضان والتغيرات السريعة في التصرفات المائية.

القرن الإفريقي في خلفية المشهد

التحليل المصري لتصريحات السدود الجديدة لا ينفصل عن التوترات الأوسع في القرن الإفريقي. فالقاهرة تنشط دبلوماسيًا في هذا الملف ضمن مقاربة أشمل تتعلق بالأمن الإقليمي، وهو ما ظهر في الاجتماعات والاتصالات التي أجرتها وزارة الخارجية المصرية خلال 2026 مع عدد من الأطراف الإفريقية المعنية باستقرار المنطقة. ووفق بيانات رسمية، تؤكد مصر أن استقرار القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر يرتبطان مباشرة بالأمن القومي المصري.

ومن هنا، فإن أي تصريح إثيوبي يتحدث عن التحكم في التدفقات أو التوسع في السدود لا يُقرأ في مصر باعتباره مجرد إعلان تنموي داخلي، بل باعتباره جزءًا من معادلة جيوسياسية أوسع تشمل توازنات الإقليم، وموقع إثيوبيا داخل شرق إفريقيا، وحدود تأثير ذلك على السودان ومصر معًا.

كيف تتحرك مصر داخليًا لمواجهة الضغوط المائية؟

بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي، تبني الدولة المصرية استجابتها على إجراءات داخلية واسعة لتقليل الهشاشة المائية. وزارة الري تؤكد أنها تنفذ مشروعات كبرى لإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتطوير المنظومة المائية ضمن ما تسميه الجيل الثاني لمنظومة الري 2.0. كما تشير البيانات الرسمية إلى تنفيذ ثلاثة مشروعات كبرى لإعادة الاستخدام بطاقة تصل إلى 4.80 مليار متر مكعب سنويًا، إلى جانب التوسع في التحلية، وتحديث الميزان المائي سنويًا، ورفع كفاءة إدارة الموارد المتاحة.

هذه السياسة تعكس أن القاهرة لا تكتفي بالاعتراض السياسي على التحركات الأحادية في حوض النيل الشرقي، بل تسعى أيضًا إلى بناء قدرة داخلية على التكيف، وهو ما يمنح موقفها قدرًا أكبر من الصلابة في أي مرحلة مقبلة.

خلاصة المشهد

الرسالة الأساسية التي يمكن التقاطها من القراءة المصرية الحالية هي أن القاهرة لا تتعامل مع تصريحات السدود الإثيوبية باعتبارها أزمة إعلامية عابرة، وإنما كمؤشر يستدعي اليقظة السياسية والفنية والأمنية. وفي هذا السياق، تبدو مقولة “التوازن المصري” التي تحدث عنها الدكتور محمد نصر الدين معبرة عن جوهر السياسة المصرية: رفض التهديد للأمن المائي، مع الإبقاء على التحرك في الأطر الدبلوماسية والقانونية والفنية، وبالتوازي مع تعزيز الجبهة الداخلية مائيًا.

وبالنسبة للشارع المصري، تبقى القضية أبعد من مجرد خلاف حول سد أو تصريح. إنها مسألة تتعلق بحق دولة يزيد عدد سكانها على مائة مليون نسمة في موردها المائي الرئيسي، في وقت تتسارع فيه ضغوط المناخ والسكان والسياسة في الإقليم كله. ولهذا، فإن أي حديث عن سدود جديدة على النيل سيظل في القاهرة موضع متابعة دقيقة، وحسابات شديدة الحساسية.