Akhbar Cairo

تحركات إسرائيلية جنوب سوريا تثير مخاوف بشأن دمشق

تصعيد ميداني جديد في الجنوب السوري

تتزايد في الأسابيع الأخيرة المؤشرات على أن النشاط العسكري الإسرائيلي داخل سوريا لم يعد مقتصرًا على الغارات الجوية المتفرقة، بل يتجه إلى نمط أوسع يجمع بين القصف، والتوغلات البرية، ورفع الجاهزية على طول الجبهة الجنوبية. وفي هذا السياق، تداولت وسائل إعلام عبرية تقارير عن تدريبات أجرتها الفرقة 210 الإسرائيلية، وهي التشكيل المسؤول عن قطاع الجولان والحدود مع سوريا، بقيادة العميد يائير פלאي، على سيناريوهات توصف بأنها هجومية ودفاعية في آن واحد.

وتكتسب هذه التقارير حساسية خاصة لأنها تأتي بالتزامن مع استمرار العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وخصوصًا في محيط ريف دمشق وجنوب البلاد، وهو ما يعزز المخاوف من محاولة فرض واقع أمني جديد يتجاوز منطق “الردع الحدودي” إلى إدارة ميدانية مباشرة لمناطق قريبة من العاصمة السورية.

ماذا نعرف عن تدريبات الفرقة 210؟

المعطيات المتاحة من مصادر إسرائيلية تشير إلى أن الفرقة 210، المعروفة أيضًا باسم “باشان”، رفعت من وتيرة استعدادها خلال الأشهر الماضية، مع التركيز على محاكاة التسلل، والتعامل مع هجمات منسقة، والانتشار السريع على الجبهة السورية. كما أفادت تقارير إسرائيلية حديثة بأن هذه الفرقة نفذت خلال سبتمبر/أيلول 2026 تدريبًا واسع النطاق على الحدود مع سوريا، في إطار ما وصفه الجيش الإسرائيلي برفع الجاهزية للسيناريوهات المتغيرة على تلك الجبهة.

اسم يائير פלאي برز بوضوح في هذه التطورات، باعتباره قائد الفرقة 210 منذ عام 2024، وهو ضابط إسرائيلي يحمل رتبة عميد ويتولى قيادة القطاع المسؤول عن الجولان المحتل والمنطقة المقابلة له داخل سوريا. وتُظهر صور منشورة من مصادر مفتوحة ظهوره خلال تقييمات ميدانية على حدود سوريا وفي مناسبات عسكرية مرتبطة بجبهة الشمال.

لماذا تثير هذه التدريبات القلق؟

القلق لا يرتبط فقط بطبيعة التدريب العسكري بحد ذاته، وإنما بتوقيته وسياقه. فمنذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تاريخ سقوط نظام بشار الأسد وفق التقارير المتداولة عن التحول السياسي والعسكري الكبير في دمشق، كثفت إسرائيل عملياتها في الأراضي السورية، بالتوازي مع إعلانها انهيار ترتيبات فصل القوات الموقعة عام 1974، ثم توسيع انتشارها في المنطقة العازلة ومواقع أخرى في الجنوب السوري.

هذا التطور جعل أي حديث عن تدريبات إسرائيلية على سيناريوهات توغل أو سيطرة محدودة داخل سوريا يبدو أبعد من مجرد تمرين روتيني، خصوصًا مع تكرار التقارير عن عمليات دهم وتفتيش، ونقاط عسكرية، وتحركات برية متواصلة في محافظات الجنوب وعلى مقربة من ريف دمشق.

من الغارات إلى التوغلات: كيف اتسع النشاط الإسرائيلي؟

خلال عامي 2025 و2026، لم تعد الضربات الإسرائيلية في سوريا محصورة في استهداف شحنات سلاح أو مواقع مرتبطة بإيران كما كان يحدث في سنوات سابقة. فبحسب تقارير عربية ودولية، بلغت الحملة ذروتها في 17 يونيو/حزيران 2025 عندما تعرضت دمشق لغارات استهدفت مبنى الأركان العامة ووزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي، في تصعيد لافت حمل رسائل سياسية وعسكرية مباشرة إلى السلطة القائمة في العاصمة.

ثم تواصلت الضربات لاحقًا على بنى عسكرية ومطارات وقواعد داخل البلاد. وفي 18 أغسطس/آب 2026 أقرت إسرائيل بقصف مطار أبو الظهور العسكري في إدلب، مبررة العملية بدواعٍ أمنية مرتبطة بمنع تغيير التوازنات الميدانية. ووفق خرائط وتقارير رصدت الهجمات منذ أواخر 2024، شملت الاستهدافات مطارات وقواعد ومخازن سلاح في محيط دمشق وحمص وحماة والساحل السوري ومناطق أخرى.

الأخطر من ذلك أن المشهد لم يعد جويًا فقط. ففي 12 سبتمبر/أيلول 2026 أفادت وسائل إعلام سورية بوقوع قصف مدفعي إسرائيلي استهدف منطقة عين الشعرة قرب بلدة بيت جن في ريف دمشق، من دون تسجيل إصابات، بينما تحدثت تقارير أخرى خلال الأشهر السابقة عن توغلات وعمليات برية متكررة في الجنوب السوري ومحيط المناطق المحاذية للجولان.

هل الهدف دمشق أم إعادة رسم شريط أمني؟

العنوان المتداول عن “احتلال دمشق” يبدو سياسيًا وإعلاميًا أكثر من كونه توصيفًا عسكريًا مباشرًا لعملية وشيكة. لكن ما يمكن التحقق منه بوضوح هو أن إسرائيل تعمل منذ نهاية 2024 على إعادة تشكيل البيئة الأمنية في جنوب سوريا، سواء عبر تدمير البنية العسكرية السورية، أو منع إعادة بناء قدرات جوية وصاروخية، أو فرض خطوط حركة جديدة في المناطق القريبة من الجولان.

ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي بالنسبة لسوريا والمنطقة لا يكمن بالضرورة في سيناريو دخول مباشر إلى العاصمة، بل في بناء واقع تدريجي يجعل جنوب البلاد، من القنيطرة إلى درعا وريف دمشق، مساحة مكشوفة عسكريًا أمام التفوق الإسرائيلي، وهو ما يمنح تل أبيب قدرة أكبر على الضغط السياسي والميداني في أي مفاوضات أو ترتيبات مقبلة.

ما الذي يعنيه ذلك للقارئ المصري؟

بالنسبة للمتابع في مصر، فإن ما يجري في جنوب سوريا لا يمكن فصله عن توازنات الإقليم الأوسع. فكل تغيير قسري في خرائط النفوذ أو خطوط التماس في المشرق العربي ينعكس على معادلات الأمن القومي العربي، وعلى مستقبل الدولة الوطنية في المنطقة. كما أن اتساع التدخلات العسكرية الخارجية داخل دولة عربية يفتح الباب أمام موجات توتر جديدة تمتد آثارها من الحدود السورية إلى ملفات إقليمية أخرى.

ومن زاوية سياسية، فإن تثبيت وقائع ميدانية جديدة بالقوة يضع المنطقة أمام سابقة شديدة الحساسية: حدود يعاد تعريفها بالنار، وسيادة تُستنزف عبر الضربات اليومية، وعاصمة عربية تبقى تحت ضغط عسكري دائم حتى في غياب حرب شاملة معلنة.

دمشق بين المسار الأمني والاختبار العسكري

في المقابل، تشير تصريحات ومسارات دبلوماسية متفرقة إلى أن دمشق حاولت خلال 2026 إبقاء باب الاتصالات الأمنية مفتوحًا بصورة غير مباشرة، لكن الضربات الإسرائيلية المتواصلة قوضت أي فرصة لبناء حد أدنى من الثقة. هذا التناقض بين مسار اتصالات أمني محتمل وبين استمرار الاستهدافات الميدانية يوضح أن إسرائيل تريد التفاوض من موقع السيطرة لا من موقع التهدئة المتبادلة.

ومع استمرار تحركات الفرقة 210 بقيادة يائير פלאي، وتكرار المناورات على الحدود السورية، تبدو الرسالة الإسرائيلية واضحة: الجيش يستعد لاحتمالات أوسع من مجرد حماية خط وقف إطلاق النار. أما ما إذا كانت هذه الاستعدادات ستبقى ضمن نطاق الضغط والردع، أم ستتحول إلى عمليات أعمق داخل الجنوب السوري، فذلك سيبقى مرهونًا بتطورات الميدان وبقدرة سوريا على استعادة قدر من التماسك العسكري والسيادي في المرحلة المقبلة.

خلاصة المشهد

المؤكد حتى الآن أن جنوب سوريا يعيش مرحلة شديدة السيولة، وأن النشاط الإسرائيلي هناك يتخذ منحى أكثر علنية واتساعًا من السابق. تدريبات الفرقة 210، والغارات على دمشق ومحيطها، والقصف المدفعي في ريف دمشق، والتوغلات المتكررة جنوب البلاد، كلها حلقات في مسار واحد عنوانه: فرض معادلة أمنية إسرائيلية جديدة داخل الأراضي السورية. وبين التهويل الإعلامي والوقائع العسكرية الثابتة، تبقى الحقيقة الأوضح أن دمشق تواجه ضغطًا متصاعدًا، وأن مستقبل الجنوب السوري صار أحد أكثر ملفات العالم العربي سخونة وتعقيدًا.