Akhbar Cairo

تحركات السيسي الآسيوية تعزز رهان مصر على الشراكة مع سيول

مصر توسع دوائر حركتها الخارجية شرقًا

تأتي القراءة التي طرحها الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، في توقيت يرتبط بتكثيف القاهرة لتحركاتها الآسيوية، وبصورة خاصة في اتجاه كوريا الجنوبية، باعتبارها شريكًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا قادرًا على إضافة بعد جديد للعلاقات الخارجية المصرية. وخلال مداخلة تلفزيونية أشار فهمي إلى أن تحرك الرئيس عبد الفتاح السيسي يعكس توجهًا مصريًا إلى تنويع التحالفات وعدم حصر الشراكات في نطاق جغرافي واحد، وهو طرح يتقاطع مع مسار رسمي قائم بالفعل خلال الأعوام الأخيرة على توسيع مجالات التعاون مع القوى الآسيوية.

هذا التوجه لا ينفصل عن رؤية مصر لإعادة تموضعها الاقتصادي والدبلوماسي عبر الاستفادة من موقعها الجغرافي، وشبكة اتفاقياتها التجارية، ودورها السياسي في الإقليم، بما يجعلها نقطة جذب للشركات الباحثة عن قاعدة انطلاق إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. وفي هذا السياق، تبدو كوريا الجنوبية من أكثر الدول الآسيوية اهتمامًا بتعميق وجودها الاقتصادي في السوق المصرية، سواء عبر التمويل التنموي أو الشراكات الصناعية والتكنولوجية.

لماذا تكتسب كوريا الجنوبية أهمية خاصة في الحسابات المصرية؟

العلاقات بين القاهرة وسيول لم تعد تقتصر على التمثيل الدبلوماسي التقليدي، بل تطورت إلى شراكة ذات مضمون اقتصادي وتنموي أوضح. ووفق بيانات الهيئة العامة للاستعلامات، شهدت العلاقات المصرية الكورية تعاونًا ممتدًا في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والصناعة ومجالس الأعمال المشتركة، مع تركيز متزايد على جذب الاستثمارات الكورية إلى مصر.

كما أكدت وزارة التعاون الدولي في يونيو 2024، خلال زيارة الدكتورة رانيا المشاط (@raniamashat على إنستغرام) إلى سيول، أن العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين تتطور بما يتماشى مع أولويات التنمية في مصر، وأن القاهرة تعمل على توسيع مجالات التعاون مع الجانب الكوري في ملفات الاقتصاد والاستثمار والتمويل التنموي. وأوضحت الوزارة أيضًا أن كوريا الجنوبية صنفت مصر ضمن الشركاء ذوي الأولوية في خطط التعاون التنموي، وهو ما يعكس وزن القاهرة في الرؤية الكورية تجاه المنطقة.

مصر كبوابة للشركات الكورية

الحديث عن بحث كوريا الجنوبية عن موطئ قدم استثماري في الشرق الأوسط انطلاقًا من مصر يستند إلى اعتبارات عملية واضحة. فالدولة المصرية تعرض على المستثمر الأجنبي مجموعة عناصر جاذبة، من بينها:

  • الموقع الجغرافي الرابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
  • اتفاقيات التجارة الحرة التي تفتح أسواقًا عربية وأفريقية واسعة أمام المنتجات المصنّعة في مصر.
  • المشروعات القومية والبنية التحتية التي تستوعب شراكات صناعية وتكنولوجية جديدة.
  • التركيز على التصنيع ونقل التكنولوجيا بدل الاكتفاء بالتبادل التجاري التقليدي.

وفي هذا الإطار، أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال مؤتمر صحفي سابق مع رئيس كوريا الجنوبية، إلى رغبة مصر في جذب المزيد من الشركات والاستثمارات الكورية، مع استعداد الدولة لتقديم التسهيلات اللازمة وتهيئة مناخ استثماري مناسب، خاصة في قطاعات الطاقة والتعدين والنقل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

الدبلوماسية الرئاسية كأداة لجذب الاستثمار

الزاوية التي ركز عليها طارق فهمي تتعلق بما سماه توظيف الدبلوماسية الرئاسية، وهي مقاربة ظهرت بوضوح في السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة. فالقاهرة تعتمد على اللقاءات الرئاسية والزيارات المتبادلة لتسريع الملفات الاقتصادية، وتحويل العلاقات السياسية إلى فرص استثمار ومشروعات تنفيذية. هذه الآلية تبدو مهمة بشكل خاص مع دول مثل كوريا الجنوبية، التي ترتبط استثماراتها الخارجية عادة بحسابات الاستقرار، ووضوح السياسات، وقدرة الشريك المحلي على توفير بيئة عمل طويلة الأمد.

وتشير بيانات رسمية مصرية إلى أن التعاون مع كوريا الجنوبية شمل بالفعل حزمة مشروعات ومنح وتمويلات، بينها مشروعات مرتبطة بالتعليم التكنولوجي، ومراكز المحاكاة والتدريب، ومنصة رقمية للهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، بما يسهم في تسهيل حركة التجارة وتقليل زمن الإفراج الجمركي. وهذه النوعية من المشروعات تعكس أن الشراكة بين البلدين لا تتجه فقط إلى الاستهلاك أو التجارة، بل إلى رفع الكفاءة المؤسسية ونقل الخبرات.

ما الذي تريده سيول من السوق المصرية؟

من الجانب الكوري، تبدو مصر أكثر من مجرد سوق محلية كبيرة. فبحسب ما نقلته لقاءات رسمية بين مسؤولين مصريين وسفير كوريا الجنوبية في القاهرة خلال 2024 و2025، فإن سيول تنظر إلى مصر كشريك قادر على دعم التوسع الكوري في أفريقيا، خاصة في مجالات الصناعة، والاستثمار، ودعم الشركات، ورأس المال المخاطر، والمشروعات الكبرى. كما أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تحظى باهتمام واضح في هذا المسار، لما توفره من مزايا لوجستية وصناعية للشركات الراغبة في التصدير وإعادة التصدير.

القراءة السياسية لهذا التوجه تعني أن كوريا الجنوبية تسعى إلى حضور أكثر رسوخًا في منطقة شديدة التنافسية، بينما تراهن مصر على هذا الاهتمام لتحويله إلى استثمارات مباشرة، وفرص عمل، وشراكات تصنيعية أعمق. ومن هنا تكتسب الزيارات الرئاسية أهميتها، باعتبارها إطارًا سياسيًا يسبق عادة دخول الشركات الكبرى أو توسعها.

توقيت التحرك المصري ودلالاته الإقليمية

تكتسب التحركات المصرية شرقًا أهمية مضاعفة في ظل تحولات النظام الاقتصادي الدولي، وسعي الدول المتوسطة إلى تنويع شركائها وتخفيف الاعتماد على محور واحد. ومن هذه الزاوية، فإن الانفتاح على كوريا الجنوبية ينسجم مع سياسة مصرية أوسع تهدف إلى توسيع قاعدة التعاون الدولي في التكنولوجيا والصناعة والتمويل والتنمية.

كما أن استمرار الاتصالات المصرية الكورية على مستوى الرئاسة والحكومة يعكس أن العلاقة لا تُدار فقط من زاوية البروتوكول السياسي، بل من منظور المصالح المتبادلة. ففي سبتمبر 2025، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على أهمية الاستثمارات الكورية في السوق المصرية، وعلى حرص الدولة على تشجيع المزيد من الشركات الكورية لاستكشاف الفرص المتاحة في مصر، مستندة إلى ما تتمتع به البلاد من استقرار ومزايا تنافسية واتفاقيات تجارة حرة مع الدول العربية والأفريقية.

بين السياسة والاقتصاد.. ماذا تعني الرسالة لمصر؟

في المحصلة، فإن تصريح طارق فهمي ينسجم مع مؤشرات رسمية متراكمة تؤكد أن مصر تعمل على تحديث دوائر سياستها الخارجية، مع إعطاء أولوية واضحة للشراكات الاقتصادية القادرة على تحقيق عائد تنموي مباشر. وكوريا الجنوبية، بما تمتلكه من خبرات صناعية وتكنولوجية وتمويلية، تبدو شريكًا مناسبًا لهذه المرحلة.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا المسار لا تتعلق فقط بحركة دبلوماسية خارجية، بل بما يمكن أن ينتج عنها داخليًا: مصانع جديدة، فرص تشغيل، نقل تكنولوجيا، وتطوير للبنية المؤسسية والإنتاجية. لذلك، فإن الحديث عن سعي كوريا الجنوبية إلى موطئ قدم في الشرق الأوسط عبر مصر لا يجب النظر إليه كشعار سياسي، بل كمؤشر على تنافس دولي متزايد على السوق المصرية وموقعها الإقليمي، وهو ما يمنح القاهرة مساحة أوسع للمناورة وبناء شراكات أكثر تنوعًا واستدامة.