Akhbar Cairo

تحركات أمريكية لخفض طواقم سفاراتها بالشرق الأوسط

واشنطن تتحرك لخفض الوجود غير الأساسي في بعثاتها

تسير الولايات المتحدة نحو تشديد إجراءاتها الأمنية في عدد من بعثاتها الدبلوماسية بالشرق الأوسط، مع تزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة المرتبطة بإيران. وبحسب ما أكدته تقارير متقاطعة ومعلومات منشورة من وزارة الخارجية الأمريكية، فإن التحرك يتركز على تقليص وجود الموظفين غير الأساسيين وتشغيل بعض المواقع الحساسة بأقل عدد ممكن من العاملين، بما يسمح باستمرار الخدمات الأساسية مع خفض المخاطر الأمنية على الأفراد.

الخطوة ليست معزولة عن المناخ الإقليمي الأوسع؛ إذ كشفت متابعة التطورات خلال يونيو 2025 عن تحركات أمريكية مرتبطة بسلامة العاملين في السفارات والقواعد والمنشآت ذات الصلة بالمصالح الأمريكية، خصوصا في العراق والبحرين والكويت، وسط تحذيرات من أن أي تصعيد عسكري مباشر أو غير مباشر قد ينعكس بسرعة على الوضع الأمني في الخليج والمشرق العربي.

ما الذي جرى في بغداد والمنطقة؟

المؤشرات الأوضح ظهرت في العراق، حيث تداولت وسائل إعلام دولية موثوقة في 11 و12 يونيو 2025 أن واشنطن شرعت في ترتيبات لسحب أو إبعاد الموظفين غير الأساسيين من سفارتها في بغداد، مع السماح أيضا بمغادرة بعض أفراد عائلات العسكريين من مواقع في المنطقة. كما أظهرت مواد منشورة عبر موقع السفارة الأمريكية في بغداد وجود تحديثات أمنية وتحضيرات مرتبطة بالوضع الإقليمي، بما يعكس انتقال البعثات إلى نمط عمل أكثر حذرا في الفترات عالية المخاطر.

وبالتوازي، تنص الإرشادات الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية على آليات تشغيل خاصة للبعثات التي تدخل أوضاعا مثل المغادرة المصرح بها أو المغادرة الإلزامية أو العمليات المقيدة. عمليا، يعني ذلك أن الأولوية تتحول إلى حماية الطاقم الأساسي، والإبقاء على العمل القنصلي والدبلوماسي في الحدود الضرورية، وتأجيل أو تخفيف بعض الأنشطة غير العاجلة.

البلدان الأكثر حساسية في هذا السياق

  • العراق: يظل من أكثر المواقع حساسية بالنسبة للولايات المتحدة، مع استمرار تحذير السفر الأمريكي إلى البلاد عند مستوى مرتفع للغاية بسبب مخاطر الإرهاب والنزاع المسلح والقدرة المحدودة على تقديم الخدمات الطارئة.
  • البحرين: ظهرت في البيانات الأمريكية باعتبارها من المواقع التي شملتها إجراءات تتعلق بمغادرة غير الطارئين في فترات التوتر.
  • الكويت ودول الخليج: ليست جميعها في وضع واحد، لكن حالة التأهب ارتفعت إقليميا مع متابعة يومية للمخاطر الأمنية والملاحة الجوية والبحرية.

لماذا ترفع واشنطن درجة الحذر الآن؟

السبب المباشر يرتبط بتقدير أمريكي لاحتمال تعرض المصالح الأمريكية في المنطقة لهجمات انتقامية أو ضغوط أمنية إذا توسعت المواجهة مع إيران أو مع جماعات حليفة لها. وزارة الخارجية الأمريكية نشرت لاحقا تنبيهات أوسع تخص الأمريكيين في الشرق الأوسط، دعتهم فيها إلى متابعة تحديثات السفارات والقنصليات والتسجيل لتلقي الإنذارات الأمنية، وهو ما يشير إلى أن المخاوف لا تقتصر على البعثات الرسمية وحدها، بل تشمل أيضا المدنيين الأمريكيين في المنطقة.

كما أن التحذيرات البحرية البريطانية والأمريكية من تزايد المخاطر في المنطقة تعزز هذا التقدير. فكلما ارتفع احتمال المواجهة، يصبح أمن الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز والطرق المؤدية إلى الخليج وبحر العرب جزءا من معادلة القرار الدبلوماسي، لأن أي اضطراب هناك يرفع احتمالات الاستهداف، أو على الأقل يخلق بيئة تشغيلية أكثر تعقيدا للبعثات الأجنبية.

ماركو روبيو ودور الخارجية الأمريكية

يقود وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عملية إدارة هذا النوع من الأزمات سياسيا ودبلوماسيا، من خلال الإشراف على قرارات تقليص الوجود غير الضروري ومراجعة أوضاع البعثات تباعا. وفي العادة، لا تعلن واشنطن كل التفاصيل التشغيلية المرتبطة بحماية السفارات، لكنها توضح الخطوط العامة عبر تنبيهات السفر والتصريحات المختصرة والإجراءات القنصلية. لذلك، فإن خفض أعداد الموظفين لا يعني بالضرورة إغلاق السفارة بالكامل، بل قد يكون إعادة تموضع مؤقتة تسمح باستمرار العمل الأساسي إلى أن تنخفض المخاطر.

ماذا تعني هذه التطورات للقارئ المصري؟

رغم أن الخبر يدور حول بعثات أمريكية، فإن أثره يتجاوز الإطار الدبلوماسي الضيق، لأن أي توتر واسع بين واشنطن وطهران ينعكس عادة على ملفات قريبة من الاهتمام اليومي في مصر، من بينها أسعار الطاقة، وكلفة الشحن، وتأمين الممرات البحرية، وحركة الطيران، وحتى شهية المستثمرين تجاه أسواق المنطقة. وبالنسبة لمصر، فإن استقرار الملاحة في البحر الأحمر والخليج يظل عاملا مهما في بيئة التجارة والطاقة والنقل الإقليمي.

ومن الزاوية العملية، تعكس هذه الإجراءات أن المؤسسات الأمريكية باتت تتعامل مع المشهد الإقليمي على أنه قابل للتغير السريع. لذلك، فإن أي تصعيد إضافي قد يدفع إلى خطوات أشد، مثل توسيع نطاق المغادرة المصرح بها، أو خفض الخدمات القنصلية، أو إصدار تنبيهات سفر أشمل للمواطنين الأمريكيين في عدد أكبر من دول المنطقة.

هل نحن أمام إغلاق واسع للسفارات؟

حتى الآن، لا توجد معطيات موثقة تسمح بالقول إن الولايات المتحدة تتجه إلى إغلاق شامل لسفاراتها في الشرق الأوسط. الأدق هو أن هناك إدارة أزمة مرنة تقوم على تقليل الأفراد الأكثر عرضة للخطر، مع الإبقاء على نواة تشغيلية محدودة. هذا النمط شائع في البيئات التي تشهد احتمالات عالية للتصعيد، لأنه يمنح صناع القرار مساحة للموازنة بين استمرار الحضور الدبلوماسي وبين متطلبات السلامة.

كما أن بعض الإشعارات الرسمية الصادرة لاحقا في المنطقة أظهرت أن سفارات معينة واصلت تقديم الخدمات الروتينية والطارئة، وإن مع احتمال حدوث بطء أو قيود زمنية. وهذا يؤكد أن ما يجري هو تقليص مدروس أكثر منه انسحابا كاملا.

السيناريوهات المقبلة

1) استمرار التوتر دون انفجار شامل

في هذا السيناريو، ستواصل السفارات الأمريكية العمل بإجراءات أمنية مشددة، مع بقاء الحد الأدنى من الموظفين في المواقع الأكثر حساسية، ومراجعة القرارات بصورة يومية.

2) اتساع المواجهة العسكرية

إذا تصاعدت الضربات أو التهديدات المتبادلة، قد تتحول بعض إجراءات المغادرة من اختيارية أو محدودة إلى إلزامية وأكثر اتساعا، مع تأثير مباشر على الخدمات القنصلية وحركة الموظفين.

3) عودة المسار الدبلوماسي

أما إذا عادت قنوات التهدئة، فقد تعيد واشنطن تدريجيا جزءا من العاملين إلى مواقعهم، خصوصا في البعثات التي تشكل مراكز سياسية أو قنصلية مهمة.

خلاصة المشهد

الرسالة الأساسية من التحركات الأمريكية واضحة: الشرق الأوسط يمر بمرحلة شديدة الحساسية، وواشنطن تعيد ضبط انتشارها الدبلوماسي وفقا لحسابات الأمن الميداني لا وفقا للإيقاع المعتاد للعمل القنصلي. وبينما لم يثبت حتى الآن وجود إغلاق جماعي للسفارات، فإن تقليص الوجود غير الأساسي في بعثات مثل بغداد، مع توسيع التحذيرات الإقليمية، يكشف أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع خطر التصعيد باعتباره واقعيا وقابلا للتفاقم في أي لحظة.