تحرك برلماني جديد لإقرار قانون حرية تداول المعلومات في مصر
خطوة جديدة تضع القانون على المسار التشريعي
عاد ملف قانون حرية تداول المعلومات إلى واجهة النقاش العام في مصر، بعدما أعلن نقيب الصحفيين خالد البلشي أن النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، تبنت مشروع القانون الذي خرج ضمن توصيات المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين، تمهيدًا لتقديمه إلى البرلمان في صورة مشروع قانون متكامل.
التطور الجديد يمنح الملف دفعة سياسية وتشريعية مهمة، خصوصًا أن حق الحصول على المعلومات ليس مجرد مطلب مهني للصحفيين، بل يرتبط مباشرة بحق المواطنين في المعرفة، وبقدرة مؤسسات الدولة على مواجهة الشائعات، وتحسين بيئة الأعمال، ورفع مستويات الشفافية في التعامل مع البيانات الرسمية.
وبحسب ما أعلنه البلشي، فإن تبني المشروع من جانب النائبة البرلمانية يمثل بداية خطوة رسمية نحو بدء مسار سن قانون ينظم إتاحة المعلومات في مصر، مشيرًا إلى أن مها عبد الناصر درست ملامح المشروع وحافظت على منهجه العام وفلسفته الأساسية عند التحضير لتقديمه. وتظهر بيانات مجلس النواب أن مها عبد الناصر تشغل بالفعل عضوية المجلس عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وهو ما يضفي صفة رسمية على التحرك الجاري داخل المؤسسة التشريعية.
لماذا يعود الملف الآن؟
الاهتمام المتجدد بالقانون لا يأتي من فراغ. فخلال الشهور الماضية، كرر خالد البلشي المطالبة بسرعة إصدار تشريع ينظم حرية تداول المعلومات، معتبرًا أن الشفافية هي الأداة الأكثر فاعلية في مواجهة الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة. وفي مواقف علنية سابقة، ربط نقيب الصحفيين بين إصدار القانون وبين القدرة على التصحيح السريع للمعلومات المتداولة في المجال العام، بدل الاكتفاء بردود الفعل العقابية أو المتأخرة.
هذا الطرح يلتقي أيضًا مع توجهات معلنة على مستوى الدولة. فقد أشار بيان رسمي منشور عبر بوابة الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن هناك عملًا جارياً على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات تنفيذًا للمادة 68 من الدستور، بما يوازن بين الشفافية من ناحية، وحماية المعلومات السرية من ناحية أخرى، مع دعم آليات الرد على الشائعات والأخبار الكاذبة ببيانات دقيقة وموثقة.
الأساس الدستوري: ماذا تقول المادة 68؟
أهمية القانون المطروح تتصل مباشرة بالدستور المصري. فالمادة 68 تنص على أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، وأن الإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، مع تنظيم القانون لضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد حفظها والتظلم من رفض تقديمها، وكذلك تحديد عقوبة حجب المعلومات أو تعمد إعطاء معلومات مغلوطة.
هذا النص الدستوري يجعل من أي مشروع لقانون حرية تداول المعلومات استحقاقًا تشريعيًا مؤجلًا منذ سنوات، وليس مجرد مبادرة مهنية تخص الوسط الصحفي وحده. كما أن تفعيل النص على أرض الواقع يفتح الباب أمام نظام أكثر انضباطًا لإدارة البيانات العامة، سواء في الجهات الحكومية أو المؤسسات التي تمس مصالح المواطنين اليومية.
نقابة الصحفيين تضع الملف ضمن أولوياتها
التحرك الحالي يرتبط بسياق أوسع داخل نقابة الصحفيين برئاسة خالد البلشي. فالنقابة واصلت خلال الفترة الأخيرة طرح عدد من الملفات المرتبطة بحرية العمل الصحفي والتشريعات المنظمة للمهنة، ومن بينها قوانين النشر، وميثاق الشرف، ولوائح القيد، إلى جانب المطالبة الدائمة بتوسيع ضمانات الحماية المهنية.
كما أن البلشي، الذي أعيد انتخابه نقيبًا للصحفيين في مايو 2025 بعد فوزه بـ3346 صوتًا مقابل 2562 صوتًا لأقرب منافسيه، دخل ولايته الجديدة وهو يكرر أن الإصلاح التشريعي جزء أساسي من تحسين أوضاع المهنة. وفي هذا الإطار، يبدو مشروع قانون حرية تداول المعلومات واحدًا من أبرز الملفات التي تسعى النقابة إلى نقلها من خانة المطالب إلى خانة الإقرار البرلماني.
وعند الإشارة إلى خالد البلشي، لم يتسن التحقق بشكل موثوق من حساب إنستغرام رسمي موثق له، لذلك يرد اسمه هنا من دون أي handle التزامًا بالدقة.
ما الذي يمكن أن يضيفه القانون للمجتمع والاقتصاد؟
النقاش حول حرية تداول المعلومات في مصر لا يقتصر على البعد الإعلامي. فوجود إطار قانوني واضح لإتاحة البيانات الرسمية ينعكس على أكثر من مستوى:
- مواجهة الشائعات: كلما كانت المعلومة الرسمية متاحة بسرعة وبصيغة واضحة، تراجعت مساحة التأويل والمحتوى غير الموثق.
- دعم الاستثمار: المستثمر المحلي والأجنبي يحتاج إلى بيئة معلوماتية مستقرة، وبيانات معلنة يمكن البناء عليها عند دراسة السوق أو المخاطر.
- تحسين المساءلة: إتاحة المعلومات ترفع قدرة المجتمع والإعلام والباحثين على متابعة الأداء العام وتقييم السياسات.
- تنظيم العلاقة مع الجهات الرسمية: بدل الاعتماد على اجتهادات فردية أو تفاوت في الاستجابة بين مؤسسة وأخرى، يحدد القانون الحقوق والواجبات والاستثناءات بشكل صريح.
ومن هذه الزاوية، تبدو الرسالة التي يطرحها مؤيدو المشروع أوسع من مجرد تسهيل عمل الصحفي، إذ ترتبط بفكرة الدولة الحديثة التي تدير المعلومة العامة باعتبارها موردًا يجب تنظيمه وإتاحته وفق قواعد قانونية لا وفق تقديرات متباينة.
دور البرلمان والنائبة مها عبد الناصر
تبني النائبة مها عبد الناصر للمشروع يمنح الملف قناة مباشرة إلى مجلس النواب، خصوصًا في ظل خبرتها السابقة في مناقشات متصلة بحرية إتاحة المعلومات داخل المجال العام. كما تؤكد البيانات الرسمية للبرلمان أنها عضو بالمجلس عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وهو الحزب الذي تنتمي إليه داخل الهيئة البرلمانية.
ولم يتسن التحقق بشكل موثوق من حساب إنستغرام رسمي وموثق للنائبة مها عبد الناصر، لذلك يُكتفى بذكر اسمها من دون handle. وتبقى القيمة الأساسية في هذه المرحلة هي انتقال المشروع من دوائر النقاش المهني إلى الإجراء التشريعي المباشر، وهي خطوة يراها متابعون حاسمة إذا أُريد للملف أن يتحرك فعليًا داخل الأجندة البرلمانية.
بين الحق في المعرفة وحماية السرية
أحد التحديات الأساسية في أي قانون من هذا النوع هو الموازنة بين حق المواطن في الوصول إلى المعلومات وبين ضرورة حماية ما يتعلق بالأمن القومي والخصوصية والبيانات ذات الطبيعة السرية. ولهذا تشدد الجهات الرسمية المصرية، في أكثر من مناسبة، على أن القانون المطلوب يجب أن يحقق التوازن بين الإفصاح المنضبط وبين منع كشف المعلومات التي يضر نشرها بالمصلحة العامة أو الحقوق الشخصية.
هذا التوازن ليس استثناءً مصريًا، بل جزء من فلسفة قوانين حرية المعلومات في دول كثيرة. لكن خصوصية الحالة المصرية تكمن في أن النص الدستوري قائم بالفعل، فيما يظل الرهان الآن على الصياغة التنفيذية: من يملك طلب المعلومات؟ ما المدة الزمنية للرد؟ ما حالات الرفض؟ كيف يتم التظلم؟ وما العقوبات عند الحجب المتعمد أو تقديم بيانات مغلوطة؟
هل يبدأ مسار الإقرار قريبًا؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات منشورة رسميًا بشأن موعد محدد لمناقشة المشروع تحت قبة البرلمان، لكن الإعلان عن تبنيه من نائبة حاليّة في مجلس النواب يعد تطورًا مهمًا في مسار الملف. وإذا نجح المشروع في اجتياز المراحل الإجرائية، فقد يشهد المشهد التشريعي في مصر نقاشًا واسعًا حول أحد أكثر القوانين ارتباطًا بالعلاقة بين المواطن والدولة والإعلام والاقتصاد.
في المحصلة، لا يبدو الحديث عن قانون حرية تداول المعلومات مجرد عنوان نقابي أو سياسي عابر، بل مسألة ترتبط بقدرة مؤسسات الدولة على إنتاج الثقة العامة. فحين تصبح المعلومة الدقيقة متاحة في الوقت المناسب، تتراجع الشائعة، ويصبح النقاش العام أكثر انضباطًا، كما تتحسن قدرة السوق على قراءة الواقع بعيدًا عن الضبابية. ومن هنا، فإن التحرك الذي أُعلن مؤخرًا قد يكون بداية اختبار جاد لمدى جاهزية هذا الملف للانتقال من المطالبة إلى التشريع.