Akhbar Cairo

تحرك برلماني مصري لتشديد مواجهة الاحتيال الإلكتروني

تحرك برلماني جديد لمواجهة الاحتيال الإلكتروني

يتصدر ملف الاحتيال الإلكتروني في مصر واجهة النقاش العام من جديد، بعد طرح النائب سليمان وهدان مجموعة مقترحات تستهدف تقوية حماية المواطنين في مواجهة عصابات الإنترنت، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الخدمات المصرفية الرقمية ووسائل الدفع الإلكتروني والتطبيقات المالية. ويأتي هذا التحرك داخل مجلس النواب على خلفية تنامي أنماط الخداع الرقمي، من الرسائل الاحتيالية وانتحال صفة البنوك إلى الروابط المزيفة ومحاولات الاستيلاء على بيانات البطاقات والحسابات.

ووفق ما جرى تداوله عن المقترح البرلماني، دعا وهدان إلى تبني منظومة استباقية تمنع الجريمة قبل اكتمالها، وفي مقدمتها إنشاء نظام إنذار رقمي مبكر بالتنسيق بين البنوك وشركات الدفع والجهات المختصة، بحيث يتم رصد المعاملات غير المعتادة والتنبيه الفوري عند الاشتباه في نشاط احتيالي. ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة مع توسع الدولة في الشمول المالي ونمو استخدام المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع عبر الهاتف.

لماذا يعود الملف بقوة الآن؟

التحول الرقمي السريع في مصر منح المواطنين والشركات مزايا كبيرة في إنجاز المعاملات، لكنه في المقابل فتح المجال أمام أساليب احتيال أكثر تعقيدًا. البنك المركزي المصري كان قد شدد في مواد التوعية الخاصة به على أن التصيد الاحتيالي والغش الإلكتروني من أكثر الجرائم انتشارًا في عصر الرقمنة، وتشمل الرسائل النصية والمكالمات الهاتفية والروابط والبريد الإلكتروني الذي ينتحل صفة جهات موثوقة بهدف سرقة البيانات البنكية أو كلمات المرور.

كما يوضح البنك المركزي، عبر مركز الاستجابة لطوارئ الحاسب الآلي للقطاع المالي EG-FinCIRT، أنه يخصص آليات للإبلاغ عن حوادث الأمن السيبراني والتصيد والاحتيال الإلكتروني، إضافة إلى منظومة تقنية مترابطة مع البنوك والمؤسسات المالية للمساعدة في الكشف المبكر عن المخاطر والتنبيه لاتخاذ الإجراءات الاحترازية. وهذا يعني أن فكرة «الإنذار المبكر» المطروحة برلمانيًا تنسجم مع اتجاه قائم بالفعل داخل القطاع المالي، لكنها تستهدف توسيع التنسيق وتحويله إلى إطار أكثر شمولًا ووضوحًا للمواطن.

ماذا نعرف عن المقترحات المطروحة؟

الملامح المؤكدة من التحرك البرلماني تركز على أن المواجهة لم تعد تقتصر على التحذير التقليدي بعد وقوع الضرر، بل تحتاج إلى أدوات تمنع تمرير العملية المشبوهة من الأساس. وفي صدارة هذه الأدوات يأتي:

  • نظام إنذار رقمي مبكر يربط بين البنوك وشركات الدفع والجهات المعنية لرصد الأنماط غير الطبيعية في التحويلات أو المدفوعات.
  • الإخطار الفوري للعميل عند الاشتباه في معاملة غير معتادة، بما يتيح له وقفها أو مراجعتها في الوقت المناسب.
  • تعزيز التنسيق المؤسسي بين الجهات الرقابية والمصرفية والتقنية لتبادل المؤشرات والبلاغات بصورة أسرع.
  • رفع الوعي العام باعتباره خط الدفاع الأول أمام أساليب الهندسة الاجتماعية والخداع الهاتفي والرسائل المزيفة.

ولأن بعض التفاصيل التفصيلية بشأن «الآليات الأربع» لم تظهر عبر مصدر رسمي منشور يمكن التحقق منه بالكامل، فإن المؤكد حتى الآن هو محور الإنذار المبكر والتنسيق بين البنوك وشركات الدفع، بينما يبقى أي تفصيل غير موثق خارج النشر المهني الدقيق.

إجراءات قائمة من البنك المركزي لمكافحة الاحتيال

التحرك البرلماني لا يبدأ من فراغ. ففي 25 يونيو 2026 حدّث البنك المركزي المصري الباب السادس عشر من كتاب القواعد الرقابية بعنوان مكافحة الاحتيال، ويتضمن إنشاء إدارة متخصصة لإدارة ومكافحة الاحتيال داخل البنوك، في إشارة واضحة إلى أن المواجهة أصبحت جزءًا مؤسسيًا من البنية الرقابية للقطاع المصرفي.

كذلك أعلن البنك المركزي بالتعاون مع المعهد المصرفي المصري في 28 ديسمبر 2025 إطلاق برنامج تدريبي بعنوان «أساسيات مكافحة الاحتيال» للعاملين بالبنوك، بهدف رفع قدراتهم على اكتشاف الأنشطة الاحتيالية وسرعة الاستجابة لها. وفي كلمة محافظ البنك المركزي حسن عبد الله خلال المؤتمر العربي الثاني لمكافحة الاحتيال في الأقصر يوم 29 يناير 2026، أُعلن أن الإجراءات الاستباقية للقطاع المالي ساهمت في إجهاض حالات احتيالية بقيمة 4 مليارات جنيه خلال العام السابق، مع وصول إجمالي المبالغ المستردة لصالح الضحايا إلى 116.8 مليون جنيه.

هذه الأرقام تعكس أن المسألة لم تعد مجرد تحذيرات نظرية، بل باتت معركة يومية مرتبطة مباشرة بحماية مدخرات المواطنين واستقرار المعاملات المالية الرقمية في السوق المصرية.

دور الاتصالات والأمن السيبراني في حماية المستخدمين

على الجانب التقني، كثف الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تحذيراته خلال الفترة الماضية من محاولات اختراق ورسائل خبيثة تستهدف مستخدمي الهواتف المحمولة في مصر. وفي بيان أصدره ممثلًا في EG-CERT، نبه الجهاز إلى محاولات استغلال ثغرات حديثة على الهواتف الذكية، داعيًا المستخدمين إلى تحديث أجهزتهم وتفعيل وسائل التحقق الإضافية والانتباه لأي روابط أو رسائل مشبوهة.

كما أطلق الجهاز في 20 مايو 2025 حزمة إجراءات جديدة لمواجهة المكالمات المزعجة والاحتيالية، وهي خطوة ترتبط مباشرة بأحد أبرز أساليب النصب المتداولة، حيث ينتحل بعض المحتالين صفة موظفي بنوك أو جهات خدمية لإقناع الضحية بالإفصاح عن بيانات سرية أو تحويل أموال.

ما الذي يعنيه ذلك للمواطن المصري؟

بالنسبة للمستخدم العادي، فإن أي تشريع أو تحرك برلماني في هذا الملف ستكون قيمته الحقيقية في تحويل الحماية من رد فعل متأخر إلى استجابة فورية. فغالبية عمليات الاحتيال تعتمد على عنصر السرعة والضغط النفسي: رسالة تطلب تحديث بيانات، مكالمة تزعم تجميد الحساب، أو رابط يعد بجائزة أو خدمة عاجلة. وكلما كانت هناك منظومة أسرع في اكتشاف السلوك غير المعتاد وإيقافه، قلت فرص وقوع الضحية.

ومن المهم هنا التذكير بأن البنوك العاملة في مصر لا تطلب من العملاء عادةً الإفصاح عن الرقم السري الكامل أو رمز التحقق لمرة واحدة عبر الهاتف أو الرسائل. لذلك فإن أي طلب من هذا النوع يجب اعتباره إشارة خطر تستدعي التوقف الفوري وعدم استكمال التواصل.

كيف يمكن تضييق الخناق على عصابات الإنترنت؟

نجاح أي تحرك تشريعي أو رقابي في هذا الملف يرتبط بعدة عناصر متكاملة، لا بمجرد إصدار بيانات تحذيرية. ومن أبرزها:

  • ربط قواعد الإبلاغ بين البنوك وشركات الدفع ومشغلي الاتصالات والجهات المختصة.
  • توحيد رسائل التوعية حتى تصل للمواطن بلغة بسيطة ومباشرة.
  • الاستجابة السريعة للبلاغات وتجميد المعاملات المشبوهة فورًا عند الاشتباه.
  • تدريب العاملين في المؤسسات المالية على أنماط الاحتيال المتغيرة.
  • توسيع الثقافة الرقمية لدى الجمهور، خاصة مع تنامي استخدام المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع الفوري.

خلاصة المشهد

الرسالة الأساسية من التحرك البرلماني واضحة: حماية أموال المواطنين في العصر الرقمي لم تعد ملفًا ثانويًا. ومع وجود بنية رقابية وفنية تتحرك بالفعل داخل البنك المركزي المصري والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، فإن طرح أدوات إضافية مثل الإنذار الرقمي المبكر قد يمثل خطوة مهمة إذا تُرجم إلى آليات تنفيذية واضحة وسريعة. وبين التوسع في الدفع الإلكتروني وتصاعد أساليب النصب، يبقى التحدي الحقيقي هو بناء شبكة حماية تسبق المحتال بخطوة، لا أن تطارده بعد وقوع الضرر.