Akhbar Cairo

تحرك صيني لاحتواء هجمات الحوثيين بعد طلب سعودي

الصين تدخل على خط تهدئة البحر الأحمر

تكشف التطورات المرتبطة بأزمة البحر الأحمر عن دور صيني أكثر وضوحًا في محاولة احتواء هجمات جماعة الحوثي على السفن التجارية، بعدما برزت معلومات متقاطعة عن اتصالات وضغوط مارستها بكين على طهران من أجل المساعدة في خفض التصعيد. أهمية هذه التحركات لا ترتبط فقط بحماية حركة التجارة الدولية، بل أيضًا بضمان أمن إمدادات الطاقة القادمة من الخليج، وهو ملف شديد الحساسية بالنسبة إلى الصين بوصفها أحد أكبر المستوردين للنفط في العالم.

وبحسب ما أكدته وزارة الخارجية الصينية لاحقًا في ردها على أسئلة الصحفيين، فإن بكين عبّرت علنًا عن قلقها من تصاعد التوتر في البحر الأحمر، ودعت إلى حماية الممرات البحرية الدولية وخفض التصعيد. كما شدد وزير الخارجية الصيني وانغ يي على هذا الموقف خلال زيارته إلى القاهرة في 14 يناير 2024، في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، حين قال إن الصين “تشعر بقلق بالغ” إزاء التوترات في البحر الأحمر. هذا الربط بين القاهرة وبكين مهم للقارئ المصري، لأن أي اضطراب طويل في هذا الممر ينعكس مباشرة على قناة السويس والاقتصاد المصري.

ما الذي نعرفه عن الاتصالات الصينية مع إيران؟

المعطيات المتاحة من مصادر دولية ورسمية تشير إلى أن الصين لم تتعامل مع هجمات الحوثيين باعتبارها أزمة بعيدة عنها، بل كتهديد مباشر لمصالحها التجارية والطاقة. وخلال الإحاطات الصحفية لوزارة الخارجية الصينية في يناير 2024، تجنبت بكين الخوض في تفاصيل اتصالاتها مع إيران، لكنها لم تنفِ القلق من استهداف السفن في البحر الأحمر، وأكدت أنها تعمل مع الأطراف المعنية لتهدئة الوضع والحفاظ على أمن الملاحة. وفي 26 يناير 2024، واجهت الخارجية الصينية سؤالًا مباشرًا بشأن تقارير عن مطالبة بكين لطهران بالمساعدة في كبح الهجمات، فجاء الرد بصيغة دبلوماسية ركزت على دفع خفض التصعيد وحماية التجارة الدولية.

اللافت هنا أن التحرك الصيني ينسجم مع صورة أوسع تحاول بكين ترسيخها في المنطقة منذ رعايتها استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في 10 مارس 2023. يومها صدر بيان ثلاثي رسمي برعاية الصين أعلن عودة العلاقات بين الرياض وطهران وإعادة فتح السفارات خلال مدة لا تتجاوز شهرين، مع التشديد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لذلك، فإن أي تحرك صيني جديد بشأن البحر الأحمر يبدو امتدادًا لمحاولة حماية ما تعتبره بكين إنجازًا دبلوماسيًا في الشرق الأوسط.

لماذا يهم هذا الملف السعودية؟

بالنسبة إلى السعودية، فإن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا يخص اليمن وحده، بل يطال أمن الصادرات، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الإقليمي الأوسع. المملكة ترتبط بشبكات تصدير بحرية حيوية على البحر الأحمر، كما أن أي تصعيد قرب الممرات الاستراتيجية يرفع كلفة التأمين والشحن ويزيد من التوتر في محيط الخليج والجزيرة العربية. من هنا يمكن فهم سبب اهتمام الرياض بتوظيف قنواتها السياسية مع بكين، خاصة أن العلاقات السعودية الصينية شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا واضحًا في ملفات الطاقة والتجارة والتنسيق السياسي. وفي 31 مايو 2024، عقد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان اجتماعًا في بكين مع نظيره الصيني وانغ يي لبحث العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف إزاء التطورات الإقليمية والدولية.

هذا السياق يجعل منطق الطلب السعودي مفهومًا: إذا كانت إيران تملك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا على أطراف ضمن ما يعرف بمحور المقاومة في المنطقة، فإن بكين قد ترى أن مخاطبة طهران مباشرة وسيلة عملية لحماية مصالح الجميع، أو على الأقل لمنع اتساع نطاق الأزمة. لكن من المهم الإشارة إلى أن التصريحات الرسمية المتاحة لا تقدم تفاصيل دقيقة حول فحوى أي رسائل متبادلة أو مستوى الاستجابة الإيرانية، لذا يبقى الجزء الأكبر من هذا الملف في إطار المؤشرات الدبلوماسية لا البيانات المعلنة كاملة.

البحر الأحمر.. أزمة إقليمية تمس مصر مباشرة

من الزاوية المصرية، لا يمكن قراءة أي تحرك صيني أو سعودي أو إيراني بعيدًا عن التأثير المباشر على قناة السويس. فالأزمة في البحر الأحمر أدت إلى تحويل عدد كبير من خطوط الشحن مساراتها إلى رأس الرجاء الصالح، وهو ما قلص العبور في القناة وزاد زمن الرحلات وتكاليف النقل. مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) حذر في 22 فبراير 2024 من أن الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر أثرت بشدة على الملاحة عبر قناة السويس، في وقت تمر فيه التجارة العالمية أصلًا باضطرابات جيوسياسية ومناخية.

وتظهر تقديرات أونكتاد اللاحقة أن الضغوط كانت عميقة؛ فبحلول منتصف 2024 انخفضت الحمولة العابرة لخليج عدن بنسبة 76%، كما تراجعت الحمولة المارة عبر قناة السويس بنحو 70%. أما في مصر، فنقلت الهيئة العامة للاستعلامات عن الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن عدد السفن العابرة تراجع من نحو 70 إلى 80 سفينة يوميًا إلى 30-35 سفينة فقط، بينما هبطت إيرادات القناة في 2024 بنسبة 61% لتصل إلى 3.991 مليار دولار مقارنة بـ10.25 مليار دولار في 2023. هذه الأرقام تفسر لماذا يتابع الرأي العام المصري أي تحرك دولي يهدف إلى تهدئة البحر الأحمر باهتمام بالغ.

حسابات الصين: الطاقة أولًا ثم التجارة

الصين لا تنظر إلى البحر الأحمر فقط باعتباره طريقًا بحريًا إلى أوروبا، بل أيضًا بوصفه جزءًا من شبكة أوسع تربطها بالخليج العربي ومصادر الطاقة. البيانات الرسمية الصينية خلال 2024 شددت مرارًا على ضرورة وقف الهجمات على السفن المدنية والحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. كما ظهر هذا الموقف في البيان الصيني الفرنسي المشترك الصادر في 31 مايو 2024، الذي دعا إلى وقف الهجمات على السفن المدنية فورًا من أجل حماية الأمن البحري والتجارة العالمية ومنع اتساع التوترات الإقليمية.

ومن هنا، فإن أي ضغط صيني على إيران لا يبدو تحركًا تضامنيًا مع طرف إقليمي بقدر ما هو دفاع عن مصلحة اقتصادية مباشرة. فتعطل خطوط الملاحة يهدد تدفق السلع والطاقة، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويضعف استقرار الأسواق التي تعتمد عليها بكين. كذلك فإن استمرار الهجمات يحرج الصين سياسيًا، لأنها قدمت نفسها خلال السنوات الأخيرة كوسيط قادر على تخفيف التوتر بين القوى الإقليمية، لا سيما بعد اتفاق الرياض وطهران.

ماذا يعني ذلك للمنطقة العربية؟

إذا نجحت الضغوط الصينية في دفع إيران إلى لعب دور أكثر فعالية في كبح هجمات الحوثيين، فقد ينعكس ذلك على أكثر من مستوى:

  • تهدئة ممرات الملاحة: وهو ما يخفض المخاطر على السفن التجارية وناقلات الطاقة.
  • تقليل الضغط على قناة السويس: بما قد يساعد تدريجيًا على عودة جزء من الحركة الطبيعية عبر الممر الملاحي الأهم لمصر.
  • تعزيز موقع الصين كوسيط: خصوصًا في الملفات التي تتداخل فيها مصالح الخليج مع أمن التجارة الدولية.
  • اختبار متانة التقارب السعودي الإيراني: لأن أي نجاح عملي في ملف البحر الأحمر سيُقرأ باعتباره مؤشرًا على وجود قنوات تأثير ما زالت تعمل بين الجانبين.

لكن في المقابل، فإن أي حديث عن انفراج سريع يبقى سابقًا لأوانه. فالأزمة في البحر الأحمر مرتبطة أيضًا بالحرب في غزة، وبحسابات إيرانية وأمريكية وإقليمية معقدة، إلى جانب طبيعة القرار لدى الحوثيين أنفسهم داخل اليمن. لذلك قد تكون الضغوط الصينية جزءًا من التهدئة، لكنها ليست العامل الوحيد القادر على إنهاء الهجمات أو إعادة الملاحة فورًا إلى مستوياتها الطبيعية.

خلاصة المشهد

الرسالة الأساسية في هذا التطور أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ساحة توتر عسكري محلية، بل أصبح عقدة جيوسياسية تمس الخليج ومصر وآسيا وأوروبا في آن واحد. السعودية تريد حماية محيطها الاستراتيجي ومصالحها الاقتصادية، والصين تريد تأمين الطاقة والتجارة والحفاظ على صورتها كوسيط مؤثر، ومصر تراقب ما يجري من زاوية تأثيره المباشر على قناة السويس وعائداتها. وفي قلب هذا المشهد يقف وانغ يي، مهندس جانب مهم من دبلوماسية بكين الإقليمية، باعتباره أحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بمحاولات الصين إدارة التوازنات بين الرياض وطهران.

وبينما لا تزال كثير من تفاصيل الاتصالات غير معلنة رسميًا، فإن الثابت حتى الآن هو أن بكين لم تعد تكتفي بالدعوة العامة إلى التهدئة، بل باتت تتحرك وفق حسابات مصالح واضحة في واحدة من أخطر أزمات الممرات البحرية في المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة. وهذا وحده كافٍ ليجعل الملف مفتوحًا على متابعة دقيقة في القاهرة والرياض وطهران معًا.